ليس كل من يرفع راية التحرر يصنع مشروعًا للتحرير، وليس كل من يهزم النفوذ الخارجي ينجح في بناء الدولة. وبين الصورة التي يصنعها إبراهيم تراوري والواقع الذي يعيشه شعبه، تتشكل أسئلة جوهرية حول القيادة والهوية ومستقبل بوركينا فاسو.
قبل أعوام، صعد إبراهيم تراوري إلى السلطة بوصفه أيقونة أفريقية جديدة، ورمزًا
للتمرد على الهيمنة الفرنسية، حتى إن كثيرين سارعوا إلى تشبيهه بتوماس سانكارا،
الثائر الذي ما زال يسكن الذاكرة الأفريقية باعتباره نموذجًا للتحرر والكرامة
الوطنية. لكن المسافة بين الرجلين لم تكن يومًا مجرد فارق في العمر أو الرتبة
العسكرية، بل كانت فارقًا في الرؤية، وفي تعريف العدو، وفي طبيعة المشروع الذي
يحمله كل منهما.
فليست كل الثورات طريقًا إلى الحرية، وليست كل الشعارات المناهضة للاستعمار دليلًا
على مشروع تحرري. فكم من قائد رفع راية الاستقلال، ثم انتهى به الأمر إلى إعادة
إنتاج الاستبداد بوجوه جديدة، وكم من جنرال خاطب الشعوب بلغة الكرامة، بينما كان
يضيق الخناق على أحد أهم مكونات هويتها.
هكذا يبدو المشهد في بوركينا فاسو اليوم؛ بلد يصارع الفقر، ويواجه انهيارًا
اقتصاديًا وأمنيًا غير مسبوق، لكنه يجد نفسه فجأة أمام معركة جديدة لم يفرضها الجوع
ولا الإرهاب ولا التدخل الأجنبي، بل فرضها رأس السلطة نفسه، حين قرر أن يفتح النار
على الدين الإسلامي الذي يدين به الشعب البوركينابي، وعلى التعليم الشرعي، وعلى جزء
أصيل من النسيج الإسلامي في بلاده.
لم يكن حديث إبراهيم تراوري عن "ألف عام من استعباد العرب للأفارقة" مجرد زلة لسان،
بل كان تأسيسًا لرواية سياسية جديدة، تُعيد تعريف الخصوم، وتعيد توجيه الغضب الشعبي
بعيدًا عن الأزمات الحقيقية. إنها محاولة لاستدعاء التاريخ لا لفهمه، بل لتعبئة
الحاضر، ولو كان ذلك عبر اختزال قرون معقدة في سردية انتقائية تتجاهل أن أكبر تجارة
منظمة للرقيق، وأكثرها وحشية واتساعًا، كانت تجارة أوروبية ارتبطت بالاستعمار
والإمبراطوريات الغربية.
المفارقة الأكثر إيلامًا أن الرجل الذي يهاجم العرب باسم مقاومة الاستعمار، يفعل
ذلك بلغة المستعمر الفرنسي نفسه، وكأن الفرنسية لم تكن يومًا أداة الهيمنة الثقافية
التي يسعى إلى التحرير منها.
من مواجهة الإرهاب إلى مواجهة طلاب الشريعة
بدلًا من أن يصبح الاحتلال هو العدو الأول، أصبح طلاب الشريعة هدفًا سياسيًا
وأمنيًا.
إعلان وقف ابتعاث الطلاب إلى الجامعات الإسلامية، وإعادة نحو 800 طالب، ثم التهديد
بسحب الجنسية ممن يرفض العودة، لا يعكس مجرد سياسة تعليمية، بل يكشف عن رؤية تعتبر
التعليم الشرعي خطرًا أمنيًا، لا رصيدًا معرفيًا.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل جاءت التبريرات أكثر قسوة، حين صُوِّر خريجو
الجامعات الإسلامية باعتبارهم حَمَلة لأفكار متشددة، وعناصر غير نافعة لسوق العمل،
في تعميم يساوي بين العلم والتطرف، ويختزل آلاف الطلاب في صورة أمنية نمطية.
إن أخطر ما في هذه الرؤية أنها لا تعاقب أفرادًا، بل تجرّم هوية معرفية كاملة،
وتحوّل اللغة العربية والعلوم الإسلامية إلى موضع ريبة، رغم أنها كانت لعقود أحد
أهم جسور أفريقيا مع محيطها الحضاري.
العلمانية بالقانون... والتضييق بالمؤسسات
لم تبقِ السلطة الجديدة هذه الأفكار في إطار التصريحات، بل ترجمتها إلى إجراءات
متلاحقة.
سنُّ قانون للحريات الدينية يقيد النشاط الدعوي، ويحظر التعليم الديني في المؤسسات
العمومية، ويمنع بناء المساجد داخل المؤسسات الحكومية، يعكس انتقال الدولة من
الحياد تجاه الأديان إلى إعادة هندسة المجال الديني وفق رؤية السلطة.
ثم ثنى بإغلاق أكبر مساجد العاصمة، واعتقال عدد من العلماء والشخصيات الإسلامية،
ونقل بعضهم إلى معسكرات عسكرية، يتلقون فيها صنوف التعذيب والجلد، لتؤكد أن المسألة
لم تعد نقاشًا فكريًا حول العلمانية، بل تحولت إلى تضييق مباشر على المؤسسات
الإسلامية.
قد تختلف الروايات حول بعض التفاصيل، لكن الاتجاه العام يبدو واضحًا؛ تضييق متزايد
على الحضور الإسلامي في المجال العام، في بلد يشكل المسلمون أغلبية سكانه.
البراغماتية التي تكشف التناقض
وفي الوقت الذي كانت فيه الخطابات الرسمية تهاجم العرب والإرث الإسلامي، كانت أبواب
واغادوغو تُفتح أمام السفير الإسرائيلي الجديد لتسلّم أوراق اعتماده، بعد أشهر من
التأجيل. وفي الوقت الذي تسعى فيه بعض الدول التحريرية الحقيقية لنزع يدها من
النظام الصهيوني الفاشي، وحتى الدول الغربية باتت في حرج شديد من أفعال الإبادة
التي يقوم بها هذا النظام الفاشي، ليأتي تروري الذي يدعي التحرر ليضع يده في يد
أكثر النظم الفاشية في العالم.
فالقائد الذي يقدم نفسه بوصفه رأس حربة في مواجهة الهيمنة الغربية، لم يجد حرجًا في
فتح صفحة جديدة مع إسرائيل، بينما كان يضيق على طلاب العلم الشرعي، ويعيد إنتاج
خطاب يتهم العرب بتاريخ كامل من الاستعباد.
لماذا لا يشبه سانكارا؟
ربما يكون أكثر ما يظلم توماس سانكارا اليوم هو كثرة المقارنات مع إبراهيم تراوري.
لم يكن سانكارا يختار عدوًا داخليًا ليحشد الجماهير حوله، ولم يكن يبني شرعيته على
استهداف مكون ثقافي أو ديني من شعبه، بل كان يرى أن الاستقلال يبدأ بتحرير الإنسان
من الفقر والفساد والتبعية، لا من لغته أو عقيدته.
كان مشروعه مشروع بناء، بينما يبدو أن مشروع تراوري يتحول تدريجيًا إلى مشروع فرز؛
يفرز المواطنين وفق مرجعياتهم الفكرية، ويضع بعضهم في خانة الشبهة قبل أن يضعهم في
خانة المواطنة.
ولهذا فإن التشابه بين الرجلين يتوقف عند البزة العسكرية، أما ما بعدها فبينهما
وادٍ سحيق.
التاريخ لا يخلّد القادة لأنهم حملوا السلاح، بل لأنه يسألهم دائمًا: ضد من وُجّه
هذا السلاح؟
فالتحرر الحقيقي لا يبدأ بإعادة كتابة التاريخ وفق مقتضيات السياسة، ولا بمصادرة حق
الناس في التعلم أو التدين، ولا بتحويل الهوية الإسلامية إلى ملف أمني.
قد يربح إبراهيم تراوري جولةً عابرة في ساحات الدعاية، لكنه يقترب من خسارة المعركة
التي لا تُكسب بالخطب ولا تُحسم بالهتافات؛ معركة الثقة مع شعبه. فالأمم لا تبحث عن
قائد يُشعل العاطفة لحظة، بل عن رجل دولة يمتلك مشروعًا يحرر الإنسان قبل الأرض،
ويبني المؤسسات قبل أن يبني الأساطير. وحين يعجز الحاكم عن تقديم رؤيةٍ للنهوض،
يصبح افتعال الأعداء في الداخل أسهل من مواجهة أسباب الإخفاق؛ فيشيطن شريحةً من
شعبه، ويجر البلاد إلى معارك جانبية لا تُنتج انتصارًا، بل تؤجل لحظة الحساب، وتكشف
أن الضجيج لم يكن سوى ستارٍ يخفي فراغ المشروع وضعف الإنجاز.