"إذا سُمح لروسيا بتشكيل النتيجة النهائية للصراع الليبي فإن ذلك لن يعجب أمريكا وخصوصا الناتو وأوروبا"

هذا تصريح لقائد القيادة الأفريقية في الجيش الأمريكي، الجنرال ستيفن تاوساند أوردته محطة سي إن إن الإخبارية، وأضاف تاوساند: تماما كما رأيتهم الروس يفعلونه في سوريا، يقومون بتوسيع رقعة وجودهم العسكري في أفريقيا باستخدام مجموعات مرتزقة مدعومة من الحكومة.

هذا التصريح يعبر بقوة عن بعض ما تريده الولايات المتحدة من ليبيا.

فمنذ شهور تمكنت حكومة الوفاق الوطني الليبية بمساعدة تركية، من دفع قوات المشير خليفة حفتر قائد قوات شرق ليبيا التي تعرف باسم الجيش الوطني الليبي إلى جانب قوات روسية من شركة فاغنر الخاصة إلى شرق البلاد.

إلا أن روسيا لم تتخل عن حفتر، ففي الوقت الذي كانت تنسحب فيه القوات شرقا، كان لدى الكرملين مفاجأة، فبعدها بيومين أرسلت موسكو وصلت طائرات عسكرية روسية إلى شرق ليبيا، حيث قالت القيادة الأفريقية بالجيش الأمريكي إن ما مجموعة 14 طائرة من طراز ميغ 29 وأخرى من طراز SU-24 وصلت من روسيا عبر إيران وسوريا، قائلة: "هذه الطائرات يرجح أنها لتقديم دعم جوي قريب وقوة نارية هجومية".

تاريخ العلاقات الأمريكية الليبية

في العصر الحديث كانت ليبيا دائما محط أنظار الساسة في أمريكا سواء بالسلب أم بالإيجاب.

ففي عهد الملك السنوسي بعد الاستقلال، زار وزير الخارجية الاميركي جون فوستر دالاس في عهد الرئيس دوايت ايزنهاور ليبيا عام 1953، وبعدها بأربع سنوات عام 1957 زار نائب الرئيس الأمريكي عندئذ نيكسون طرابلس.

ومع بداية انقلاب القذافي عام 1969 شهدت العلاقات العلنية تدهورا متزايدا، ففي عام 1970 أخلت القوات الجوية الاميركية قاعدة ويلس في ليبيا، وهي قاعدة جوية كانت تستخدمها القوات الأمريكية منذ عام 1943 ووصفها سفير سابق للولايات المتحدة الأمريكية في ليبيا بكونها أمريكا مصغرة على ضفاف البحر المتوسط،

وتم تغيير اسم القاعدة إلى قاعدة عقبة بن نافع الجوية، ثم إلى (قاعدة معيتيقة الجوية) نسبة إلى طفلة ليبية تقطن بجوار القاعدة ماتت إثر سقوط طائرة أمريكية فوق منزلها.

وبعدها بسنتين تم سحب السفير الأمريكي من طرابلس، وأعقبها قيام القذافي بحظر على السفن التابعة لسلاح البحرية الاميركية دخول المياه الليبية بعد أن اتهمت واشنطن القذافي بالضلوع في الإرهاب.

وفي عام 1979 ازداد التصعيد بين الطرفين حين قام متظاهرون يؤيدون قيام الثورة الايرانية بمهاجمة وحرق السفارة الاميركية في طرابلس، أعقب ذلك اسقاط مقاتلتين ليبيتين بنيران سلاح الجو الاميركي الذي اتهمه القذافي بانتهاك الاجواء الليبية، وفي عام 1986 كثفت الولايات المتحدة حظرها الاقتصادي المفروض على ليبيا وجمدت الارصدة الليبية في البنوك الأميركية، وقالت ليبيا ان اشتباكا بحريا مع القوات الاميركية في خليج سرت أدى الى مقتل 58 ليبيا.

في عام 1986 تعرضت قاعدة المعيتيقة لقصف أمريكي بطائرات حربية في أثناء الغارة الأمريكية على ليبيا والتي استهدفت مواقع في مدينتي طرابلس وبنغازي مما ادى الى مقتل 41 شخصا، حين اتهمت الولايات المتحدة ليبيا بالضلوع في انفجار قنبلة في ملهى ليلي في برلين يرتاده الاميركيون.

وبعد هذه الحادثة بسنتين انفجرت طائرة تابعة لخطوط بان اميركان فوق مدينة لوكربي الأسكتلندية مما ادى الى مقتل 270 شخصا كانوا على متن الطائرة، واتهمت الولايات المتحدة ليبيا بالضلوع في تفجير الطائرة وتم الطلب باستدعاء عميلين ليبيين للمثول أمام المحكمة، وعلى أثرها أصدر مجلس الامن قرارا يدعو الى فرض حظر عسكري وجوي على ليبيا.

ولكن النظام الليبي نجح في ابرام اتفاقا مع الولايات المتحدة وبريطانيا يحاكم بموجبه المتهمان الليبيان بالضلوع في تفجير لوكربي امام محكمة أسكتلندية تعقد في هولندا.

وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، أخذ منحنى العلاقات الأمريكية الليبية في التصاعد الإيجابي، ففي عام 2003 قبلت ليبيا المسؤولية القانونية عن تفجير لوكربي كما قبلت دفع تعويضات لعائلات الضحايا، فتم رفع العقوبات الدولية عن ليبيا، ثم أعلن القذافي تخلي بلاده عن اسلحة الدمار الشامل، ثم توالت الإجراءات بتحسين العلاقات بالإعلان عن عودة العلاقات الدبلوماسية، وتم افتتاح شعبة للمصالح الليبية في واشنطن، والتقي القذافي مع وليام بيرنز مساعد وزيرة الخارجية الاميركية في طرابلس في اول لقاء مع مسؤول اميركي منذ اكثر من 30 عاما، واستأنفت صادرات النفط الليبية الى الولايات المتحدة بعد أن ألغيت العقوبات الاقتصادية المفروضة على ليبيا، وأزالت أمريكا اسم ليبيا عن لائحة وزارة الخارجية للدول الداعمة للإرهاب، وتمت زيارات متبادلة بين وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس التي استقبلت نظيرها الليبي عبد الرحمن شلقم في واشنطن ثم استقبلها القذافي في ليبيا بعد ذلك.

وفي تصريحات للقذافي عام 2010 أي قبل سقوطه بعدة أشهر وصف فيها العلاقات الامريكية الليبية بالممتازة، واضاف القذافي خلال كلمة عبر الفيديو من ليبيا امام مجلس الشؤون العالمية قائلا ان الولايات المتحدة "قوة عظمى كان لنا مواجهة معها لكنها أصبحت وراءنا".

ووصف القذافى التشنج في العلاقات بين البلدين في الثمانينيات بانه اوقات صعبة، ورأى ان الولايات المتحدة لديها طلب كبير على النفط وحرمت نفسها سابقا من حقول النفط الليبية، مشيرا الى الشركات التي حرمت نفسها او ربما حرمتها الادارة الامريكية من هذا النفط عادت الان الى العمل في ليبيا في قطاعي النفط والغاز.

وبعد ثورة ليبيا عام 2011 حاولت أمريكا استمالة ليبيا، فزارت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون طرابلس، وصرحت "أنا فخورة بالوقوف هنا فوق تربة ليبيا المحررة... الولايات المتحدة فخورة بالوقوف معكم في معركتكم من أجل الحرية"، ولكن سرعان ما توترت العلاقة مرة أخرى عند حرق القنصلية الأمريكية في بنغازي الأمر الذي أدى إلى قتل أربعة من موظفي السفارة يتقدمهم السفير الأميركي كريس ستفينز، أعقبها انسحاب امريكي على المستوى السياسي.

من هذا الاستعراض المختصر لجوانب العلاقة وتاريخها يتبين لنا أن الاهداف الاستراتيجية للولايات المتحدة في ليبيا تتوزع على نوعين من الأهداف: جيوبوليتيكي واقتصادي.

الأهمية الجيوبوليتيكية لليبيا بالنسبة لأمريكا تكمن في مسارين رئيسين:

الأول: في شمال ليبيا حيث حدود ليبيا على البحر المتوسط وبالتحديد في وسط جنوب المتوسط وعلى امتداد يكاد يصل 2000 كيلو متر، وهي بهذه الحدود الطويلة تعد الجار الأكبر لأوروبا في منطقة جنوب المتوسط، ولا تضاهيها أي دولة من شمال إفريقيا في طول هذه الحدود، ومن ثَمَّ فإن أي قضية تتعلق بمشاكل تواجهها أوروبا بالنسبة لحدودها الجنوبية فإن ليبيا لها الأولوية في التأثير على هذه المشاكل، ومنها على سبيل المثال قضية الهجرة غير الشرعية.

الثاني: الحدود الجنوبية لليبيا، فهي تتقاطع مع الصحراء الكبرى التي تتوسط القارة الإفريقية، وتشكل منطقة جنوب الصحراء محوراً للصراع بين عدة قوى كبرى هي (أمريكا والصين وفرنسا) حيث يدور الصراع حول مكافحة الإرهاب وحيازة النفط، وقد أسست الولايات المتحدة عام 2007م قوات أفريكوم وهي وحدة مكونة من قوات مقاتلة موحدة تحت إدارة وزارة الدفاع الأمريكية وهي مسؤولة عن العمليات العسكرية الأمريكية وعن العلاقات العسكرية مع كثير من الدول الأفريقية جنوب الصحراء ، وتتجه الآن نحو الحد من التدخل المباشر والاستعانة بقوات إقليمية تقوم بالمهمة تلك، وفي الوقت نفسه تقدم أمريكا الدعم للقوات التركية لتقوم بالدور المنوط بها.

ليبيا والنفط

ويتمثل البعد الاقتصادي للأهداف الأمريكية تجاه ليبيا في وجود النفط، الذي يشكل نحو 94% من موارد البلاد التي اكتشف فيها النفط لأول مرة عام 1958م، وبدأ إنتاجه رسميّاً عام 1961م، وفي أقصى ذروته بلغ إنتاج النفط الليبي ما يقرب من ثلاثة ملايين برميل يومياً في الثمانينيات من القرن الماضي، وتتـزايد أهمية مكـانة ليبيا على خريطة النفط الدولية بوجود 46.4 مليار برميل فيها كاحتياطي مؤكد، وهو ما أهَّلَها لاحتلال المركز الثامن دوليّاً في حجم الاحتياطي الخام وبنسبة 4.4% من الاحتياطي الدولي. وأكثر البترول الليبي يتم تصديره إلى الدول الأوروبية بما نسبته 79% من صادرات النفط الليبي بسبب القرب الجغرافي والعلاقات التاريخية التجارية وجودة أنواع الخام الليبي قليل المحتوى الكربوني وهو ما يسهِّل عمليات تكريره، وقبل حصار طرابلس الأخير كانت ليبيـا تضخ ما يقرب من 1.2 مليون برميل يومياً، ولكن بعد إغلاق حقلَي النفط الشرارة والفيل انخفض إنتاج النفط الليبي إلى رقم غير مسبوق حيث بلغ معدل 75 ألف برميل يومياً. وهذه الثروة العالية الناتجة عن تصدير النفط لها فعاليتها وقدرتها؛ خاصة عندما نعلم أن عدد سكان ليبيا يتجاوز ستة ملايين بقليل.

والتحكم في انتاج النفط العالمي ومسارات نقله هو أحد ركائز الاستراتيجية الأمريكية في العالم حيث عن طريق التحكم في منابعه وفي مسارات نقله تستطيع الولايات المتحدة الاستحواذ على ورقة ضغط خطيرة على الدول الكبرى مثل الصين.

ستظل أمريكا تدير الملف الليبي عن طريق وكلاء دون التورط المباشر فيه حيث أن الاستراتيجية الأمريكية في العالم تقوم على تقليل التكلفة البشرية والمالية، وتحقيق المصالح الأمريكية بأقل الخسائر وهذا ما تفعله في ليبيا.