• - الموافق2026/04/16م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
توتر على حافة الانفجار..

في خضم تصاعد التوتر بين تركيا وإسرائيل، تتكشف ملامح مواجهة تتجاوز السياسة إلى ساحات القضاء والإعلام والرسائل العسكرية، في صراع نفوذ مفتوح يطرح تساؤلات حادة حول مستقبل المنطقة واحتمالات الانزلاق نحو تصعيد أوسع.


كتبه: أحمد درويش

 

في لحظة إقليمية مشحونة تتقاطع فيها الحروب المفتوحة مع الحسابات السياسية المعقدة، عادت العلاقات بين تركيا وإسرائيل إلى واجهة التوتر ولكن هذه المرة بوتيرة أعلى وخطاب أكثر حدة من ذي قبل، حيث لم يعد الخلاف مقتصرًا على بيانات دبلوماسية باردة أو مواقف متباينة في المحافل الدولية، بل تحول إلى سجال مباشر تتداخل فيه السياسة بالقضاء والإعلام بالرسائل العسكرية، في مشهد يعكس صراعًا أعمق على النفوذ  في الشرق الأوسط.

فما الذي حدث حتى تتصاعد هذه المواجهة بهذا الشكل؟ وكيف يمكن قراءة تبادل الاتهامات الحاد بين الطرفين؟ وهل نحن أمام أزمة عابرة أم بداية مرحلة جديدة من الصدام السياسي والإعلامي بين تركيا وإسرائيل؟

البداية كانت من هنا.. لائحة اتهام من إسطنبول

أعلنت النيابة العامة في إسطنبول إعداد لائحة اتهام بحق 35 إسرائيليًا من بينهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، على خلفية الهجوم على سفن أسطول الصمود العالمي أثناء توجهها لكسر الحصار عن قطاع غزة.

وبحسب بيان الادعاء العام للنيابة فإن الحادثة وقعت في المياه الدولية وشهدت استخدام القوة ضد مدنيين واحتجازهم، إلى جانب ممارسات وُصفت بأنها تنطوي على إكراه ومعاملة مهينة وهو ما اعتُبر انتهاكًا لقواعد القانون الدولي.

إدخال القضاء التركي في هذا الملف أعاد إلى الأذهان سوابق مشابهة في العلاقات التركية - الإسرائيلية، لكنه هذه المرة جاء في سياق إقليمي أكثر تعقيدًا، ما جعله يبدو وكأنه خطوة ضمن مسار تصعيدي أوسع، يتجاوز الإطار القانوني إلى رسالة سياسية مفادها أن أنقرة لن تتراجع عن ملاحقة ما تعتبره انتهاكات بحق المدنيين وخاصة نشطائها الأتراك الذين شاركوا في أسطول الصمود لكسر الحصار عن غزة.

هجوم مضاد.. نتنياهو وكاتس في واجهة التصعيد

اتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عبر حسابه على منصة "إكس" الرئيس التركي أردوغان بأنه يدعم النظام في إيران ويذبح الأكراد، مضيفًا: "إسرائيل تحت قيادتي ستستمر في محاربة نظام إيران الإرهابي ووكلائه، على عكس أردوغان الذي يتسامح معهم وقد قتل مواطنيه الأكراد".

 

في قراءة صريحة لطبيعة التصعيد اعتبر وزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال لقاء له مع وكالة الأناضول التركية في أنقرة، أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يسعى إلى إعلان تركيا “عدوًا جديدًا”،

وبشكل متزامن هاجم أيضًا وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس الرئيس التركي وقال عبر "إكس": "أردوغان الذي لم يرد على إطلاق صواريخ من إيران على الأراضي التركية وكشف أنه نمر من ورق، يهرب إلى مناطق معاداة السامية ويعلن عن محاكمات ميدانية في تركيا ضد القيادة السياسية والعسكرية لإسرائيل".

هذا النوع من التصريحات لا يمكن فصله عن سياق أوسع تسعى فيه تل أبيب إلى إعادة تشكيل خطابها الإقليمي خاصة في ظل المواجهة مع إيران، حيث يبدو أن توسيع دائرة الخصوم قد يكون جزءًا من استراتيجية سياسية وإعلامية تهدف إلى إعادة ترتيب الأولويات وحشد الدعم اللازم لاستكمال خططها بالمنطقة.

الرد التركي.. دبلوماسية حادة وخطاب على مستوى الهجوم

في المقابل جاء الرد التركي سريعًا وحازمًا، فقد وصفت وزارة الخارجية التركية تصريحات المسؤولين الإسرائيليين بحق الرئيس رجب طيب أردوغان بأنها "ادعاءات غير لائقة ومتغطرسة وكاذبة"، معتبرة أنها تعكس استياءً من "الحقائق التي تُطرح في مختلف المحافل".

وأضافت الوزارة أن نتنياهو "معروف بسجله" واصفة إياه بأنه "هتلر العصر" بسبب جرائمه"، وأنه يُحاكَم أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية، مشيرة إلى إصدار مذكرة توقيف بحقه.

وقال رئيس دائرة الاتصال بالرئاسة التركية برهان الدين دوران إن هجوم نتنياهو على أردوغان يعكس حالة من اليأس، مؤكدًا أنه يفتقر لأي شرعية أو قيم أخلاقية تخوله مهاجمة الآخرين، متهمًا إياه بارتكاب جرائم في غزة وجر المنطقة نحو الفوضى.

وهذا الرد في طبيعته وحدته يمثل انتقالًا للخطاب التركي إلى مستوى أكثر مباشرة في المواجهة السياسية والإعلامية، حيث يتم توظيف لغة قانونية وأخلاقية حادة لإعادة تأطير السردية حول إسرائيل وقيادتها، وفي الوقت نفسه تثبيت موقف تركيا كطرف يربط بين المواقف السياسية والمرجعيات القانونية الدولية في توصيف مجريات الصراع.

رسالة مبطنة من وزارة الدفاع..

في خضم هذا التصعيد لم تغب الرسائل الرمزية عن المشهد، فقد نشرت وزارة الدفاع التركية صورة للرئيس أردوغان داخل منشأة عسكرية في مقدمة مجموعة من المسؤولين المدنيين والعسكريين، ويظهر فيها جندي تركي يؤدي التحية العسكرية للرئيس.

 

وتكشف هذه التصريحات لهاكان فيدان في بعدها التحليلي عن رؤية تركية تعتبر أن التصعيد الإسرائيلي ليس مجرد رد فعل ظرفي، بل محاولة لإعادة رسم خريطة الخصوم في مرحلة ما بعد إيران،

ورغم أن الصورة تبدو بروتوكولية في ظاهرها إلا أن توقيتها وسياقها جعلاها تحمل دلالات ورسائل أعمق، فقد فُسرت على أنها رسالة غير مباشرة تعكس جاهزية الدولة ومؤسساتها لأي مواجهة أو صراع قادم، وتؤكد أن القيادة السياسية تقف على رأس منظومة عسكرية منضبطة وقادرة على حماية المصالح الوطنية في مشهد بروتوكولي يعكس رمزية القيادة والانضباط داخل المؤسسة العسكرية التركية.

و يعكس هذا المشهد في بعده الرمزي توظيفًا واضحًا للصور البروتوكولية كأداة رسائل سياسية موجهة، تهدف إلى إبراز تماسك المؤسسة العسكرية - السياسية في تركيا، والتأكيد على الجاهزية والردع المعنوي في لحظة إقليمية تتسم بارتفاع منسوب التوتر.

إسرائيل تبحث عن عدو جديد

في قراءة صريحة لطبيعة التصعيد اعتبر وزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال لقاء له مع وكالة الأناضول التركية في أنقرة، أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يسعى إلى إعلان تركيا “عدوًا جديدًا”، مشيرًا إلى أن إسرائيل لا تستطيع الاستمرار دون خصم واضح بعد إيران، وهو ما يدفعها إلى تطوير خطاب سياسي يتجاوز حكومة نتنياهو ليشمل بعض أطراف المعارضة أيضًا.

وأوضح فيدان أن القيادة السياسية الإسرائيلية تُظهر ما وصفه بـعقدة تجاه الرئيس أردوغان، معتبرًا أن التوازن الاستراتيجي الذي تنتهجه تركيا إلى جانب قدرتها على إدارة علاقات دولية متشعبة، يحد من قدرة إسرائيل على المناورة ويساهم في إضعافها وهو ما يفسر حدة الهجوم السياسي والإعلامي على أنقرة، كما أكد فيدان أن الموقف التركي من قضايا مثل فلسطين ولبنان يتعارض جذريًا مع السياسات الإسرائيلية، وأن النهج الدبلوماسي التركي المدعوم بشبكة علاقات دولية واسعة يقوّض الخطاب الإسرائيلي دون أن يترك له مجالًا لإعادة إنتاج روايته.

وفي سياق متصل أشار فيدان إلى أن التصعيد الإسرائيلي يمكن فهمه في ضوء هذه المعطيات، لافتًا إلى أن بعض التحركات الإسرائيلية في سوريا مؤجلة حاليًا بسبب الحرب مع إيران دون أن يستبعد تنفيذها لاحقًا عندما تتغير الظروف، وهو ما يستدعي -برأيه- استعداد تركيا لجميع السيناريوهات المحتملة.

وتكشف هذه التصريحات لهاكان فيدان في بعدها التحليلي عن رؤية تركية تعتبر أن التصعيد الإسرائيلي ليس مجرد رد فعل ظرفي، بل محاولة لإعادة رسم خريطة الخصوم في مرحلة ما بعد إيران، عبر نقل بؤرة التوتر نحو قوى إقليمية فاعلة مثل تركيا، كما تعكس إدراكًا في أنقرة لطبيعة التحول في الخطاب الإسرائيلي، من مواجهة تهديد مباشر إلى صناعة عدو بديل يخدم إعادة تعبئة الداخل وتبرير السياسات الإقليمية، وهو ما يفسر نبرة فيدان الواضحة التي تجمع بين التشخيص السياسي والتحذير الاستراتيجي.

اعتراف أمريكي مثير للجدل بشأن تركيا

بعد منشور للرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر منصته تروث سوشيال قال فيه: "إن حلف الناتو لم يكن موجودًا عندما احتجناه في الحرب على إيران ولن يكون موجودًا إذا احتجنا إليه لاحقًا"، صرح مدير مركز مكافحة الإرهاب الأمريكي المستقيل من منصبه "جو كينت" معلقًا على منشور ترامب قائلًا في منشور له على منصة "إكس": "للأسف لن يكون الانسحاب من حلف الناتو بهدف تجنب التورط في صراعات خارجية، بل سننسحب من الناتو لكي نقف إلى جانب إسرائيل عندما يحدث الصدام بينها وبين تركيا في سوريا، وذلك بعد أن ساعدنا في إسقاط الحكومة السورية العلمانية وقمنا بتنصيب قائد سابق في القاعدة/داعش رئيسًا، ولقد حان الوقت للتوقف عن لعب دور مشعل الحرائق ورجل الإطفاء في الشرق الأوسط، فالأمر ببساطة لا يستحق كل هذا العناء".

ويحمل هذا الاعتراف في بعده التحليلي تصاعد مخاوف داخل بعض الدوائر الأمريكية من أن المرحلة المقبلة قد تشهد انتقال الولايات المتحدة من إدارة التوازنات بين حلفائها إلى حالة اصطفاف أكثر حدة، قد تضعها في مسار تناقض متزايد مع تركيا خصوصًا إذا ما تفاقمت احتمالات المواجهة في الساحة السورية بين تركيا وإسرائيل.

كلمة أخيرة

يكشف هذا السجال التركي - الإسرائيلي عن مرحلة جديدة من التوتر تتجاوز الخلافات التقليدية لتصل إلى مستوى صراع من نوع جديد في نبرته ومضمونه وسياقه، فبين لائحة اتهام قضائية وتصريحات سياسية حادة ورسائل عسكرية رمزية تتشكل ملامح مواجهة متعددة الأبعاد، قد لا تتوقف عند حدود الخطاب بل تمتد في بعض تجلياتها إلى ساحات التأثير غير المباشر عبر أدوات القانون والإعلام والدبلوماسية.

ومع ذلك تبقى عدة سيناريوهات مفتوحة: فإما أن يستمر التصعيد في إطار سياسي وإعلامي عند سقف معين أو أن يتدحرج إلى احتكاكات ميدانية غير مباشرة خاصة في الساحة السورية، أو أن تنجح قنوات خلفية في احتواء الأزمة ومنع تحولها إلى صدام أوسع، وفي جميع الحالات يظل العامل الإقليمي الأوسع حاضرًا بقوة من خلال تداخل ملفات الطاقة والأمن والتحالفات الدولية، بما يجعل أي توتر بين الطرفين قابلًا للارتداد على أكثر من ساحة في وقت واحد.

وفي عالم تتسارع فيه التحولات تبدو العلاقة بين تركيا وإسرائيل مرشحة لمزيد من التعقيد، حيث لم يعد السؤال هو ما إذا كان التوتر سيستمر بل إلى أي مدى يمكن أن يصل، ومَنْ سيدفع كلفته في نهاية المطاف في ظل بيئة دولية أقل قابلية لضبط الأزمات وأكثر ميلاً لتعدد بؤر الصراع في آن واحد.

أعلى