أزمة «إيفرجراند»: خيارات الصين لتفادي أزمة اقتصادية كبرى

بالرغم من النشاطات الاقتصادية العديدة التي تعمل بها شركة إيفرجراند، كاستثماراتها في السيارات الكهربائية والمنتزهات الترفيهية، إلا أنها لم تعد قادرة على الوفاء بالتزاماتها تجاه بعض ديونها البالغة 90 مليار دولار


تراجعاتٌ تشهدها الصين في أكثر من قطاع وفي توقيتات متقاربة، تنذر بأزمة اقتصادية محتملة في الصين، فبينما تراجع الإنتاج الصناعي الصيني بنسبة 1.1٪ في مارس الماضي مقارنة بالعام الماضي، وتراجعت مبيعات التجزئة بنسبة 15.8٪، بالتزامن مع انخفاض الاستثمار في الأصول الثابتة بنسبة 16.1 % للأشهر الثلاثة الأولى من العام مقارنة بالعام الماضي، مما أسفر عن انكماش الاقتصاد الصيني بنحو 6.8٪ في الأشهر الثلاثة الأولى من العام الحالي، وسط توقعات بأن تنخفض القوى العاملة في الصين بمقدار35 مليون على مدار الخمس سنوات المقبلة بنسبة 0.5٪ كل عام.

فإن الصين على الجانب الآخر تواجه أزمة كبيرة في قطاع العقارات جرّاء تورط عملاق العقارات الصيني «إيفرجراند» في أزمة ديون بلغت مقدارها نحو 300 مليار دولار، الأمر الذي في حال عدم السيطرة عليه قد يؤدي إلى غرق قطاع العقارات في الصين، ومن ثم تأثر الاقتصاد الصيني بالتبعية خاصة وأن سوق العقارات يساهم بنحو 29% من الناتج المحلي الإجمالي الصيني.

تعثر سوق العقارات في الصين: كيف نفهم القصة

ترجع القصة وأصل المشكلة التي تواجهها شركة إيفرجراند إلى الحملة الصارمة التي تشنها الحكومة الصينية للسيطرة على القطاع الخاص عبر فرضها ما يقرب من 100لائحة جديدة على أكبر شركاتها منذ العام الماضي، بما فيهم شركة إيفرجراند العقارية. وفي ظل ارتفاع أسعار العقارات بسرعة كبيرة منذ سنوات، كان الرئيس الصيني شي جين بينغ فد فرض لوائح جديدة لمحاولة إبطاء هذا النمو.

في المقابل، كانت شركة تطوير العقارات «إيفراجراند»، الأكثر مديونية في العالم، تكافح من أجل الدفع لمورديها منذ عام 2018 إلى أن تفاقمت مديونياتها تدريجيًا حتى حذرت الشركة المستثمرين بها من احتمالية تخلفها عن سداد ديونها، مع استحقاق دفعة رئيسية واحدة في أقرب وقت.

وبالرغم من النشاطات الاقتصادية العديدة التي تعمل بها شركة إيفرجراند، كاستثماراتها في السيارات الكهربائية والمنتزهات الترفيهية، إلا أنها لم تعد قادرة على الوفاء بالتزاماتها تجاه بعض ديونها البالغة 90 مليار دولار، فضلاً عن 300 مليار دولار آخرين. الأمر الذي تسبب في إعادة الشركة هيكلة الالتزامات المالية مع دائنيها، مما أسفر عن فوضى وارتباك كبير في الصين، باعتبار أن شركة إيفرجراند هي أكبر مُصدر للسندات غير المرغوب فيها.

أزمة الديون تلك تسببت في إجبار الشركة على تعليق بناء المباني السكنية الجديدة، وتأخير المدفوعات للموردين، مما أثار ضجر عملاء الشركة، فمن ناحية يريد العملاء الذين دفعوا مئات الآلاف من الدولارات بناء منازلهم، يريد المستثمرون هم أيضًا إعادة رأس مالهم الذي ساهموا به في الشركة، فيما يريد الموردون الحصول على أموال حتى يتمكنوا من الدفع لموظفيهم والوفاء بالتزاماتهم المالية.

التداعيات على الاقتصاد الصيني

بالنظر إلى أهمية قطاع العقارات في دولة الصين وتمثيله نسبة لا يستهان بها من الناتج المحلي الإجمالي في الدولة، فإنه من المحتمل بشكل كبير أن تؤدي أزمة ديون إيفرجراند إلى إبطاء النمو الاقتصادي للصين ومن ثم التأثير على معدل الناتج المحلي الإجمالي للعام المقبل نظرًا لتباطؤ التمويل للقطاع العقاري بأكمله.

فنتيجة للأزمة العقارية في الصين، خفضت وكالة فيتش للتصنيفات الائتمانية توقعاتها للنمو الاقتصادي للصين لعامي 2021 و 2022، نظرًا للتأثير المتوقع لذلك التباطؤ في سوق العقارات على الطلب المحلي في الدولة.

وعليه، توقعت وكالة فيتش أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 8.1٪ هذا العام، انخفاضًا عن التوقعات السابقة لنمو بنحو 8.4٪، فيما تم خفض التوقعات لعام 2022 إلى 5.2٪ من 5.5٪ ، ولعل خفض التوقعات يرجع بشكل أساسي إلى الركود في قطاع العقارات، علاوة على القيود المرتبطة بكوفيد 19، التي فُرضت في يوليو وأغسطس الماضي وكان لها تأثير سلبي على تعافي الصين من تداعيات الوباء.

بيد أن التباطؤ الاقتصادي دفع بالفعل إلى إعادة تقويم إعدادات سياسة الاقتصاد الكلي، كالدعوة إلى تسريع إصدار السندات الخاصة، إلا أن تلك التحركات تحتاج وقتًا طويلاً لاكتساب قوة دفع حقيقية.

وبالرغم من عدم توقع وكالة "فيتش" للتصنيف الائتماني  تخفيضات في أسعار الفائدة المعيارية، إلا أنه من المرجح أن يتم تخفيض معدل متطلبات الاحتياطي في الصين مرة أخرى في وقت لاحق من هذا العام، بعد تخفيض بمقدار 50 نقطة أساس في يوليو الماضي.

بيد أن وحدة العقارات التابعة لشركة ايفرغراند، أعلنت أن سداد الفائدة المستحقة يوم 23 سبتمبر على إحدى سنداتها المقومة باليوان، تمت تسويته من خلال مفاوضات خارج غرفة المقاصة من دون تحديد المبلغ المستحق أو تاريخ تسديده، إلا أن الحكم على قدرة الشركة على تسوية أوضاعها وسداد مديونياتها هو محل شك، فإذا ما فشلت الشركة في ذلك، فإنه من المرجح أن يسقط عدد من كبار مطوّري العقارات الآخرين، بما ينعكس سلبًا على البنوك الصينية ويعرّض الشركات العقارية ذات الأوضاع غير المستقرة للخطر.

فبالرغم من إبرام شركة إيفرجراند اتفاقًا مع مستثمرين محليين بشأن دفع 35.9مليون دولار كان مستحقًا، إلا أن الشركة فشلت في سداد فائدة قدرها 83.5مليون دولار على سند خارجي.

أهمية ما يحدث في الصين بالنسبة للعالم

تعرضت أسواق الأسهم العالمية للصدمة جرًاء أزمة شركة التطوير العقاري الصينية، خشية أن يتسبب ذلك في حدوث أزمة مالية عالمية جديدة، نظرًا لكون الصين ثاني أضخم اقتصاد عالمي وهي الدولة التجارية الأولى في العالم. لذا فإن ما يحدث في الصين يمثل أهمية كبرى لبقية الأسواق، وأي مؤشر ينذر بحدوث انهيار كبير للشركات الصينية يمكن أن يكون له تداعياته السلبية على جميع أنحاء العالم.

ففي حال تفاقمت أزمة شركة التطوير العقاري الصينية وعجزت تمامًا عن السداد، فإن أسواق السلع العالمية قد تتأثر بالتبعية كحدوث هبوط حاد في أسعار الحديد والصلب وحتى الحديد الخام في كافة أنحاء العالم.

ما يرجح ذلك، كون الصين باتت شريك تجاري ومستثمر رئيسي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، كما باتت لاعبًا جيو اقتصاديًا، لذا فإن أي تباطؤ في الاقتصاد الصيني ستنعكس آثاره على المنطقة بأكملها. وعليه، فإن العالم يراقب عن كثب ما ستؤول إليه أوضاع سوق العقارات في الصين وكيف ستتعامل الصين-باعتبارها قوة اقتصادية عظمى- مع الأزمة.

خيارات الصين لاحتواء الأزمة

ما يهم الصين في تلك الأزمة  ألا يتأثر النظام المالي جرّاء ذلك، وبالفعل، خلال الأيام القليلة الماضية، ضخ بنك الشعب الصيني بعض السيولة في النظام المالي  التي بلغت نحو 100 مليار يوان (حوالي 15.5 مليار دولار)، واستهدفت بكين من ذلك الحفاظ على استمرار السيولة في نظامها المالي.

كما وجه المسؤولون بالقطاع المالي نحو العمل على استقرار أسعار الأراضي والمساكن، وذلك من خلال التشجيع على العمل المشترك بين مؤسسات العمل والحكومات المحلية للحفاظ على التنمية المطردة والصحية لسوق العقارات.

 وأمام الصين، عدة خيارات للتقليل من وطأة تلك الأزمة وتداعياتها على الاقتصاد الصيني:

أولاً: معالجة  معدل الادخار الإجمالي المرتفع بشكل ضخم في الصين، والذي بلغ نحو - 45.7 %في نهاية العام الماضي، أي أكثر من ضعف معدلات الادخار الإجمالي في الولايات المتحدة أو المملكة المتحدة.

ولعل الكثير من تلك المدخرات جاءت بالأساس من أرباح الشركات المرتفعة التي تمثل صورة معكوسة للأجور المنخفضة. لذا، فمن الممكن إذا أرادت بكين زيادة الأجور أن يرتفع الإنفاق الاستهلاكي، الأمر الذي قد يساعد بدوره على إعادة توجيه الاقتصاد بعيدًا عن اعتماده المفرط على استثمارات رأس المال.

كذلك، من الممكن للحكومة الصينية أن تستكمل نظام الضمان الاجتماعي بما يدعم الاقتصاد، إذ سبب كبير في ارتفاع معدل المدخرات يرجع لشبكة الضمان الاجتماعي غير الكاملة في الدولة.

ثانيًا: لدى الصين أيضًا خيارات للصناعات التي يمكن أن تطلقها للتعويض عن قطاع العقارات المتعثر، إذ يعتبر كلاً من قطاعي التصنيع عالي التقنية والتقنيات الخضراء من القطاعات الواعدة في الصين، كذلك التركيز على الاستثمار في طاقة الرياح والطاقة الشمسية اللذان بالفعل يحظيان بالدعم، ويبدو أن الصين تسير على الطريق الصحيح إلى حد كبير، حتى أنها من المحتمل أن تتجاوز هدف تحقيق 1200 جيجاوات من طاقة الرياح والطاقة الشمسية بحلول عام 2030.

ثالثًا: لمنع قطاع العقارات الضخم من إثارة أزمة اقتصادية في الصين، فإن بكين تحتاج إلى نهج يمزج بين الحفاظ على الطلب وبرنامج إعادة الهيكلة الهائل وحل مشكلة الديون، وذلك عبر إعادة تقسيم المناطق وطرح مساحات من الأراضي لم تكن قابلة للتداول من قبل، بما يفتح مصدرًا ضخمًا للطلب.

 

أعلى