يوم الأحد الماضي استمر مسلسل اغتيال القيادات العسكرية الإيرانية، حيث قامت طائرة من دون طيار بقتل القائد في الحرس الثوري الايراني مسلم شهدان و٣ آخرين، في استهداف مباشر لعربتهم بعد ان عبرت الحدود العراقية الى داخل سوريا.

وقبلها بيومين أي يوم الجمعة الماضي، اغتالت جهة مجهولة مدير المشروع النووي الايراني محسن فخري زادة، حيث ذكرت وكالة أنباء فارس الإيرانية أن الاغتيال تم بواسطة مدفع رشاش آلي يجري التحكم به من بعد، منصوب على سيارة نيسان (شاحنه صغيرة) كانت متوقفة على بعد 150 مترا من سيارة فخري بإطلاق وابل من الرصاص عليه، مضيفة: أصابت رصاصتان العالم الإيراني في خاصرته وعيار ناري في ظهره مما أدى إلى قطع نخاعه الشوكي، ‏بينما نقلت شبكة سي ان ان الأمريكية عن مسؤول في الإدارة الأمريكية قوله: إن إسرائيل تقف وراء اغتيال العالم النووي الإيراني.

وفي بداية العام الحالي وبالتحديد في 3 يناير 2020 كانت الضربة الكبرى الموجهة ضد إيران باغتيال قاسم سليماني قائد فيلق القدس والمسئول عن الأذرع الايرانية في الخارج، والذي يعتبره البعض الرجل الثاني في النظام من حيث التأثير بعد مرشد الجمهورية علي خامنئي.

وفي شهر يونيو الماضي، وقعت سلسلة تفجيرات مجهولة الهوية هزت العاصمة طهران ومدن أخرى في البلاد، لتترك خلفها قتلى وجرحى وخسائر مادية جسيمة، وضمن سلسلة التفجيرات انفجار داخل منشأة نطنز النووية الذي أحدث خسائر جسيمة في المحطة، ودمر أجهزة دقيقة داخلها وفقا لما نقله موقع فرانس 24.

كل هذه الحوادث من تفجيرات واغتيالات لها دلالتها العميقة والتي يجب ابرازها لمعرفة إلى أي مدى وصل الطموح الايراني.

فقد أسقطت هذه الأمور نظرية القوة الإيرانية التي اعتمدت عليها إيران في دعاياتها وخاصة ما يتعلق بتصدير وهم القوة: وهو نوع من الإيهام بالخطاب العنتري بهدف إحراج الأنظمة العربية إزاء شعوبها بالتركيز على نية القضاء على إسرائيل وتحرير القدس بالكلام.

ولطالما اعتبرت إيران نفسها أنها الأقوى في المنطقة وأنها قوة إقليمية يجب أن تعمل القوى الأخرى الدولية والإقليمية لها حساب وتأخذ هذه القوى في مخططاتها واستراتيجيتها مكانة إيران تلك.

هكذا ترى إيران نفسها أو تحاول تصوير والايحاء أنها بتلك القوة المنظمة ذات الإمكانيات الضخمة.

والدليل الذي دائما يتم تسويقه بالفعل هو الهيمنة الإيرانية الاقليمية والتي تسيطر على القرار السياسي في عدة عواصم وحواضر عربية كبرى كدمشق وبغداد وصنعاء وبيروت.

والسؤال الذي يستحق الإجابة بالفعل هل إيران بالفعل تمكنت من هذه السيطرة والهيمنة بفعل قوتها الذاتية؟ أم باستغلالها للفراغ الناتج حولها من ضعف المحيط وافتقاده للاستراتيجية الجامعة التي تحول دون التمدد الفارسي المذهبي؟

وهل إيران لديها من القوة والتي تستطيع بها الحفاظ على تمددها الإقليمي الحالي أم سيشهد هذا التمدد تراجعا إيرانيا ناتج من أن المنطقة وقواها الحية أكبر من أن يهضمها الجسد الإيراني؟

ينبغي في البداية معرفة عناصر القوة الإيرانية، فإيران تستمد قوتها من عدة عناصر يأتي من بينها الجغرافيا السياسية، وهو الذي سنقتصر عليه في هذا المقال. 

الجغرافيا السياسية لإيران

لكل وحدة سياسية في النظام الدولي مظهر وسلوك تنفرد به عن غيرها؛ بسبب موقعها الجغرافي، –بالإضافة لعوامل أخرى تتعلق بالنظام السياسي، والتركيبية الديموغرافية وغيرها-، وهذا ما يسبب التباين الكبير بين الوحدات السياسية في مقومات القوة التي تمتلكها، ويحدد طبيعة علاقات الوحدات الخارجية، والدور الذي تؤديه كل وِحدة على مسرح الحياة السياسية إقليميا ودوليا، الأمر الذي يسبب التباين الكبير في تقسيم الدول وتصنيفهم.

وقد تميزت إيران بموقعها الجغرافي الذي يتوسط أربع مناطق لها خطورتها العالمية وهي: المنطقة العربية ومنطقة القوقاز ومنطقة الأناضول وشبه القارة الهندية.

أولا: منطقة القوقاز

ونقصد بتلك المنطقة دول القوقاز وبحر الخزر وآسيا الوسطى وتقع شمال إيران، فهذه المنطقة حدث فيها اختراق واضح في تشييع كثير من المسلمين تصل نسبتهم في أذربيجان مثلا إلى أكثر قليلا من نصف السكان، كما هناك داخل إيران أقلية آذرية تقدرها بعض المصادر بما يصل إلى 28 مليون، وعن طريق هؤلاء الشيعة تستطيع أن تكسر إيران الحصار السني لها، كما تذخر المنطقة بثروات اقتصادية تتمثل في احتياطي النفط والغاز الطبيعي.

وهذا يتضح من الموقف الإيراني في الحرب الأخيرة بين أذربيجان وأرمينيا، حيث امتنعت إيران لأول مرة عن دعم أرمينيا في تلك الحرب خشية من تحول نص سكان أذربيجان من الشيعة والغاضبين من المواقف الإيرانية السابقة والتي كانت تدعم أرمينا وتمدها بالسلاح ضدهم، ولا تخشى إيران فقط من تحول الآذريين إلى المذهب السني، بل إذا حتى بقوا على مذهبهم أن تنمو طائفة شيعية جديدة لا تنتمي إلى القومية الفارسية مثل الإيرانيين بل إلى شيعة ينتمون إلى القومية التركية تنافس الشيعة الفرس في طموحاتهم وأحلامهم.

كذلك تمثل منطقة القوقاز حماية لإيران من التمدد والتوسع الاستعماري الروسي والذي مر على مدار عقود بفترات من العداء بين البلدين، وفي نفس الوقت فإن الاهتمام الإيراني بالقوقاز يكسبها ورقة مع الروس الذين يتنافسون معهم على اقتسام الكعكة السورية.

كما تعتبر إيران نفسها منطقة عبور للصادرات والواردات بين دول القوقاز والخليج العربي.

ثانيا: الأناضول

تمثل تركيا التي تتمدد على امتداد هضبة الأناضول منافسا تاريخيا ومذهبيا لإيران، فهي من هذه الجهة تشكل تهديدا حيويا لإيران وتمددها في الشرق الأوسط، وكانت نقطة التصادم واضحة في سوريا حيث أرسلت إيران قوات من الشيعة، من مختلف الجنسيات سواء كانت عراقية أو أفغانية أو لبنانية (حزب الله) بالإضافة بالطبع إلى قوات فيلق القدس، مما دفع بتركيا إلى التدخل لوقف اجتياح أدلب وبعض مناطق في ريف حماة.

ثم كان الصدام الثاني في الحرب على ناكورنو كاراباخ، حين قامت تركيا بمساندة فعالة لأذربيجان بالدعم العسكري، وفي نفس الوقت نقلت مقاتلين سوريين إلى مناطق النزاع، الأمر الذي دفع الرئيس الإيراني روحاني إلى انتقاد تركيا علانية، حيث قال: إيران لن تسمح للدول بإرسال الإرهابيين إلى حدودنا تحت ذرائع مختلفة.

ثالثا: شبه القارة الهندية

ونعني به الهند وباكستان وأفغانستان، حيث تشكل الهضبة الإيرانية فاصلا حيويا وحساسا بين أفغانستان وباكستان، حيث التواجد المهم للوحدات العسكرية الأميركية، وبين بقعة التمركز الاستراتيجية الأخرى للوحدات الأميركية في دول ومياه الخليج، الأمر الذي يعطي إيران من خلال هذا الموقع الإمكانية والقدرة على التأثير السلبي أو الإيجابي - تبعا لموقفها السياسي - في ترابط الوحدات الأميركية عند أي حرب أو قتال، وذلك عبر فصل أو ربط القواعد البرية والجوية الأميركية، أو على أقل تقدير عبر عرقلة تلك الوحدات أو تسهيل نفوذها وانتشارها.

كما أن رجوع طالبان المرجح إلى حكم أفغانستان مرة أخرى يصعد من التهديد الموجه لإيران، ففي السابق حين حكمت طالبان أفغانستان كادت الأمور أن تصل إلى حرب بين الطرفين لولا التدخل الباكستاني كوسيط.

فكما يشكل التحالف الباكستاني مع طالبان خطورة على إيران مستقبليا فإن تعزيز إيران علاقتها مع الهند لعله يخفف من وطأة ويحد من قوة وتداعيات التآلف الباكستاني الأفغاني.

رابعا: المنطقة العربية

وهي المنطقة التي تعتبرها إيران هدفا استراتيجيا لها، ومنطقة نفوذ لها تعمل على التهامها واحدة بعد الأخرى، فقد شرعت في التهام العراق وسوريا ولبنان، وأوجدت لها قاعدة في الجنوب العربي في اليمن، ولكن المقاومة الخليجية لها تحاول أن تحد من ذلك التغلغل والنفوذ.

قد تشكل الجغرافيا عاملا في قوة الدولة وقد تعد أيضا عاملا لإضعافها، بحسب طموح الدولة وطريقة ادارتها الاستراتيجية لهذه الجغرافيا.

ونحن نرى ان التمدد الزائد لإيران جغرافيا والعاجزة بإمكانياتها ومواردها على إدارة كل هذا التمدد، الأمر الذي قد ينقلب عليها بحيث تشكل هذه الجغرافيا بدلا من إضافة إلى القوة الإيرانية عائقا لطموحاتها وانكسارا لأحلامها.