منذ أن أمسك نظام الآيات بتلابيب نظام الحكم في إيران عام 1979، وتنتشر في الاعلام بين فترة وأخرى تهديدات بالحرب بين كل أمريكا وإيران، لتتصدر الصحف والمواقع الإلكترونية العناوين الضخمة من قبيل "هل يشهد الشرق الأوسط حربا بين إيران وأمريكا؟"، ويتبارى المسئولون في كل من البلدين بتصعيد لهجة التصريحات، بل وتتحرك حاملات الطائرات الأمريكية وتقترب من شواطئ الخليج ويجري ما يطلق عليه الحرس الثوري الإيراني مناورات ضخمة في المياه المحلية القريبة، ويتبارى المحللون الاستراتيجيون في توقع سيناريو المواجهة بين الخصمين، ويرسمون سيناريوهات قاتمة لصواريخ نووية موجهة وتدمير لآبار النفط لدول المنطقة، بل يخرج أحدهم ليصف المشهد بأنها حرب عالمية قادمة، ويحبس العالم أنفاسه مترقبا السيناريو المرعب، وفجأة يتلاشى كل شيء وتختفي التهديدات ويتناساها الناس، وهكذا كل عدة سنوات منذ أكثر من أربعين عاما يتكرر ذلك المشهد.

فقد بدأ التصعيد في حلقته الأخيرة من المسلسل التلفزيوني منذ عشرة أيام تقريبا، مع اقتراب ذكرى اغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني والقيادي الرفيع في الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس، عندما صرح المتحدث باسم القيادة المركزية الأمريكية ويليام أوربان في بيان: أن هجوما بالصواريخ قد تم شنه على المنطقة الخضراء في وسط بغداد حيث تتواجد مبان مجمع السفارة الأمريكية، وذكر البيان أن هذا الهجوم يعتبر أكبر هجوم على المنطقة الخضراء منذ 2010، قد تم فيه إطلاق 21 صاروخا...وأضاف أوربان: " أن هذا الهجوم الصاروخي لم يتسبب في وقوع إصابات أو ضحايا أمريكيين، ومن الواضح أن الهجوم كان يتجنب وقوع إصابات، واتهم البيان الأمريكي المجموعات المدعومة من إيران بهذا الهجوم.

وبعدها بيومين هدد ترامب إيران عبر تويتر وكتب أنه يقدم "بعض النصائح الصحية الودية لإيران: إذا قُتل أمريكي، فسأحمل إيران المسؤولية. فكروا مليا". وأردف قائلا من على متن طائرة الرئاسة "سفارتنا في بغداد تعرضت يوم الأحد لعدة صواريخ. ثلاثة صواريخ لم تنطلق. خمنوا من أين أتتت: إيران ".

وفي اليوم التالي وردا على تغريدة ترامب غرد المستشار العسكري للمرشد الأعلى في إيران حسین دهقان، مهددا القوات الأمريكية المنتشرة في منطقة الخليج، قائلا إن:" الصواريخ الإيرانية تغطي كل القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة". وكتب في تغريدته: "نوصي الرجل الذي طرد من البيت الأبيض (في إشارة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب)، ألا يجعل من العام الجديد عزاء بالنسبة للأمريكيين".

وردا على ذلك قال مسؤول عسكري أمريكي كبير في تصريح لشبكة فوكس نيوز: إن تقارير استخباراتية تشير إلى أن إيران عازمة على الانتقام بقوة لمقتل قائد فيلق القدس قاسم سليماني، وأضاف بأن إيران تنوي توجيه (هجمات دقيقة) إلى الجيش الأمريكي والمصالح الأمريكية في منطقة الخليج العربي، في الذكرى الأولى لمقتل قائد فيلق القدس قاسم سليماني.

ولتأكيد الجدية الأمريكية المزعومة أعلنت القيادة الوسطى في القوات الأميركية، إرسال قاذفتين استراتيجيتين من طرازB52 إلى الشرق الأوسط، وقالت القيادة في بيان نشر على موقعها الإلكتروني إن “قاذفتي القنابل أقلعتا من قاعدة مينوت الجوية في ولاية داكوتا الشمالية وحلقتا عمدا في سماء الشرق الأوسط.

بينما صعد الطرف الإيراني هو الآخر من تهديداته فقد ذكرت شبكة سي إن إن نقلا عن مسؤول بالبنتاجون، أن هناك معلومات استخباراتية تفيد بأن إيران وميليشيات متعاونة معها في العراق ربما يخططون لهجمات ضد القوات الأمريكية بالمنطقة، وقال المسؤول إن إيران نقلت صواريخ بالستية قصيرة المدى إلى العراق مما دفع الولايات المتحدة إلى نشر المزيد من التعزيزات العسكرية.

ثم كانت النهاية المتوقعة والمتكررة للمسلسل، عندما أعلن القائم بأعمال وزير الدفاع الأمريكي كريستوفر ميللر، أن واشنطن قررت سحب حاملة الطائرات التابعة للبحرية الوحيدة العاملة في الشرق الأوسط إلى البلاد، وهي حاملة الطائرات الأمريكية الوحيدة في الشرق الأوسط في منطقة الخليج والمحيط الهندي منذ يونيو 2020.

وسرعان ما جاء الرد الإيراني المعتاد على لسان الرئيس الإيراني حسن روحاني، عندما صرح بأن بلاده وشعوب المنطقة ستنتقم في الوقت المناسب لمقتل قائد فيلق القدس...وهذا التصريح يعني في لغة السياسة أن إيران لن تنتقم الآن ولن يكون هناك تصعيد أو حرب.

ولا شك ان الذي يقتنع بهذه الحرب المزعومة وينخدع بهذا العبث في كل مرة، لا يفهم أو لا يريد أن يفهم طبيعة العلاقات بين أمريكا وإيران، بل لا يستوعب العلاقات الدولية وإدارة الصراع بين الأطراف المختلفة.

ولا يمكن فهم العلاقات الإيرانية الأمريكية في الأربعين سنة الأخيرة إلا بقراءة كتاب رهينة خميني، الذي ألفه روبرت كارمن درايفوس وهو باحث فرنسي متخصص في الشؤون الاستخبارية شغل في أواخر السبعينيات ومطلع الثمانينيات مدير قسم الشرق الأوسط في مجلة أنتلجنس ريفيو، هذا الكتاب الذي تم تأليفه وطبعه في عام 1980م ونسخه المتداولة قليلة جداً، ولا ندري لماذا لم يطبع مرة أخرى بعد ترجمته في أوائل الثمانينيات؟ ويجيب هذا الكتاب عن السر وراء تعاون الثورة الخمينية مع الولايات المتحدة، وبعد استعراض الأدلة الكثيرة يخلص الكتاب إلى أن إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق كارتر، قد قامت بتعمد هادئ وتدبير مسبق خبيث على حد وصف المؤلف لمساعدة الحركة "الشيعية" التي نظمت الإطاحة بشاه إيران، واشتركت إدارة كارتر في كل خطوة ابتداءً من الاستعدادات الدعائية إلى تجهيز الأسلحة والذخيرة، ومن الصفقات التي تمت خلف الكواليس مع الخونة في جيش الشاه إلى الإنذار النهائي الذي أعطي للزعيم المهزوم في يناير 1979م لمغادرة إيران. ويمثل هذا فصلاً آخر من الفصول السرية التي مارستها الدوائر الحاكمة في التاريخ السياسي للولايات المتحدة.

بينما المتتبع لتاريخ العلاقات الإيرانية الأمريكية العلنية في أعقاب الثورة الإيرانية، يجد شيئا آخر... يجد أن تبادل الاتهامات والحملات الإعلامية كانت هي السمة البارزة في العلاقات بين الطرفين، ولكن متى كانت السياسة هي العلاقات الظاهرية، وخاصة في منطقتنا؟ فالبلدان يتمتعان بعلاقات تحالف وتوافق مصالح وتنسيق سري جرى منذ أيام سقوط الشاه مروراً بفضيحة (الكونترا) وهي امداد إيران بالأسلحة في حربها مع العراق، حتى الوصول إلى التحالف لإسقاط طالبان ومن بعده نظام صدام وتصريح نائب الرئيس الإيراني وقتها: لولا إيران ما سقطت بغداد أو كابول.

فقد سبقت الحرب الأمريكية على العراق عام 2003 على سبيل المثال، جلسات ولقاءات سرية عقدت في عدة عواصم أوروبية بين ضباط إيرانيين ونظرائهم الأمريكيين، وكذلك عبر الضغط على حلفاء إيران من الشيعة العراقيين للتنسيق مع الولايات المتحدة، وتشير المصادر الصحفية وقتها، أنه كانت هناك مجالاً مفتوحاً للحوارات والجلسات السرية بين الولايات المتحدة وإيران بخصوص العراق والتي تُعقد في الغرف الخلفية، والتي يديرها رفسنجاني من إيران، والدكتور ولاياتي من بعض الدول المجاورة.

ولم تكن زلة موقف أن تطلب الإدارة الأميركية في بداية الغزو من الحكومة الإيرانية، أن تكون وسيطاً مع مقتدى الصدر لمعالجة التداعيات في النجف وكربلاء، ووصل الغزل الأمريكي الإيراني في العراق إلى حد ما صرح به نائب المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية آدم إرلي الذي نفى فيها تورط إيران فيما يجري في العراق، وفي حوار مع الناطق الرسمي باسم هيئة علماء المسلمين في العراق وقتها الدكتور بشار الفيضي على موقع إسلام أون لاين، قال أمريكا هي من أعطت الضوء الأخضر للنفوذ الإيراني ولدينا وثائق مرعبة، وبعضها سُلّمت للأمم المتحدة، ومنها مثلاً أن هناك ضباطاً إيرانيين يحققون مع أبناء المقاومة العراقية داخل معسكرات أمريكية، هذا شيء مرعب.

فكون إيران قوة اقليمية قادرة على الوقوف في وجه اي مشروع سني ينابذ أمريكا وحليفتها اسرائيل العداء ويكون مهددا لوجودها فهذا مطلوب، ولكن غير مسموح أمريكيا واسرائيليا أن يتعدى المشروع الايراني هذا الدور المطلوب أي تحجيم القوة السنية، فاذا حاولت إيران ان تكون قوة عظمى تمتلك سلاحا نوويا هناك ستكون أمريكا واسرائيل لها بالمرصاد لإعادتها الى الدور المطلوب منها.