سؤال يتبادر إلى الذهن ويشغل كثيرا من الناس وهو كيف خسر ترامب السباق على كرسي الرئاسة الذي كان بمثابة الولاية الثانية له؟ علما بأن عشرة رؤساء أمريكيين فقط هم من خسروا الولاية الثانية على مدار 231 عاما.

وتتعدد الآراء حول أسباب خسارة ترامب، ولكن أكثر الأسباب تمحورت حول وباء كورونا.

فهل كان الوباء بالفعل السبب المباشر لسقوط ترامب؟

وكيف أثر وباء عالمي وقوض فرص استمرارية رئيس أقوى دولة في العالم للبقاء في الحكم؟

فرص ترامب قبل الوباء

طيلة ثلاث سنوات قبل ظهور وباء كورونا، ظل ترامب يفتخر بإنجازاته على أداء الاقتصاد الأمريكي، حيث كان يردد دائما أن الاقتصاد الأمريكي يعيش مرحلة ذروة تاريخية، وربما هو الأعظم منه في أي مرحلة أخرى مر بها على مدار التاريخ كما يردد دائما، وفي شهر سبتمبر من عام 2019 أي قبل ستة أشهر من تفشي كورونا وفي خطاب له في الجمعية العامة للأمم المتحدة، عزز ترامب مزاعمه بالإشارة إلى كيف ساعدت سياساته المؤيدة للنمو الاقتصادي الأمريكيين في الحصول على وظائف ورواتب.

بالفعل فقد استطاع ترامب أن يوفر في أول ثلاث سنوات من ولايته الأولى فرص عمل في قطاع الصناعة، تتجاوز تلك التي توافرت في آخر ثلاث سنوات من حكم سلفه الديمقراطي باراك أوباما وفق وزارة العمل الأمريكية، كما أنه أبرم الاتفاق التجاري مع كندا والمكسيك الذي تضمن بنودا تعزز التوظيف في الولايات المتحدة، عبر اشتراط أن يكون نحو نصف إنتاج أمريكا الشمالية من السيارات من قبل عاملين أجورهم مرتفعة، كما تشترط هذه الاتفاقيات تشديد أحكام العمالة التي تجبر المكسيك على إصلاح قوانينها.

وقد كلفت إذاعة البي بي سي فريقا لتقصي مزاعم ترامب تلك فتوصل هذا الفريق إلى أن الاقتصاد الأمريكي يسير بوتيرة جيدة في خلال حكم ترامب، بيد أنه ثمة فترات أخرى كان الاقتصاد فيها أقوى.

كما أشاد بهذا الاقتصاد ماريك ماسترز، أستاذ الأعمال بجامعة وين ستيت المتخصص في قضايا العمل في حديث مع قناة دوتش فيلله الألمانية حيث قال: إن سجل ترامب في الوظائف إيجابي بشكل عام، وإن سياساته التجارية لها "جاذبية سياسية كبيرة" بين كثير من المواطنين الأمريكيين.

وذكرت قناة سي إن بي سي الأمريكية المتخصصة في الاقتصاد أن التخفيضات الضريبية ووعود ترامب بالإنفاق على البنى التحتية، قد أعطت دفعة قوية لأسواق الأسهم الأميركية التي سجلت خلال 2017 على سبيل المثال وهي السنة الأولى من حكم ترامب، مستويات قياسية تمثلت بارتفاع مؤشر داو جونز بنحو 31% وهو أفضل أداء للمؤشر خلال السنة الأولى لرئيس منذ فرانكلين روزفلت.

كذلك أظهرت سياسة ترامب وتصريحاته فيما يتعلق بأسواق النفط، وما يتعلق بالمعروض للنفط في محاولة منه للضغط على الدول المنتجة لضخ المزيد من الإنتاج النفطي لتقليل الأسعار، وهو ما نجح فيه بالفعل، الأمر الذي ساعد الاقتصاد الأمريكي كثيرا ولكنه أضر بالدول الأخرى وهو لا يكترث به ترامب.

لقد ظلت الورقة الاقتصادية هي الورقة الرابحة التي كانت ستجعل الطريق معبدا لترامب لتجديد فرصه للفوز بفترة رئاسية جديدة، ولكن جاء ما هو غير متوقع.

تأثير الوباء في العالم

منذ بداية الإعلان عن تفشي الوباء في 31 ديسمبر من العام الماضي والذي بدأ في الصين، أعلن عن إصابة عشرات الملايين بهذا الوباء بلغ حتى يوم الجمعة الماضي ما يقرب من سبعين مليون، وبلغت حالات الوفاة منه أكثر من مليون ونصف حالة وفاة، أما في الولايات المتحدة الأمريكية فتسجل أعلى معدلات الإصابة بهذا الوباء، حيث بلغت الإصابات ما يقرب من 16 مليون واقتربت الوفيات من ثلاثمائة ألف شخص.

وقد سبب تفشي الوباء في خسائر اقتصادية عالمية قدرت الـ 50 مليار دولار، في حين تشير تقديرات أخرى إلى أن الاقتصاد العالمي معرض لخسارة أكثر من 2 ترليون (ألف مليار) دولار.

وكان من الطبيعي أن تكون الدولة الأكبر في تأثر اقتصادها بالوباء هي الولايات المتحدة، التي تستحوذ على 20 % من الاقتصاد العالمي.

ووفقاً لوزارة الخزانة الأمريكية بلغ عجز الميزانية الاتحادية للسنة المالية 2019 حتى شهر سبتمبر الماضي نحو 984 مليار دولار، أي ما يوازي 4.6% من إجمالي الناتج الداخلي، ويعد هذا العجز الأكبر منذ عام 2012 عندما بلغ العجز 1100 مليار دولار في عهد الرئيس السابق باراك أوباما.

وتشير دراسة أجرتها الجمعية الوطنية لاقتصاديات الأعمال الأمريكية، أن النمو الاقتصادي قد انخفض بمعدل 2.4٪ في الربع الأول، وانخفض بنسبة تبلغ 26.5٪ في الربع الثاني.

كما وصل عدد الأشخاص الذين تقدموا بطلبات للحصول على إعانة البطالة إلى مستوى قياسي في الولايات المتحدة، حين ارتفع معدل البطالة إلى 14.7 في المائة، مع فقدان 20.5 مليون وظيفة.

كيف تعامل ترامب مع الوباء

منذ اليوم الأول من بدء تفشي وباء كورونا في أمريكا، أدرك ترامب تأثيراته الخطيرة المتوقعة على الاقتصاد الأمريكي، وخاصة أن هذا الاقتصاد كان يعتبر أكثر الإنجازات التي يعول عليها ترامب في اقناع الناخبين بجدارته بالفوز والاستمرار في مقعد الرئاسة، ولذلك ارتكزت استراتيجيته في البداية على التهويل من شأنه ومحاربة أي دعوات إلى الاغلاق، وعندما عجز عن الاستمرار في التهوين بدأ استراتيجية احتواء المرض والتعجيل بإنتاج اللقاح الذي يعالج كورونا، ولجأ ترامب لذلك بعد أن ازداد الوباء شراسة وخالفت كثير من مجالس الولايات قرارات منع الاغلاق، بل إن ترامب أصيب هو نفسه وزوجته بالوباء.

وكان من بين النهج الذي انتهجه ترامب مقارنته معدلات الوفاة في دول أخرى مع معدلات الوفاة في الولايات المتحدة، زاعماً بأن الأخيرة أقل بكثير، فأشار إلى العدد المتزايد من حالات الإصابة في أوروبا، قائلاً: "بصراحة، أرقامهم بلغت مستوى أسوأ بكثير من الأرقام التي لدينا."

وفي تجمع انتخابي له في يونيو الماضي، أبلغ ترامب الحشود قائلاً: "قلت لجماعتي، أبطئوا من عملية إجراء الفحوص، من فضلكم"، ولكن سرعان ما تراجع عن هذا التعليق مبررا إن تعليقه كان فيه نوع من السخرية.

وقبل انتخابات الرئاسة الأمريكية بيومين وبالتحديد في الثاني من نوفمبر الماضي، انتقد أنطوني فاوتشي مدير المعهد الأمريكي للأمراض المعدية وعضو خلية مكافحة فيروس كورونا والمستشار الأبرز لدونالد ترامب حول الوباء، استراتيجية الإدارة الأمريكية في التعامل مع أزمة كوفيد 19، وذلك في مقابلة مع صحيفة واشنطن بوست الأمريكية.

فماذا كان رأي فاوتشر: اعتبر الرجل أن وضع الولايات المتحدة أشد ما يكون سوء في مواجهة تسارع انتشار حالات كوفيد-19، وقال محذرا سنتألم مضيفا الوضع ليس جيدا.

وأشار إلى أن دونالد ترامب لم يعد يأخذ بنصائحه، وبات يفضل الآن طبيب الأشعة العصبية سكوت أتلاس المؤيد لإعادة فتح واسعة للمجتمع الأمريكي بدلا من تعزيز إجراءات الوقاية.

وتابع فاوتشي قائلا: فجأة، لم يعودوا يرغبون في الاستماع إلى رسالتنا لأنها لا تتوافق مع ما يريدون فعله مشيرا إلى أنه لم يتحدث مع الرئيس منذ عدة أسابيع.

قبلها بشهر وصف ترامب علنا فاوتشي بالغبي، خلال مؤتمر عبر الهاتف حيث قال بالنص: فاوتشي "كارثة" مضيفا "الناس يقولون: اتركونا وشأننا. لقد تعبوا... تعبوا من الإصغاء لفاوتشي وكل هؤلاء الأغبياء، وأضاف ساخراً: إنه في هذا المنصب منذ 500 عام في إشارة إلى تقدم السن بفاوتشي البالغ 79 عاماً، وتابع ترامب: لو أصغينا له، لكان توفي نحو 700 ألف أو 800 ألف شخص.

وأدى هجوم ترامب على فاوتشي الى قيام مؤيدو ترامب وخاصة من أوساط اليمين المتطرف الأمريكي، بارسال تهديدات لفاوتشي بالقتل ضده وضد زوجته وأبنائه.

وادت سياسة اللامبالاة من جانب ترامب، إلى قيام جون بايدن اثناء الحملة الانتخابية باتهام ترامب بأنه حاول منع تمويل مراكز التحكم بالأمراض والوقاية منها.

باختصار فإن تصرفات واستراتيجيات ترامب أثناء الوباء وطريقة تعامله معه، كانت كفيلة بتغيير موقف شريحة كبيرة من المجتمع الأمريكي من ترامب، وانعكس هذا التغيير في صندوق الانتخابات.