تشير المعطيات الراهنة والتوتر الذي تشهده العلاقة الأمريكية الإيرانية، أن إدارة بايدن الجديدة والتي ستتولى زمام الأمور في واشنطن بعد ما يقرب من أسبوعين وبالتحديد في العشرين من يناير الحالي، تواجه إشكالية ومعضلة وحيرة بعد أن وضعها ترامب في مأزق استراتيجي ضخم.

حيث يدور التساؤل حول ماذا ستفعل إدارة بايدن الجديدة مع إيران؟

هل ستحاول إحياء الاستراتيجية التي انتهجها أوباما مع إيران في السابق؟ والتي كانت تقوم على تقييد البرنامج النووي الإيراني ومحاولة محاصرته لضمان عدم انتقاله إلى مرحلة التخصيب، وبالتالي احياء الاتفاق النووي، في مقابل إطلاق يد إيران في منطقة الشرق الأوسط لتكون أحد وكلاء أمريكا المنسحبة من المنطقة وادارتها من الخلف للتفرغ الولايات المتحدة لصراعها مع الصين، وقد أدت مقاربة أوباما مع إيران إلى تمددها في المنطقة، بحيث أصبحت مسيطرة على القرار في عواصم عربية كبرى: بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء، بواسطة أذرعها كحزب الله والحوثي وبتوجيه من قيادة فيلق القدس الإيراني.

أم ستختار إدارة بايدن الاستمرار النهج الذي اتبعته إدارة ترامب؟ والتي ألغت الاتفاق النووي ثم واصلت سياسة الاحتواء ومحاصرة إيران، والتي امتدت إلى تشجيع إسرائيل على قصف القوات الإيرانية وحلفاءها في لبنان، والتنسيق معها لتدبير اغتيالات لرؤوس مؤثرة في النظام الإيراني مثل قاسم سليماني قائد فيلق القدس، واغتيال العالم النووي الإيراني محسن فخري زادة المسئول عن المشروع النووي الإيراني وغيرهما من القيادات، ثم محاولة تجميع تحالفات وحشد ومصالحات بين دول المنطقة للوقوف في وجه إيران، وانتهى الحال بإرسال حاملة طائرات إلى الخليج لإرسال رسالة إلى إيران بأن الولايات المتحدة ومن خلفها على استعداد لتلقين إيران درسا لا تنساه.

أم ستسلك إدارة بايدن طريقا ثالثا ونهجا مختلفا عن الادارتين السابقتين؟

لا شك ان عودة إدارة بايدن الديمقراطية إلى استراتيجية أوباما مع إيران أصبحت أكثر صعوبة بعد الانقلاب الذي شهدته هذه الاستراتيجية في عصر ترامب، فتفعيل الاتفاق النووي بنفس الشروط السابقة أصبح يواجه صعوبة متزايدة ويعبر عن نهج غير واقعي في التعامل مع هذا الملف، وفي نفس الوقت فإن الاستمرار في نفس استراتيجية ترامب هو انتحار للإدارة ونكوصا عن دعاية بايدن الانتخابية في أن ترامب وادارته قد سببوا خسارة وتراجعا استراتيجيا للولايات المتحدة.

وفي هذا المقال سنحاول استقراء النهج الذي قد تسلكه إدارة ترامب عن طريق استكشاف أفكار مستشاري ترامب الرئيسين ومساعديه وأركان إدارته الجديدة خاصة القريبين من الملف الإيراني.

فريق بايدن الجديد

تقول صحيفة نيويورك تايمز الأميركية إن فريق إدارة بايدن يجمع مجموعة من كبار المسؤولين السابقين في إدارة أوباما، الذين عمل معظمهم بشكل وثيق في وزارة الخارجية والبيت الأبيض ولديهم علاقات وثيقة مع بايدن تعود إلى سنوات ماضية، فالأسماء المدرجة في فريق جو بايدن، يمكن أن نجدها في معظم التفاصيل المتعلقة بالمفاوضات التي سبقت الاتفاق النووي، وها هو بايدن يعيدها إلى الواجهة مجدداً لكن هذه المرة بطريقةٍ مختلفة، إذ أنهم حالياً في أعلى مناصب القرار داخل الإدارة الأميركية، وهذا يشي بطبيعة الحال كما تقول الصحيفة برغبة لدى الرئيس المنتخب كان عبّر عنها بالعودة إلى الاتفاق النووي مع إيران.

ولكن صحيفة تايمز أوف إسرائيل ذكرت الشهر الماضي أن مستشاري المرشح الديمقراطي للرئاسة الأمريكية جو بايدن، منقسمون حول احتمال العودة إلى الاتفاق النووي مع إيران الذي تم توقيعه عام 2015، ووفقا لتقرير الصحيفة، أنه بينما قالت حملة بايدن إنها تريد الانضمام مرة أخرى إلى الاتفاق الذي انسحب منه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عام 2018، فإن بعض مساعدي بايدن يضغطون ضد العودة إليه، معتبرين أن هذه الخطوة ستضيع التقدم الذي أحرزته إدارة ترامب من خلال سياسة الضغط، ورأى هؤلاء أن السبيل للمضي قدما هو مواصلة الضغط عبر فرض المزيد من العقوبات المماثلة التي فرضتها إدارة ترامب على طهران لإجبارها.

هذه الحيرة ظهرت في تصريحات أحد أكبر مستشاري بايدن وهو جيك سوليفان، الذي سيشغل منصب مستشار الأمن القومي بعد تنصيب بايدن، وقد شغل مناصب عليا في وزارة الخارجية الأميركية خلال عهد باراك أوباما، كمساعدٍ لوزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون، وكان له دور أساسي في المفاوضات التي سبقت الاتفاق النووي عام 2015، لا سيما في فترة المحادثات الأميركية – الإيرانية التي استضافتها سلطنة عمان.

والرجل في حوار مع قناة "سي إن إن" التلفزيونية الأمريكية منذ عدة أيام قال: إن حصيلة ما فعله ترامب قبل عام بدعوى ردع طهران وفرض صفقة أفضل عليها حول برنامجها النووي إن "كل الوعود التي تلقيناها من هذه الإدارة والتي مفادها أن سياستها ستحقق لنا صفقة أفضل بشأن البرنامج النووي وستمنع إيران عن مواصلة تصرفاتها المتلاعبة في المنطقة، هذه الوعود لم تتحقق".

وأضاف مستشار جو بايدن جازما "في الحقيقة، إيران تواصل التصرف بطرق تضر بمصالح الولايات المتحدة وحلفائها ولم يردعها شيء مما تم فعله قبل عام وحتى اليوم".

وشدد على أن "الاستراتيجية التي تركز بشكل كبير على جانب واحد فقط من القوة الأمريكية، وتضع الدبلوماسية جانبا، بشكل كامل، ليست الاستراتيجية التي ستنتهي إلى تحقيق الأهداف الاستراتيجية التي تريد الولايات المتحدة تحقيقها".

في هذه الكلمات القليلة يلخص أخطر مستشاري بايدن إلى حد كبير عناصر النهج الجديد للإدارة القادمة في التعامل مع إيران كالآتي:

1-استراتيجية ترامب السابقة كانت فاشلة لأنها لم تستطع ردع إيران حيث واصلت إيران تهديد المصالح الأمريكية.

2- أن الاستراتيجية المثلى للتعامل مع إيران تقتضي تفعيل أدوات القوة كلها ولا تقتصر على القوة العسكرية بل يجب تضمينها الدبلوماسية.

أما أنتوني بلينكن الذي سيشغل منصب وزير الخارجية، بعد تنصيب الرئيس جو بايدن، وهو الذي كان يشغل في عهد باراك أوباما، منصب نائب وزير خارجية الولايات المتحدة بين عامي 2015 و2017، وكان نائباً لمستشار الأمن القومي بين عامي 2013 و2015.

ويعتبر بلينكن من أكثر المؤيدين للاتفاق النووي، وهو الذي رافق مساره بشكل مباشر.

ففي نهاية العام 2017 قال بلينكن لموقع CNN إن قرار ترامب حول ملف البرنامج النووي الإيراني يفتح الباب لفرضة وقوع مشاكل كبيرة، وقرار ترامب عمل ليس له داع من وجهة نظري، وأضاف بلينكن، أنه وفي حال ألغى الاتفاق النووي مع طهران فإن "إيران ستبدأ مجددا ببناء وتطوير ترسانة نووية محتملة، وسيضطر الرئيس الأمريكي المقبل إلى بذل جهود كبيرة لتوحيد صف المجتمع الدولي في سبيل مواجهة هذا الأمر، نحن الآن في هذا الوضع وسحب الثقة من الاتفاق النووي سينهي أي وحدة في الصف الدولي بعد جهود مضنية بذلناها للتوصل لذلك".

وفي تصريحات أخيرة له، قال إن إدارة بايدن ستدخل الاتفاق من جديد كأساس لـمفاوضات المتابعة مع إيران، وواصل انتقاده لانسحاب الإدارة الأميركية السابقة من الاتفاق النووي مع إيران بشدة، وقال إنها سياسة فشلت فشلاً ذريعاً، ولم تمنع إيران من تطوير برنامجها النووي، ولم تجلب إيران إلى طاولة المفاوضات، وعرّضت حياة جنود أميركيين في سوريا والعراق للخطر، كما أدت إلى عزلة واشنطن عن شركائها المقربين في أوروبا.

هذه التصريحات تعكس الحيرة التي وجدت فيها إدارة بايدن الجديدة نفسها، والتي حرصت إدارة ترامب على توريطها فيها.

ولكن هناك حقيقة أخرى وهي أن المتغيرات على الأرض، خلال الأسبوعين القادمين قبل أن تتولى إدارة بايدن بشكل رسمي في العشرين من يناير الحالي، ستكون لها دور متزايدا في موقف الإدارة الجديدة من إيران، كما ان نتائج انتخابات الكونجرس الأمريكي والتي تميل إلى حصول الديمقراطيين على الغالبية في كل من مجلسي الشيوخ والنواب ستجعل إدارة بادين أكثر قوة في فرض أجندتها القادمة خاصة على السياسة الخارجية الأمريكية.