• - الموافق2026/04/16م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
التصعيد التركي الصهيوني.. الأبعاد والمآلات

التصعيد بين رجب طيب أردوغان وبنيامين نتنياهو ليس مجرد تراشق سياسي، بل تعبير عن صراع بنيوي على تعريف الأمن والهوية في الشرق الأوسط، حيث تتقاطع الطموحات الجيوسياسية مع السرديات التاريخية، في لحظة إقليمية قابلة للانفجار.


حسن الرشيدي

يوم الاثنين الماضي خرج وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بتصريحات مفاجئة قال فيها: لا يمكن لـ"إسرائيل" الاستغناء عن عدو... ونرى أنّه ليست فقط حكومة نتانياهو، ولكن أيضاً بعض أعضاء المعارضة... إنهم يحاولون تصنيف تركيا عدواً جديداً. وأضاف في تصريحات لوكالة أنباء الأناضول، نقلتها وكالة الصحافة الفرنسية: هذه ظاهرة جديدة في "إسرائيل"، نشأت بدافع الضرورة في مواجهة الاحتجاجات بالشوارع، وتحوّلت بعد ذلك استراتيجيةً للدولة.

وأوضح الوزير التركي أن "إسرائيل" تتبع إحجاماً تكتيكياً حالياً لانشغالها بجبهة إيران، لكن أجهزة الاستخبارات التركية تمتلك مؤشرات واضحة على نية "إسرائيلية" مبيتة للعودة بقوة إلى الملف السوري فور توفر الظروف الميدانية. وشدد فيدان على أن التقارب التركي-السوري يمثل العقبة الأبرز أمام هذه الطموحات التوسعية، وهو ما يفسر حدة التحركات "الإسرائيلية" الرامية لضرب هذا التنسيق في مهده.

ماذا يريد وزير الخارجية التركية بهذه التصريحات؟

يريد فيدان التنبيه على ثلاثة أمور:

سوريا ستكون هدف الكيان القادموتركيا ضمن الحسابات الصهيونية القريبة...وتركيا لن تقف صامتة إذا حدث أي هجوم على سوريا.

قبل هذا التصريحات بأيام، تبادل الجانبان المواقف الحادة.

بدأت الشرارة الرئيسية بلائحة اتهام أصدرتها النيابة العامة في إسطنبول ضد 35 مسؤولاً صهيونيا (بينهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير). الاتهام يتعلق باستهداف الكيان الصهيوني أسطول الصمود الذي كان متجهاً إلى غزة في أكتوبر 2025، ويطلب عقوبات تصل إلى السجن المؤبد المشدد مع أحكام تراكمية قد تبلغ آلاف السنين.

هذه الخطوة القضائية اعتبرها الكيان الصهيوني محاكمة صورية ومعادية للسامية.

وردت دولة الاحتلال فوراً عبر منصة إكس:

فقد اتهم نتنياهو الرئيس أردوغان باستيعاب نظام إيران الإرهابي ووكلائه وبارتكاب مذابح ضد الأكراد.

ومن ناحيته وصف وزير الدفاع الصهيوني كاتس أردوغان بنمر من ورق، واتهمه بالنفاق.

أما الوزير الصهيوني المتطرف بن غفير، فقد كتب عبارة بذيئة مباشرة.

وبعدها ردت تركيا بقوة أكبر:

ووصفت وزارة الخارجية التركية نتنياهو بهتلر العصر، بسبب جرائمه.

وخرج الرئيس أردوغان في خطاب عام يهدد: يجب أن نكون أقوياء لنمنع "إسرائيل" من فعل ذلك بفلسطين... كما دخلنا قره باغ (جيب أذربيجان الذي احتلته أرمينيا) وليبيا، سنفعل الشيء نفسه بهم، مع الإشارة إلى أن وقف إطلاق النار الأمريكي-الإيراني (الذي توسطت فيه باكستان جزئياً) حال دون إظهار دولة الكيان لأطماعها.

بعدها، نفت تركيا الرسمية لاحقاً أن يكون أردوغان هدد بالغزو مباشرة، ووصفت الادعاءات بأنها تضليل إعلامي يهدف لزعزعة الاستقرار.

وقال برهان الدين دوران، مدير الإعلام بالرئاسة التركية، في بيان، إنّ نتنياهو مجرم تطوله مذكرات اعتقال... ويجرّ المنطقة إلى الفوضى والصراع بوصفهما استراتيجية لبقائه السياسي.

والسؤال الآن المطروح، ما خلفيات ذلك التلاسن والتصريحات المتصاعدة من الطرفين؟

هل هي هَبّة معتادة تثار بين البلدين كل فترة، ولن تتجاوز لغة الأقوال؟ أم أنها ستتطور هذه المرة وستدخل مرحلة التصادم بين الطرفين؟

وما دوافع البلدين في هذا التصعيد في ذلك التوقيت؟

مدخل علمي

يُعد الاقتراب البنائي أحد أبرز الاقترابات العلمية الحديثة في مناهج تحليل العلاقات الدولية، تم تطويره بشكل أساسي في التسعينيات، كرد فعل نقدي على الاقترابات التقليدية مثل الواقعية (التي تركز على القوة المادية والمصالح الثابتة) والليبرالية (التي تركز على المؤسسات).

يُقدم هذا الاقتراب إطاراً علمياً يسمح بتفسير التوترات الدولية، خاصة تلك التي تعتمد على الخطاب الإعلامي والتصريحات السياسية المتصاعدة، من خلال التركيز على كيفية بناء الواقع السياسي اجتماعياً (اي نظرة المجتمع ككل للواقع)، بدلاً من اعتباره واقعاً موضوعياً ثابتاً.

وأكثر العناصر التي ركز عليها هذا الاقتراب هو رؤيته للفوضى في العلاقات الدولية، وتعني غياب حكومة عليا أو نظام يحكم الدول.

فالواقعية القديمة تقول بمجرد أن تكون هناك فوضى، فإن كل الدول مُجبرة تلقائياً على التسلح والسعي للقوة والاستعداد للحرب، أي أن الفوضى تحدد سلوك الدول بشكل آلي، مثل قانون الجاذبية. لا خيار.

أما في الاقتراب البنائي الذي نحن بصدده، فالفوضى ليست قانوناً طبيعياً ثابتاً يفرض على الدول سلوكاً واحداً.

فالفوضى فارغة المعنى في حد ذاتها، والدول هي التي تعطيها معناها من خلال تفاعلاتها ومعتقداتها وهوياتها.

بمعنى أبسط: الفوضى يمكن أن تصبح عالماً من الحرب الدائمة إذا اعتقدت الدول أن الآخر عدو دائم، أو عالماً من التنافس المحدود إذا اعتبرت الدول بعضها منافسين لكنهم يحترمون القواعد، أو عالماً من التعاون والسلام إذا بنت الدول هوية مشتركة تجعلها تعتبر بعضها أصدقاء.

يستند الاقتراب إلى مجموعة من العناصر الأساسية المترابطة، يمكن من خلالها تفكيك أي توتر دولي ليقطع هل هو خطابي أم تصعيدي، أهمها: البناء الاجتماعي للهوية، والبناء الاجتماعي للمصالح، والخطاب واللغة كعنصر تأسيسي، والعلاقة بين الوكيل والهيكل، وأخيرا المعايير والثقافات المشتركة، وسنشرح هذه الأدوات وماذا تعني، عند تطبيقها على التلاسن التركي للصهيوني.

التصعيد والدوافع

نأتي إلى تطبيق العناصر الخمسة للاقتراب البنائي على التوتر بين تركيا وإسرائيل، لتفسير ذلك التصعيد وإدراك أبعاده، في ضوء مشروع إعادة صياغة الشرق الأوسط وأحلام "إسرائيل" الكبرى، والدور الأمريكي في تلك الأزمة.

العنصر الأول في أدوات تفسير التصعيد الحالي بين البلدين، هو البناء الاجتماعي للهوية، وهو الذي يركز على "من نحن؟" مقابل "من هم؟"

فتركيا تبني هويتها كقوة إقليمية إسلامية لها مدافعة عن السيادة والاستقرار ضد التوسع الاستعماري، مقابل الكيان التوسعي الذي يسعى لـ"إسرائيل" الكبرى (من النيل إلى الفرات، بما في ذلك أجزاء من سوريا ولبنان وأبعد).

بينما يبني الكيان هويته، كدولة يهودية تؤدي مهمة تاريخية وروحية لضمان بقائها، مقابل تركيا تلك القوة التوسعية السنية التي تهدد أمنها في سوريا.

هذا البناء يجعل الخوف التركي من السيطرة الصهيونية الغاشمة جزءاً من الهوية، مما يدفع التصعيد الكلامي حتى مع آليات التنسيق.

العنصر الثاني في أدوات التفسير هو البناء المجتمعي للمصالح، وهو الذي يركز على "ماذا نريد؟" حيث تُشكَّل المصالح برضا مجتمعي نابعًا من الهوية وبيئة الصراع المحلي والإقليمي والدولي.

فمصلحة تركيا المبنية، هي الحفاظ على سيادتها الإقليمية ومنع إعادة تشكيل الشرق الأوسط بطريقة تهدد نفوذها في سوريا ومشروعها في المنطقة (خاصة بعد احتلال جبل الشيخ).

بينما مصلحة الكيان الصهيوني قد تم بناؤها على أساس تحقيق أمن دائم من خلال مناطق عازلة وإضعاف الخصوم ضمن رؤية "إسرائيل" الكبرى، مع الدور الأمريكي كضمان للتنفيذ.

هنا المصالح ليست مادية بحتة (أرض أو موارد)، بل مبنية اجتماعياً: تركيا ترى في التوسع الإسرائيلي تهديداً لدورها الإقليمي، بينما الكيان الصهيوني يرى فيه ضماناً للهيمنة مع غطاء أمريكي.

ثالث عناصر تفسير التصعيد التركي الصهيوني، هو الخطاب واللغة كعنصر تأسيسي، فإذا كانت الهوية هي الصورة الجماعية التي تتشكل عبر الزمن (من نحن ومن هم)، فإن لغة الخطاب تركز على الآلية أو الأداة التي تنتج هذه الصورة.

واللغة تنتج الواقع، لا تعبر عنه فقط.

فالخطاب التركي يربط سلسلة الأحداث (في غزة، ولبنان، وسوريا، وإيران) بفكرة مشروع "إسرائيل" الكبرى المدعوم أمريكياً، وهذا يهدد المنطقة وتركيا، بينما يرد الكيان الصهيوني بخطاب المهمة التاريخية والروحية، لإعادة صياغة المنطقة.

واللغة في النهاية، تحول الوقائع المادية (احتلالات، حروب) إلى سردية تهديد تركية، وسردية مهمة مقدسة صهيونية.

العنصر الرابع تفسير الصراع التركي الصهيوني، هو العلاقة بين الوكيل (الفاعل الأساسي) والواقع السياسي القائم.

فالفاعلون في هذا الصراع هم (أردوغان، نتنياهو، ترامب)، والواقع السياسي الموجود هنا (النظام الإقليمي، التحالف الأمريكي-الإسرائيلي)، يؤثران في بعضهما.

فالفاعل الصهيوني يستغل الواقع (ضعف إيران بعد الحرب، فراغ سوريا)، لإعادة تشكيل المنطقة. بينما الفاعل التركي يستغل الواقع (عضوية الناتو) للتصدي خطابياً.

فنتنياهو (مدعوماً أمريكياً) يدفع التوسع في سوريا ولبنان كجزء من المهمة.

أما أردوغان يرد بخطاب حاد لتعزيز موقعه.

اللاعب الأمريكي يمنح الكيان الصهيوني، حرية عمل لكنه يفرض تنسيقاً تقنياً مع تركيا.

وهذا اللاعب في نفس الوقت يحد من تحول التوتر إلى حرب مباشرة.

العنصر الخامس في تفسير التصعيد، هو المعايير والثقافات المشتركة.

ونقصد بها القواعد غير المكتوبة التي تصيغ العلاقة المشتركة بين الدول، فهناك عداء دائم، أو تنافس مع آليات تنسيق، أو تعاون وصداقة.

فتركيا تبني ثقافة العلاقة مع الكيان بمعيار الرفض للهيمنة الصهيونية المدعومة أمريكياً، بينما يضع الكيان معيار الأمن في تلك العلاقة.

وبذلك يكون الخطاب التركي يدفع نحو حالة عداء دائم، بينما تحاول الولايات المتحدة صياغة تنافس مدار داخل الهيكل الدولي الذي يحد من الحرب المباشرة، مما يبقي التصعيد كلامياً رغم الخوف التركي الحقيقي من المشروع الصهيوني.

الخلاصة:

التصعيد سيستمر كـحرب كلامية وقضائية رمزية (اتهامات متبادلة، تصريحات نارية) لأسابيع أو أشهر، مع وجود احتمال احتكاك غير مباشر محدود في سوريا، لكنه لن يتحول إلى مواجهة عسكرية مباشرة.

 

أعلى