• - الموافق2026/04/15م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
أسماء بنت عميس.. أنموذج وقدوة

في زمنٍ تبهت فيه القيم وتضيع فيه القدوات، تبرز سيرة أسماء بنت عميس كوميض نورٍ لا يخبو؛ امرأةٌ صنعت من الإيمان قوة، ومن المحن طريقًا للثبات، لتظل حكايتها دعوةً حيّة لكل من يبحث عن المعنى الحقيقي للعظمة.


كتبت: سما الكاتب

القدوة ليست إحدى وسائل التأثير في الآخرين فحسب، بل تكاد تكون هي الوسيلة الأقوى والأهم. فالقدوات الفذة في التاريخ هي بارقة عظمة في تاريخ البشرية، تنعكس آثارها في نفوس من ينهلون من سيرتها، فتصب في جوف كل من يستقي منها ولو قليلا من ذكراه فتتمثل فيهم إرهاصات التغيير نحو الأفضل.

والحقيقة إن القدوات تظل حيةً في نفوس متبنييها تنبعث ذكراهم من مآقيهم كلما أمعنت النظر فيهم؛ "ومن هنا، كان الأولى بالأمم جميعًا، وبالأمة الإسلامية على وجه الخصوص، أن تُعنى بإحياء قدواتها الأوائل؛ لا استدعاءً لأسمائهم، بل بعثًا لمعانيهم في واقع الناس، حتى تسري في المجتمع روحًا مصلحة، تداوي علله، وتُطفئ ما استعر فيه من رذائل وآفات."

ومن هنا كانت الصحابية أسماء بنت عميس محطة مهمة للوقوف أمامها والتدبر في جوانب شمائلها الفذة، هي "أسماء بنت عميس الخثعية" رضي الله عنها، صاحبة الهجرتين ومصلية القبلتين.

تعد أسماء بنت عميس نموذجا استثنائيا للمرأة المسلمة التي جمعت بين قوة الشخصية، والعلم الوافر، والوفاء وحسن المعاشرة، والحياء الطاهر.

كانت رضي الله عنها من السابقين في دخول الإسلام، فأسلمت قبل دخول النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ دار الأرقم، خلع عليها النبي صلى الله عليه وسم وسام "الأخوات المؤمنات"، هي وأخواتها، فكان ذلك شرفا عظيما وتسمية شريفة.

ثبت في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الأخواتُ المؤمنات: ميمونةُ، وأمُّ الفضلِ، وأسماءُ، وسَلْمى" أخرجه النسائي والحاكم وصححه الألباني.

دخلت أسماء الإسلام منذ بداية الدعوة الاسلامية، حينما كانت الدعوة الإسلامية مواجهة بهمة، وعندما كان فرادى الإسلام يعذبون تعذيبا مريرا بالليل والنهار، ومع ذلك كان صبرها المهيب، وإيمانها الراسخ، ويقينها غير القابل للتشكيك، ذخرا لها لتحمل كل ما تلاقى من أبواب التضيق والمعاناة.

وكانت فوق ذلك من أكرم الناس أصهارا، فقد تزوجت خلال حياتها من كبار الصحابة "جعفر بن أبي طالب، وأبو بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب".

"قوة في الحق وثبات في الجنان"

هاجرت أسماء مع زوجها "جعفر بن أبي طالب" إلى الحبشة في السنة الخامسة للبعثة، ثم قضت هناك ما يقرب من أربع عشرة سنة في الغربة والوحشة بعيدًا عن الأهل والوطن، لم تجعل المحنة تهيمن على ذاتها، ولم تجعل الغربة تتخلل ثنايًا نفسها لتدفعها بعيدًا عن ما ألفت عن نفسها، بل جعلت من وحشتها ذخيرة تتقوى بها لمواجهة مصاعب الحياة، وجعلت من إيمانها أهلاً ووطنًا وديارًا فكانت مثالاً يحتذى به في الصبر والاحتساب .

عادت أسماء مع زوجها في السنة السابعة للهجرة تزامنًا مع فتح خيبر،
وحين دخلت أسماء على أم المؤمنين حفصة بنت عمر رضي الله عنهما لتزورها، فدخل عمر بن الخطاب على ابنته وحين رأى أسماء سأل: "من هذه؟
" قالت حفصة: "أسماء بنت عميس". 
قال عمر - ممازحاً ومعتزاً بسبق أهل المدينة - الحبشية هذه؟ البحرية هذه؟" ثم قال لها: "سبقناكم بالهجرة، فنحن أحق برسول الله منكم".

لم تصمت أسماء رضي الله عنها، بل غضبت وقالت بشدة وفصاحة وقوة :"كلا والله! كنتم مع رسول الله يُطعم جائعكم، ويعظ جاهلكم، وكنا في أرض البُعداء البُغضاء بالحبشة، وذلك في الله وفي رسوله، وأيمُ الله لا أطعمُ طعاماً ولا أشربُ شراباً حتى أذكر ما قلتَ لرسول الله، ونحن كنا نُؤذى ونُخاف، وسأذكر ذلك للنبي وأسأله، والله لا أكذبُ ولا أزيغُ ولا أزيدُ عليه".

وعندما جاء النبي صلى الله عليه وسلم، ذهبت إليه أسماء وقالت: "يا نبي الله، إن عمر قال كذا وكذا".فسألها النبي صلى الله عليه وسلم: " فما قلتِ له؟" قالت: "قلتُ له كذا وكذا" (ذكرت ردها عليه).
هنا طمأنها النبي صلى الله عليه وسلم وأنصفها وأهل السفينة جميعاً بقوله: "ليس بأحق بي منكم، وله ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان".

تقول أسماء :فلقد رأيتُ أبا موسى الأشعري وأصحاب السفينة يأتونني أرسالاً يسألونني عن هذا الحديث، ما من الدنيا شيء هم به أفرح ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم".

وبذا كانت أسماء وقوة جأشها وغيرتها على دين الله والأسبقية فيه، سببًا في إنزال الفضل عليها وعلى من هاجر معها إلى الحبشة.

وعندما جاءها خبر استشهاد زوجها "جعفر بن ابي طالب"، ذلك الخبر الذي كان كفيلا بأن يحطم الكيان ويزلزل قاعدة الأمان، لم يزدها ذلك إلا إيمانًا وتسليمًا، فلم تيأس ولم تقنط، ولم ترزح تحت وطأة اليأس، ولم تترك الفقد يسحبها معه إلى براثن الشكوك والعجز، بل قامت على أولادها تربيهم وتعلمهم وتثبت حب الله ودينه في قلوبهم.

"وفاء بالعهد وحسن بالمعشر"

ومع ذلك الوفاء الشديد والتبجيل الذي كانت تحمله لزوجها جعفر، إلا أن متطلبات الحياة وأساسها كان يفرض عليها أن تكون ذات عقل راجح وتفكير قويم، فلم تبق أسيرة لذكرى قديمة، ولا لحزن دفين، وحملت ذكرى زوجها معها في باطن روحها، لتفسح بذلك مجالاً لتصبح نعم الزوجة لكل من تزوجها، وفية لما مضى، منفتحة على ما يمكن ان يكون، سائرة مطمئنة بجنب الله.

ويتجلى ذلك عندما اشتد المرض بأبي بكر الصديق رضي الله عنه وأحس بدنو أجله، أوصى بأن تغسله زوجته أسماء بنت عميس. وكان هذا نابعاً من ثقته الكبيرة في دينها، وعلمها، وقوة صبرها، وإن دل ذلك على شيء فإنه يدل على أنها كانت نعم الزوجة والمعينة .

توفي الصديق رضي الله عنه في ليلة باردة من شهر جمادى الآخرة (سنة 13 هـ). وتنفيذاً لوصيته، قامت أسماء بمباشرة غسله وحدها.

بعد أن انتهت من تغسيله، خرجت إلى المهاجرين الذين كانوا حاضرين (ومنهم عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب) وقالت لهم: " إني صائمة، وهذا يوم شديد البرد، فهل عليّ من غسل؟ فأجابوها: "لا" أي أن غسل الميت لا يوجب الغسل على من غسله، خاصة في البرد الشديد وللصائم.  فكان ذلك دلالة على حسن أدائها للعهد وشدة تمسكها بوفائه، وعلم كبير بالشريعة، وثبات في المواقف الهائلة التي تحتاج جلدًا.

وكان في ذلك أيضًا نفع كبير على المسلمين، حيث استدلوا من ذلك جواز تغسيل الزوجة لزوجها، وأن غسل الميت لا يوجب الغسل. وإن كان الأمر خلافيًا عند العلماء.

"حياء يكلل القلوب"

لم تصبح السيدة أسماء منغلقة على نفسها، متقوقعة في أمورها، بل كانت تشارك النساء همومهن، وتخفف عنهن وتقوي في قلوبهم حب الله ودينه ورسوله، وتنقل اليهن كل ما تعلمت من تجارب حياتها .

وفي ذلك كانت السيدة أسماء صديقة مقربة للسيدة فاطمة ــ رضي الله عنها ــ وعندما اشتد المرض بالسيدة فاطمة وجعلها طريحة الفراش، كانت السيدة أسماء هي التي تقوم بتمريضها والقيام بأمرها، وكانت حين ذاك زوجة لأبي بكر الصديق.

وفي أيامها الأخيرة أبدت السيدة فاطمة قلقها وضيقها من طرق تكفين النساء وظهور حجم جسدها وصفاته فقالت "يا أسماء، إني قد استقبحتُ ما يُصنع بالنساء، أن يُطرح على المرأة الثوب فيصفها".

 فقالت لها" :يا ابنة رسول الله، ألا أريكِ شيئاً رأيته بأرض الحبشة؟".

·                     دعت أسماء بجرائد نخل رطبة فحنتها، ثم طرحت فوقها ثوباً، فصار مثل "القبة" أو "الخيمة" فوق السرير.

·                     عندما رأت فاطمة ذلك تهلل وجهها وضحكت - وهي التي لم تُقبل ضاحكة منذ وفاة النبي صلى الله عليه وسلم - وقالت"ما أحسن هذا وأجمله! تُعرف به المرأة من الرجل"، وفي رواية دعت لها قائلة :سترتِني سترَكِ الله.

فكانت السيدة فاطمة رضي الله عنها أول من تستر وتغطى بهذا الشكل.

"التفقه في الدين"

روت السيدة أسماء عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يقرب من ستين حديثا ومنهم ما كان شديد الأهمية لكافة المسلمين وضروريا لمعرفة دينهم والعمل به

فروت فيما روت: دعاء الكربروت عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: " اللهُ ربي لا أُشرِكُ به شيئاً"، كلمات تُقال عند الهم والضيق (حديث حسن أخرجه أبو داود).

رخصة النفساء في الحج : ثبت في الصحيحين أنها ولدت محمد بن أبي بكر وهي في طريقها للحج، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم بالاغتسال والإهلال بالحج وفعل كل المناسك إلا الطواف، وهو تشريع هام لجميع النساء.

"صانعة الاجيال"

كانت أسماء أمًا شديدة الحنو على أولادها، حازمة عليهم عند الحاجة، جاهدة لتنشئتهم تنشئة حسنة.

ربت أسماء أولادها الأوائل (عبد الله ومحمد وعون) من زوجها جعفر في الحبشة وحدها، فقامت على تربيتهم وتمريضهم وغرس حب الله والرسول في قلوبهم وهم لم يروه بعد.

وبعد استشهاد زوجها جعفر في غزوة مؤته، أبدت السيدة أسماء قوة ورباطة جأش في تربية أبنائها والاعتناء بهم.

وكانت ذات عدل وبصيرة في تربية أبنائها وانتزاع الغيرة من قلوبهم، فيروى أن افتخر ابناها (محمد بن جعفر ومحمد بن أبي بكر) يوماً، فقال كل منهما: "أنا أكرم منك، وأبي خير من أبيك".

فطلبت من زوجها آنذاك (علي بن أبي طالب) أن يحكم بينهما، فقال لها: "اقضي بينهما أنتِ".

قالت ما رأيت شاباً في العرب خيراً من جعفر، وما رأيت كهلاً خيراً من أبي بكر.  فسُرّ علي بن أبي طالب بصدقها وحكمتها وقال لها ممازحاً: "فما تركتِ لنا شيئاً؟"

وقد تمخضت تربية أسماء القويمة عن رايات من رايات الإسلام فكان منهم ابنها عبد الله بن جعفر الذي لُقب بـ"بحر الجود" لشدة كرمه، وكان من المقربين لعمه علي بن أبي طالب.

وابنها محمد بن أبي بكر: نشأ في حجر علي بن أبي طالب بعد وفاة أبيه الصديق، وكان بطلاً وشجاعاً تولى ولاية مصر

فكانت نموذجا للأم الرشيدة، الوفية لكل من أزواجها الحافظة لذكراهم، والمراعية لأبنائها ومشاعرهم، والعاملة على تنشئتهم تنشئة ترضي الله ورسوله.

وهكذا لم تكن السيدة أسماء مجرد امرأة مسلمة كلل الإيمان قلبها، بل كانت تملك عمقًا قواه الإيمان، وصبر عمل على ثبيتها في أعتى المواقف، وحكمة جعلتها قادرة على تقبل كل ما يطرأ على حياتها من تغيرات، وعلم منحها البصيرة في الحكم على الأمور، لتجعل من كل صفحة من صفحات حياتها مثالا يحتذى به، وقدوة يشار إليها.

ولعل قيمة القدوة في حياة أسماء بنت عميس، أنها تتجلى كأنموذج للإيمان يتجاوز المكان والزمان، فليست السيدة أسماء أسيرة عصرها ولا زمنها، بل هي تتمثل في كل امرأة حيية آمنت بالله وأيقنت به، فالإسلام ومن عاصره لا يعد مثالاً فارغًا صالحًا لعصره ولا غير، بل إن نمذجة الأشخاص العظام بدل تسميتهم يسمح لنا دائمًا بالتقلد بوسام اتباع مناهجهم الحسنة وطرقهم المبنية على الإيمان بالله ثم القوة والثبات على المبدأ.

وفي ظل هذا الزمن الذي تنهار فيه القيم، وانتشار القدوات ذوات الهفوات، كان لزامًا علينا استحضار مثل تلك الشخصيات أمثال السيدة أسماء، ودفع ما فينا لتمثل جوانب القدوة في حياتهم ليغدو كل واحد منا صورة تعكس أفضل الصفات التي ورثناها عن جداتنا ذوات الخدور.

أعلى