في حقلٍ بارد قرب كليرمون الفرنسية، ألقى البابا أوربان الثاني خطبة وثقها التاريخ بحروف من دم، تحولت كلمات الرجل إلى سيوف تحصد رقاب الأطفال والنساء، وحولت المشاعر الدينية إلى وقود للحرب، والخلافات الأوروبية إلى مشروع غزو انتهى بسقوط القدس؟
في السابع والعشرين من
نوفمبر عام 1095، وقف البابا أوربان الثاني بابا الفاتيكان ليعلن حربا هي الأقوى
والأعنف في تاريخ المسلمين، وقف بابا الفاتيكان في حقل قرب كليرمون الفرنسية ليخاطب
جموعا لم تتسع لهم الأبنية.
كان المجمع الكنسي قد
انعقد قبل أيام داخل المدينة، ثم ضاق المكان بالقادمين، فخرج الناس إلى العراء
وتحملوا برداً قارساً لكي يسمعوا البابا أوربان الثاني. لم يكن الرجل يرتجل. كان قد
أمضى سبعة أشهر يرتب لهذه اللحظة، يختار الكلمات ويحسب وقعها على كل فئة من
الحاضرين.
في الروايات التي نقلت
خطبة أوربان الثاني، تتكرر صور الكنائس المنهوبة، والأسرى المعذبين، والأماكن
المقدسة المدنسة. كانت دلالة الخطاب التاريخية واضحة لقد استُخدمت القدس لاستنفار
المشاعر، وتحويل التنافس الأوروبي إلى تعبئة عسكرية عابرة للحدود. لم يعد الفارس
يقاتل من أجل سيده الإقطاعي أو غنيمة قريبة صار يستطيع أن يرى نفسه جنديًا في حرب
مقدسة، وأن يربط رحلته إلى الشرق بمغفرة الذنوب والمجد الأبدي.
وفي قلب هذا التحول تكمن
إحدى أخطر آليات الحروب عبر التاريخ: حين تُمنح المصالح السياسية غطاءً مقدسًا،
يصبح الاعتراض عليها عصيانًا دينيًا في نظر أتباعها، ويغدو العنف فعلًا يُقدَّم
لصاحبه على أنه طاعة. عندها تتراجع المسافة بين الإيمان والتعبئة، وتصبح العقيدة
أداةً في يد القوى التي تريد حشد الناس خلف مشروعها.
وقف البابا يخطب في الجموع
إن أرضهم ضيقة لا تكاد تطعم سكانها، ولذلك
«يذبح
بعضكم بعضاً».
هذه هي القضية الأصلية. كانت أوروبا الإقطاعية تغلي بفرسان مدربين على القتال وبلا
ميدان، وكانت الكنيسة قد جربت
«هدنة
الله»
لكبح الحروب الداخلية فلم تفلح كثيراً. جاءت كليرمون بحل أبسط من كل ما سبقه:
لنُخرج العنف من البيت ونوجهه إلى مكان بعيد، وليكن ذلك باسم السماء.
ثم صب البابا الأوصاف التي
تنزع الإنسانية عن العدو ، فهم
–
أي المسلمين -
«جنس
لعين»
و«أمم نجسة»
و«جنس خبيث».
حين يُوصف الخصم بهذه المفردات يسقط السؤال الأخلاقي قبل أن يُطرح. لا يعود الفارس
يسأل عمن يقاتل ولماذا، لأن الجواب جاهز مسبقاً في الحكاية.
وإلى جانب لغة التحقير
جاءت لغة الإغراء: أرض لا نظير لها في ثمارها، وفردوس للمباهج، وغفران للذنوب، ومجد
في ملكوت السماء. خاطب البابا المؤمن الباحث عن صك نجاة، وخاطب الفارس الجائع إلى
إقطاعية جديدة، فخرج كل واحد من الحقل وهو يظن أن الخطبة كُتبت له وحده.
ولم يترك أوربان اللحظة
لمصادفة العاطفة. نهض الأسقف أدهمار دي مونتيل، أسقف لوبوي، وركع أمام البابا يطلب
الانضمام، فاندفع الناس خلفه يتسابقون على حمل الصليب. وتقول الروايات إن أوربان
سارع إلى تعيينه ممثلاً شخصياً له على الحملة، فالحماسة بلا قيادة تتحول إلى فوضى،
والحركة التي تولد في الحقل يجب أن تخرج منه وفي يدها رسن. من اللحظة الأولى كان
لهذه الحملة رأس كنسي يمسك بها، وهذا ما ميزها عن موجات العامة التي خرجت بعدها بلا
نظام وتبددت في طريقها.
أما الجانب الآخر من
الخريطة فكان يعيش في عالم مختلف تماماً. كان السلاجقة قد فقدوا مؤسس وحدتهم ملكشاه
عام 1092، فتنازع أبناؤه وإخوته السلطة وتشتتت الإمارات، وكانت الدولة الفاطمية في
القاهرة تنازعهم الشام، وبقي الخليفة العباسي في بغداد اسماً بلا قوه. حين وصل
الفرنجة إلى الأناضول ثم الشام، ظن كثير من الأمراء أنهم قوة مرتزقة بيزنطية ضعيفة
يمكن استخدامها في صراعات الجوار. وبعد أربعة أعوام من خطبة الحقل البارد، سالت
دماء المسلمين أنهارا في الشوارع وهدمت مساجدهم ودنس المسجد الأقصى واعتصبت النساء
وفي يوليو 1099 صارت القدس مملكة صليبية.
والدرس الذي تتركه كليرمون
أن الأمم تُهزم أحياناً قبل أن يبدأ القتال، حين يمتلك خصمها رؤية موحِّدة وتفتقر
هي إلى ما يجمعها. وخطبة البابا لم تكن أقوى ما في تلك الحملة. أقوى ما فيها أنها
وجدت جمهوراً مهيأً لسماعها، وخصماً مشغولاً بنفسه عن سماعها.