• - الموافق2026/10/08م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
تعز.. عقدة الجغرافيا التي قد تحسم معركة اليمن

لم تعد محافظة تعز مجرد واحدة من جبهات الحرب اليمنية، بل تحولت مجددًا إلى نقطة تقاطع بين ثلاثة مسارات استراتيجية، المرتفعات الداخلية، والساحل الغربي، والطرق المؤدية إلى عدن. ومع التحولات الميدانية التي شهدها غرب اليمن خلال الأسابيع الأخيرة، أصبحت السيطرة على تعز مرتبطة بصورة مباشرة بمستقبل السيطرة على الساحل وميناء المخا ومحيط مضيق باب المندب.

البيان/متابعات: لم تعد محافظة تعز مجرد واحدة من جبهات الحرب اليمنية، بل تحولت مجددًا إلى نقطة تقاطع بين ثلاثة مسارات استراتيجية، المرتفعات الداخلية، والساحل الغربي، والطرق المؤدية إلى عدن. ومع التحولات الميدانية التي شهدها غرب اليمن خلال الأسابيع الأخيرة، أصبحت السيطرة على تعز مرتبطة بصورة مباشرة بمستقبل السيطرة على الساحل وميناء المخا ومحيط مضيق باب المندب.

ويكتسب هذا التطور أهمية أكبر بعد سيطرة «الحوثيين» على مدينة المخا وأجزاء من الساحل الغربي في سبتمبر/أيلول الماضي. ويرى الباحث في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «تشاتام هاوس» فارع المسلمـي أن السيطرة على المخا والتقدم بمحاذاة باب المندب يمثلان «أكثر تغيرات السيطرة على الأراضي أهمية في اليمن منذ سنوات»، لما يمنحهما من قدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية العالمية.

وفي هذا السياق، تبدو تعز بوصفها الحلقة البرية التي يمكن أن تحدد مدى قابلية هذا المكسب الساحلي للتثبيت. فقد خلص مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية في تحليل نشره مطلع أكتوبر/تشرين الأول إلى أن تعز تقع بين المرتفعات الوسطى والساحل الأحمر، وتربطها طرق بالمخا وباب المندب من جهة، وبالمناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة جنوبًا من جهة أخرى. ويشير التحليل إلى أن الحوثيين ينظرون إلى المرتفعات المحيطة بالساحل باعتبارها ضرورية لحماية مكاسبهم الساحلية، لأن السيطرة على الشريط البحري وحده لا تضمن تأمينه ما لم تُؤمَّن الطرق والمرتفعات التي تشرف عليه.

وتظهر أهمية هذا الحساب العسكري بوضوح في معركة الطريق بين تعز وعدن. فوفق تحليل صادر عن «مشروع التهديدات الحرجة» في الرابع من أكتوبر، تمكن الحوثيون من الوصول إلى التربة، التي تقع عند تقاطع طريقين رئيسيين يربطان جبهات تعز بمدينة عدن، وهو ما يمكن أن يحد بدرجة كبيرة من قدرة القوات الموالية للحكومة على تعزيز مواقعها وإمدادها في المحافظة، بما فيها مدينة تعز.

ولا تكمن أهمية الطريق في كونه مسارًا لوجستيًا فحسب؛ إذ إن قطع طريق تعز–عدن يمكن أن يحول المدينة إلى منطقة شبه معزولة. وكان تحليل سابق للمشروع نفسه قد أشار إلى أن طريق هيجة العبد يمثل المسار الرئيسي الفعال الذي يربط مدينة تعز ببقية المناطق الخاضعة للحكومة، وأن استخدام الطرق الجبلية البديلة أكثر صعوبة وكلفة.

وهنا تتضح طبيعة المعركة، فالحوثيون لا يحتاجون بالضرورة إلى اقتحام مدينة تعز مباشرة إذا تمكنوا من التحكم في محيطها وقطع طرق الإمداد المؤدية إليها. وهذا الأسلوب يعيد إنتاج منطق الحصار الذي عرفته المدينة خلال سنوات الحرب. فقد وثقت «مجموعة الأزمات الدولية» أن الحوثيين تمكنوا منذ 2015 من التحكم في الطرق الرئيسية شمال تعز، فيما بقي الطريق الجنوبي عبر التربة باتجاه عدن منفذ الحركة الرئيسي للمدينة.

لكن تعز ليست عقدة جغرافية فقط؛ فهي تحمل وزنًا سياسيًا واجتماعيًا يجعل السيطرة عليها أكثر تعقيدًا. وتصف «مجموعة الأزمات الدولية» تعز بأنها العاصمة الثقافية لليمن وأحد أهم مراكز التصنيع قبل الحرب، فيما وثقت «هيومن رايتس ووتش» الدور المحوري للمحافظة في احتجاجات عام 2011، مشيرة إلى أنها كانت تاريخيًا قاعدة مهمة للمعارضة ضد نظام علي عبد الله صالح.

وهذا البعد الاجتماعي يفسر جزئيًا لماذا قد تكون السيطرة العسكرية على تعز أكثر سهولة من إخضاعها سياسيًا. ونقلت صحيفة «ذا ناشيونال» عن خبير في الشأن اليمني لدى «مجموعة الأزمات الدولية» أن استمرار الحوثيين في تكثيف الهجمات ومحاولة السيطرة على تعز «من المرجح أن يكلفهم كثيرًا من المقاتلين والوقت». كما نقلت عن مسؤول يمني أن في تعز «مقاومة شعبية من المدنيين»، وأن سكان المحافظة لن يتوقفوا عن مواجهة الحوثيين.

ومن زاوية أخرى، فإن السيطرة على تعز تمنح أي طرف قدرة أكبر على التأثير في حركة القوات والإمدادات بين شمال اليمن وجنوبه. وتصف الجزيرة موقع المحافظة بأنه جسر بين الشمال الخاضع للحوثيين والجنوب الخاضع للحكومة والساحل الغربي، مشيرة إلى أن السيطرة عليها تمنح نفوذًا على حركة الأسلحة والإمدادات بين الداخل ومدينة عدن الساحلية.

لذلك، فإن المعركة الحالية حول تعز لا ينبغي قراءتها باعتبارها صراعًا محليًا على مدينة محاصرة منذ سنوات، بل باعتبارها جزءًا من إعادة تشكيل الخريطة العسكرية لليمن. فإذا تمكن الحوثيون من تثبيت سيطرتهم على المخا والساحل، ثم تأمين المرتفعات والطرق الغربية والجنوبية لتعز، فإن المكسب الساحلي قد يتحول إلى منظومة جغرافية متصلة تمتد من البحر إلى الداخل.

وفي المقابل، فإن احتفاظ القوات الحكومية بممرات تعز–عدن والمرتفعات المطلة على الساحل يمنع اكتمال هذه الحلقة، ويجعل السيطرة الحوثية على المخا أقل استقرارًا من الناحية البرية.ولهذا تبدو تعز اليوم «عقدة» أكثر منها جبهة؛ فمَن يسيطر على طرقها لا يسيطر بالضرورة على المدينة فقط، وإنما يؤثر في العلاقة بين الساحل والداخل، وفي أمن عدن، وفي عمق باب المندب. ومع دخول الصراع اليمني مرحلة جديدة تتداخل فيها الجغرافيا المحلية مع حسابات البحر الأحمر، أصبحت معركة تعز اختبارًا لقدرة كل طرف على تحويل السيطرة العسكرية المتفرقة إلى نفوذ جغرافي متصل وقابل للاستمرار.

 

أعلى