هل تحولت الفوضى من عيبٍ استراتيجي إلى أداة حكم؟ في عالم تُدار فيه السياسة الخارجية بالتهديد ثم التراجع، تعود «نظرية الرجل المجنون» للسؤال: هل ما زال الغموض يصنع الردع، أم أنه فقد قدرته على الإخافة؟
المصدر:
the conversation
الكاتب: أندرو لاثام
أستاذ العلوم السياسية، كلية ماكالستر
يشهد السلوك المتقلب وغير المتوقع رواجًا ملحوظًا في دوائر السياسة الخارجية
المعاصرة. ففي البيت الأبيض وخارجه، بات يُنظر إلى هذا النمط من السلوك، على ما
يبدو، بوصفه أداة استراتيجية لا نقطة ضعف.
غير أن هذا الأسلوب ليس جديدًا. فالتهديدات الجامحة، والانقلابات المفاجئة في
السياسات، واللغة المتعمدة في غموضها، استُخدمت منذ زمن طويل لإرباك الخصوم وانتزاع
مكاسب تفاوضية.
وفي أدبيات العلاقات الدولية، لهذا النهج اسم محدد:
«نظرية
الرجل المجنون».
وكما صاغها منظّرو الحرب الباردة، وعلى رأسهم دانيال إلسبيرغ وتوماس شيلينغ،
تقوم هذه النظرية على افتراض أن إظهار الاستعداد للذهاب إلى أقصى درجات التصعيد قد
يعيد تشكيل حسابات الخصم عبر تضخيم مخاوفه من الانزلاق إلى مواجهة غير قابلة
للسيطرة.
وقد صُممت النظرية في الأصل كأداة تفسيرية، تُستخدم لفهم سلوك يبدو غير عقلاني. إلا
أنها استُخدمت أحيانًا استخدامًا معياريًا، أي كإستراتيجية واعية يتبناها القادة عن
قصد.
الشروط الثلاثة لنجاح
«الرجل
المجنون»
ترجع الجذور الفكرية لهذه النظرية إلى مكيافيللي، غير أنها ارتبطت تاريخيًا، على
نحو أوثق، بالرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون، الذي يُنقل عنه أنه استخدم مصطلح
«الرجل
المجنون»
لوصف مقاربته الرامية إلى إجبار فيتنام الشمالية على الاستسلام خلال حرب فيتنام.
ويرى مؤرخون أن محدودية فاعلية هذه النظرية تتجلى في أحداث مثل وضع نيكسون القوات
الأمريكية في حالة تأهب نووي عام 1969، وهي خطوة عززت
–
على ما يبدو
– حذر
الاتحاد السوفياتي، حتى وإن لم تُفضِ إلى إنهاء الحرب.
لقد كانت نظرية
«الرجل
المجنون»
أكثر قابلية للتطبيق في عصر نيكسون لثلاثة أسباب بنيوية رئيسة:
أولًا: ندرة المعلومات
خلال الحرب الباردة، كانت الإشارات السياسية والعسكرية تنتقل ببطء، وعبر قنوات
ضيقة، وتخضع للترشيح من قبل الدبلوماسيين المحترفين، وأجهزة الاستخبارات، والمؤسسات
العسكرية.
كان بالإمكان الحفاظ على قدر من الغموض، بحيث يبدو القائد
«غير
متزن محتملًا»
دون أن يُفكك سلوكه فورًا أو يُحلل علنًا. وقد اعتمد
«التجنن
الاستراتيجي»
على هذا الغموض المُتحكم فيه.
|
|
اللايقينية لا تكون مجدية إلا إذا كانت مقصودة ومنضبطة، لا وليدة الارتجال.
فقد أطلق دونالد ترامب تهديدات، وتناقض علنًا مع نفسه، وصعّد خطابه، ثم
تراجع، في أغلب الأحيان دون أن يحصل على تنازلات واضحة. |
ثانيًا: خصم مستقر يتشارك تصورًا مشتركًا للمخاطر
نجحت مناورة نيكسون
– حين
نجحت
–
لأن القيادة السوفياتية كانت شديدة التحفظ في إدارة المخاطر، وتعمل ضمن هرم سلطوي
صارم. وكانت تخشى سوء التقدير خشية أن يؤدي إلى انهيار الاتحاد السوفياتي، أو على
الأقل إلى سقوطها داخل النظام.
ثالثًا: مصداقية متأتية من الانضباط المؤسسي
لا ينجح ادعاء الجنون إلا إذا كان استثناءً لا قاعدة. فقد بدا نيكسون خطِرًا في نظر
خصومه لأن النظام الأميركي، في مجمله، كان يُنظر إليه بوصفه نظامًا منضبطًا
ومحكومًا بإجراءات بيروقراطية راسخة. وكان السلوك المتقلب شذوذًا ضمن سياق من
الرتابة المؤسسية.
غير أن العالم الذي أتاح هذه الشروط الثلاثة لم يعد قائمًا.
لماذا فقدت اللايقينية فعاليتها اليوم؟
اليوم، التهديدات تكون عبر التغريدات أحيانا، وفد تُقتطع من سياقها، ويُعاد
تأطيرها، وتُسرَّب، وتُسخر منها، وتُناقش في الزمن الحقيقي. لم يعد للغموض متسع من
الوقت ليزرع الخوف العام. بل غالبًا ما يتحول إلى ضجيج بلا أثر ردعي.
كما أن دولًا مثل إيران وروسيا والصين تعمل ضمن تصور عالمي ترى فيه النظام الدولي
غير مستقر وغير عادل بطبيعته. التقلب لا يُخيفها؛ بل يمثل البيئة التي تتوقعها. وفي
مثل هذه الظروف، قد يدفع السلوك اللاعقلاني الظاهري إلى اختبار الحدود، أو التحوط،
أو حتى التصعيد المتبادل.
وفوق ذلك، لم يعد السلوك المتقلب أمرًا استثنائيًا أو صادمًا.
لماذا يصعب على
«الرجل
المجنون»
النجاح اليوم؟
اللايقينية لا تكون مجدية إلا إذا كانت مقصودة ومنضبطة، لا وليدة الارتجال. فقد
أطلق دونالد ترامب تهديدات، وتناقض علنًا مع نفسه، وصعّد خطابه، ثم تراجع، في أغلب
الأحيان دون أن يحصل على تنازلات واضحة.
ومع تكرار هذا النمط، تصبح اللايقينية نفسها قابلة للتنبؤ. وحين يُتوقع السلوك غير
المتوقع، يفقد قدرته على الإكراه.
يتجلى هذا بوضوح في تعامل ترامب مع كل من إيران وغرينلاند. ففي الحالة الإيرانية،
فُرض الضغط
– بما في
ذلك الضربات العسكرية
– دون
تحديد واضح لنقطة نهاية التصعيد. أما في قضية غرينلاند، فقد أدت التهديدات القسرية
الموجهة لحليف إلى توتير حلف الناتو دون تحقيق امتثال فعلي.
في كلتا الحالتين، لم تتحول اللايقينية إلى نفوذ مستدام، بل أنتجت ارتباكًا بشأن
الأهداف والحدود.
والأدهى من ذلك أن النظام الدولي المعاصر، إلى جانب البيئة الإعلامية الراهنة، بات
أكثر تبلدًا تجاه التقلبات. فالتهديدات لم تعد تُجمّد الخصوم.
فالحلفاء يعمدون إلى التحوط؛ إذ عززت الهند، على سبيل المثال، علاقاتها مع الصين في
مواجهة التهديدات الأمريكية المتعلقة بالرسوم الجمركية.
أما الخصوم، فيختبرون الحدود؛ حيث تعاملت روسيا مع الإشارات الغامضة لترامب بشأن
أوكرانيا بوصفها ضوءًا أخضر ضمنيًا لمواصلة حملتها للسيطرة على إقليم دونباس.
هل لا تزال
«نظرية
الرجل المجنون»
قابلة للحياة؟
ما تزال هناك ظروف محدودة يمكن فيها للغموض أن يؤدي وظيفة استراتيجية.
فقدر محسوب من عدم اليقين بشأن طبيعة الردود قد يعزز الردع، عبر إبقاء الخصوم في
حالة حذر دائم.
ويمثل الغموض الاستراتيجي الأمريكي تجاه تايوان مثالًا على ذلك، إذ لا يزال من غير
الواضح ما إذا كانت واشنطن ستتدخل عسكريًا في حال تعرض الجزيرة لهجوم صيني، الأمر
الذي يمنع الأطراف كافة من الانزلاق إلى تصعيد تلقائي.
غير أن ما لم يعد مجديًا هو التقلب المنفلت من أهداف واضحة وحدود ظاهرة.
لقد صُممت نظرية
«الرجل
المجنون»
لعالم صارم، تحكمه القواعد والانضباط.
وهي تكون أقل فاعلية بالضبط في اللحظة التي يبدو فيها النظام الدولي اليوم أكثر
فوضوية من أي وقت مضى.