• - الموافق2026/04/13م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
خريف التحالفات.. هل عمّقت حرب إيران انقسام الغرب؟

لم تشهد العلاقات الغربية عبر ضفتي الأطلسي توتراً بهذا الحجم كما هو حاصل حالياً عقب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران. ففي الوقت الذي يصف فيه دونالد ترامب حلف الناتو بأنه "نمر من ورق"، اختار الأوروبيون النأي بأنفسهم عن دعم أمريكا.


كتب ـ أحمد مصطفى الغـر

 

لم يكن فجر الثامن والعشرين من فبراير 2026 مجرد إيذانٍ بجولة صراع عادية في الجغرافيا الإيرانية، بل لحظة اهتز فيها العالم بعنفٍ، ولا سيما التحالف الغربي وفي مقدمته حلفه الأطلسي الذي كان يُعتقد أنه درع الغرب الحصين، وبينما كانت الصواريخ ترسم ملامح حرب أمريكية-إسرائيلية انطلقت دون أدنى تشاور مع الحلفاء، وجدت العواصم الأوروبية نفسها أمام مفترق طرق وجودي؛ فإما الانصياع لجموح دونالد ترامب أو التمسك بسيادةٍ باتت تفرضها حقائق الميدان، وآلام أسعار الطاقة، وأمن القارة المهدد بارتدادات الحرب. هذا الانقسام، الذي تجاوز في حدته ومرارته شرخ غزو العراق عام 2003، يضع الأوروبيين أمام حقيقة لا تقبل المواربة؛ وهي أن تحالفهم التاريخي مع واشنطن يواجه خريفًا استراتيجيًا جعل من صرخة "ليست حربنا" شعارًا قاريًّا يتردد صداه من مدريد إلى برلين. فهل ستكون حرب إيران هي القشة التي قصمت ظهر البعير الأطلسي، أم أنها مجرد الكاشف الأخير لعملية تحلل بدأت منذ سنوات ولم تعد تُجدي نفعًا معها المسكنات الدبلوماسية؟

تفرد أمريكي مدمّر

اتسمت الحرب على إيران منذ بدايتها بنوع من الأحادية التي ذكّرت العواصم الأوروبية بأسوأ كوابيسها الدبلوماسية؛ فخلافًا للحروب السابقة، بما فيها غزو العراق عام 2003، لم تبذل واشنطن أي جهد حقيقي لبناء ائتلاف دولي واسع أو التشاور مع حلفائها في الناتو قبل ضغط زر البداية. هذا التجاهل المتعمد لم يكن مجرد سقطة، بل عكس رؤية ترامبية متجذرة ترى في الحلفاء عبئًا أو أتباعًا يجب عليهم الامتثال دون نقاش، وهو ما تجلى في انتقادات ترامب اللاذعة للقادة الأوروبيين منذ الأسابيع الأولى للحرب، وبينما كانت واشنطن تنسق خطواتها حصريًا مع تل أبيب، تُرك الأوروبيون لمواجهة تداعيات حرب لم يختاروها، في مشهد أعاد صياغة مفهوم التحالف ليصبح طريقًا باتجاه واحد تملي فيه القوة العظمى وتتحمل فيه القوى الوسطى التبعات.

المفارقة الصارخة هنا تكمن في أن واشنطن، التي لطالما تفاخرت بقيادة النظام القائم على القواعد، اختارت في حربها هذه تجاوز كافة الأطر القانونية الدولية، متجاوزةً مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة بشكل كامل، وإن كان هذا ليس بجديد على الحروب الأمريكية، ولكن هذا السلوك هذه المرة دفع الحلفاء الأقرب للتساؤل عن الجدوى الأخلاقية والقانونية لدعم مغامرة عسكرية بلا أهداف حقيقية وتفتقر إلى خطة نهائية واضحة، لقد كان هذا التفرد بمثابة إعلان رسمي عن نهاية عهد التشاور الأطلسي، واستبداله بمنطق المصالح الضيقة التي يقودها البيت الأبيض تحت شعار "أمريكا أولًا"، حتى لو كان ذلك على حساب استقرار حلفائها التاريخيين.

في هذا المضمار، لم يعد الخلاف يدور حول تفاصيل تكتيكية، بل انتقل إلى جوهر الهوية الغربية؛ فأوروبا التي بنت جزءًا كبيرًا من أمنها واستقرارها معتمدةً على تحالفاتها في إطار حلف الناتو، تجد نفسها اليوم أمام إدارة أمريكية تصف هذا الحلف بـ "النمر الورقي". هذا التوصيف المهين، الذي أطلقه ترامب في ذروة الأزمة، لم يكن مجرد زلة لسان، بل عكس قناعة بأن التحالف الذي حمى الغرب لسبعة عقود لم يعد يخدم المصالح الأمريكية إذا لم يشارك في حروب واشنطن. ولم يعد الصمت الأوروبي كافيًا لإرضاء واشنطن، بل أصبح المطلوب هو الانخراط الكامل في الحروب أو مواجهة التهديد بالتخلي الأمريكي.

تمرد أوروبي غير مألوف

أمام هذا الضغط الأمريكي غير المسبوق، برزت حالة من مما يمكن وصفه بـ "التمرد القاري" قادتها دول كانت تاريخيًا تعتبر ركائز للسياسة الغربية؛ إذ شكل الموقف الإسباني صدمة لواشنطن عندما أعلن رئيس الوزراء بيدرو سانشيز إغلاق الأجواء والقواعد العسكرية أمام الطائرات الأمريكية المشاركة في الهجمات على إيران، واصفًا الحرب بأنها "غير قانونية" و"غير مبررة". هذا الموقف كان ترجمة عملية لرفض مدريد الانجرار خلف مغامرة عسكرية أحادية الجانب، مما دفع ترامب للتهديد بقطع العلاقات التجارية مع إسبانيا في رد فعل يعكس عمق الأزمة.

 

المفارقة المؤلمة للأوروبيين هي أن واشنطن، التي تمتلك فائضًا في إنتاج الطاقة، لم تتردد في مطالبة حلفائها بتحمل مسؤولياتهم في فتح المضيق بالقوة، بينما عرضت عليهم في الوقت نفسه شراء النفط والغاز الأمريكي كبديل

ولم تقف إيطاليا وفرنسا بعيدًا عن هذا الخط؛ فرغم محاولات روما تلطيف الأجواء، إلا أنها رفضت السماح للطائرات الأمريكية باستخدام قاعدة "سيغونيلا" في صقلية لمهام قتالية مرتبطة بحرب إيران، متذرعة بإجراءات تقنية وقانونية تتطلب موافقة البرلمان. أما باريس، فقد رسمت خطًا فاصلًا واضحًا بين الدعم اللوجستي والدفاع عن الشركاء في الخليج، وبين المشاركة في الضربات الهجومية التي رفضها الرئيس إيمانويل ماكرون جملة وتفصيلاً، مؤكدًا أن هذه ليست حرب أوروبا، حتى المملكة المتحدة، "الحليف التاريخي" والأقرب لواشنطن، وجدت نفسها في موقف لا تحسد عليه؛ فبينما سمح رئيس الوزراء كير ستارمر باستخدام القواعد البريطانية لمهام محدودة، إلا أنه قاوم بشدة المطالب الأمريكية بالانخراط الكامل في الهجوم. ولا شك أن هذا التنسيق غير الرسمي بين القوى الأوروبية الكبرى أظهر أن القارة العجوز بدأت تدرك أن مصالحها الأمنية لم تعد متطابقة بالضرورة مع طموحات البيت الأبيض، تزامنًا مع فقدان الثقة في القيادة الأمريكية ذاتها.

عجز القادة وغضب الشعوب

إن ما يعمق الانقسام الغربي في هذه الحرب هو شعور الأوروبيين بأن الشرعية الدولية تُنحر بيد المصالح الانتخابية الأمريكية؛ ففي نظر الكثير من القادة الأوروبيين، تفتقر الضربات الأمريكية-الإسرائيلية إلى أي مسوغ قانوني. هذا التشكيك القانوني لم يقتصر على الأوساط اليسارية، بل امتد ليشمل قادة يمين الوسط والمحافظين الذين يخشون من أن تقويض القواعد الدولية في الشرق الأوسط سيعود بالوبال على أمن أوروبا في مواجهة القوى التوسعية الأخرى، مثل روسيا.

خنق اقتصادي

لم تكن تداعيات حرب إيران عسكرية فحسب، بل تحولت سريعًا إلى حالة خنق اقتصادي هددت استقرار القارة الأوروبية التي لم تتعافَ بعد تمامًا من تبعات حرب أوكرانيا؛ فإغلاق مضيق هرمز، الشريان الرئيسي للطاقة العالمية، دفع بأسعار النفط والغاز إلى مستويات قياسية تجاوزت 100 دولار للبرميل. هذا الارتفاع الجنوني لم يكن مجرد رقم في شاشات التداول، بل ترجم إلى ألم حقيقي في جيوب المستهلكين الأوروبيين وتكاليف الإنتاج الصناعي، مما عزز الشعور بأن القارة تدفع ثمن حروب واشنطن الاستعراضية.

المفارقة المؤلمة للأوروبيين هي أن واشنطن، التي تمتلك فائضًا في إنتاج الطاقة، لم تتردد في مطالبة حلفائها بتحمل مسؤولياتهم في فتح المضيق بالقوة، بينما عرضت عليهم في الوقت نفسه شراء النفط والغاز الأمريكي كبديل. هذا المنطق الذي يمزج بين الابتزاز العسكري والانتهازية التجارية أثار غضبًا مكتومًا في العواصم الأوروبية، حيث رأى فيه الكثيرون محاولة لتحويل أوروبا إلى سوق تابعة فاقدة للسيادة الطاقية والأمنية. هذا الضغط الاقتصادي عمّق الانقسام الداخلي في أوروبا أيضًا؛ فبينما حاولت دول مثل ألمانيا وفرنسا الحفاظ على نوع من التوازن، وجدت دول أخرى نفسها عاجزة عن تحمل التكلفة، مما قد يدفعها لاتخاذ مسارات أحادية للبحث عن مخرج من الأزمة.

هدايا مجانية

في خضم هذا الصراع الأطلسي-الأطلسي، برزت روسيا والصين كأكبر المستفيدين بالمجان من التخبط الغربي؛ فموسكو التي كانت تعاني من حصار مالي واقتصادي وجدت في ارتفاع أسعار الطاقة طوق نجاة غير متوقع، حيث تضاعفت عوائدها من مبيعات النفط، خاصة مع تخفيف واشنطن لبعض العقوبات لتهدئة السوق العالمية، بل إن الكرملين استغل الحرب كأداة بروباغندا قوية، مشيرًا بتهكم إلى أن الغرب الذي يدعي الدفاع عن القانون الدولي في أوكرانيا هو نفسه من ينتهكه في إيران.

أما الصين، فقد تبنت استراتيجية الانتظار الذكي، مقدمة نفسها كطرف راشد ومستقر في الساحة الدولية، بعيدًا عن نزعة التدمير الأمريكية، ورغم تضرر بكين جزئيًا من ارتفاع أسعار الطاقة، إلا أن انشغال واشنطن بالشرق الأوسط منح الصين فرصة ذهبية لمواصلة التوسع في بحر الصين الجنوبي وتعزيز نفوذها الاقتصادي، مستغلةً تشتت الأصول العسكرية الأمريكية التي سُحبت من المحيط الهادئ لتغطية الجبهة الإيرانية، ولا شك أن استنزاف مخزونات الصواريخ الاعتراضية الأمريكية (مثل صواريخ باتريوت) في حماية منشآت الخليج وإسرائيل يعني بالضرورة ضعف القدرة على ردع الصين في آسيا أو دعم أوكرانيا في أوروبا.

هذا الواقع المأساوي يضع الغرب أمام حقيقة مرة: فالحرب التي شُنت باسم الأمن والاستقرار أدت إلى تقوية الخصوم الاستراتيجيين وإضعاف الحلفاء؛ فأوكرانيا اليوم تجد نفسها الخاسر الأكبر مع تراجع الاهتمام الأمريكي وتحول المساعدات العسكرية نحو الميدان الإيراني، مما يجعل حلم الانتصار على روسيا بعيد المنال في ظل نضوب مخازن الذخيرة الغربية، كما تسببت حرب إيران في إعادة ترتيب أولويات واشنطن بطريقة تخدم مصالح الكرملين، محولةً الجغرافيا الأوروبية إلى ساحة ثانوية في الحسابات الأمريكية، وهو ما يمثل طعنة في ظهر الأمن الجماعي الذي لطالما تغنى به الناتو.

انكسار الثقة الأطلسية

لم تعد هذه الحرب مجرد اختبار عابر للعلاقات عبر الأطلسي، بل كشفت عن تصدّع عميق في ثقة أوروبا بالمظلة الأمريكية، بعدما وجدت نفسها أمام قرار عسكري اتخذته واشنطن منفردة، ثم طُلب منها تحمّل تبعاته دون شراكة حقيقية في صناعته. هذا التحول دفع الأوروبيين إلى إعادة تقييم مفهوم التحالف بصيغته التقليدية، باعتباره إطارًا لم يعد يضمن التوازن أو التشاور المتكافئ. وعلى إثر ذلك، بدأت ملامح بدائل دفاعية تتشكل، عبر تكتلات محدودة واتفاقيات ثنائية تتجاوز بطء الناتو، في محاولة لبناء حصن أوروبي أكثر استقلالًا في مواجهة التهديدات، خاصة الروسية، بعيدًا عن تقلبات القرار الأمريكي.

غير أن هذا المسار لا يزال مثقلًا بعقبات بنيوية معقدة؛ فالقارة تعاني انقسامًا بين شرق يتمسك بالحماية الأمريكية وغرب يسعى للاستقلال، كما تواجه معضلة اقتصادية تجعل زيادة الإنفاق العسكري عبئًا إضافيًا في ظل أزمات الطاقة والمعيشة. ويضاف إلى ذلك الاعتماد التاريخي العميق على التكنولوجيا واللوجستيات الأمريكية، وهو ما يحدّ من سرعة التحول ويجعله مكلفًا وطويل الأمد. ومع ذلك، تبدو هذه الحرب كأنها لحظة دفع حاسمة قد تُجبر أوروبا على الخروج من عباءة التبعية، والانخراط في عالم متعدد الأقطاب كقوة مستقلة، في وقت يتآكل فيه مفهوم الغرب الموحد تحت وطأة الأحادية الأمريكية ومتطلبات الأمن الأوروبي، تاركًا القارة أمام خيار مصيري بين ترسيخ استقلالها أو التراجع في ظل خريف أطلسي ممتد.

أعلى