البيان/متابعات: في تصريحات وزير الخارجية التركي هاكان فيدان الأخيرة، يبرز «حلف مكة» بوصفه مشروعاً يتجاوز إنشاء إطار دفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان، إلى محاولة لبناء منظومة أمن إقليمية جديدة، إلا أن الملف اليمني وأزمة باب المندب يمثلان الاختبار الأكثر إلحاحاً لهذا المشروع. فالحلف الذي يتجه نحو المأسسة يواجه منذ بدايته بيئة إقليمية مضطربة، تتداخل فيها الهجمات على السعودية مع الصراع الأميركي الإيراني والتوتر في البحر الأحمر، بما يجعل اليمن نقطة تقاطع مباشرة بين الأمن الخليجي والأمن البحري والطاقة والتجارة الدولية.
وقال فيدان إن «حلف مكة» يمر بمرحلة «جيدة للغاية» وإنه يمثل «إرادة قوية»، مؤكداً أن العمل على إنشاء الأمانة العامة والقيادة العسكرية المرتبطة به أوشك على الانتهاء، وأن المرحلة المقبلة تتعلق بإرسال الأفراد وتفعيل القيادة. كما أكد أن الحلف سيكون مفتوحاً أمام دول أخرى في المنطقة بعد استكمال خطوات المأسسة، مشدداً على أن الهدف هو بناء مجال دفاع مشترك وحل المشكلات الإقليمية من خلال ما سماه "الملكية الإقليمية".
وتكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة بسبب التطورات في اليمن. فقد أشار فيدان إلى أن المشكلة بين السعودية والحوثيين مستمرة منذ نحو عقد، وأن اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه عام 2022 تعقد بعد اندلاع حرب غزة. وقال إن السعودية تعرضت لهجمات خطيرة استهدفت أراضيها وسيادتها وبنيتها التحتية، مؤكداً أن اتفاق الحلف ينطوي على مسؤولية تضامنية بين الدول الأعضاء.
لكن اللافت أن فيدان لم يعلن عن تدخل عسكري تركي مباشر في اليمن، بل تحدث عن اتصالات غير معلنة وعن احتمال تلبية احتياجات عسكرية سعودية، خصوصاً في المجالات التقنية. وهذه الصيغة تكشف رغبة أنقرة في دعم أمن السعودية من دون الانخراط المباشر في حرب مفتوحة مع الحوثيين، وهي معادلة تبدو مهمة بالنسبة إلى تركيا التي تسعى في الوقت نفسه إلى لعب دور دبلوماسي في احتواء الأزمة.
الأكثر أهمية في تصريحات فيدان هو ربطه بين الملف اليمني والتوتر الأميركي الإيراني. فقد قال إن المفاوضات بين واشنطن وطهران تشهد انسداداً منذ أشهر، وإن التطورات لم تعد محصورة في الهجمات المتبادلة بين الطرفين، بل بدأت تمتد إلى جبهة باب المندب من الجانب اليمني. ووفق القراءة التركية، فإن اتساع دائرة الصراع بات يهدد بتحويل اليمن والبحر الأحمر إلى جبهة إضافية في مواجهة إقليمية أوسع.
وهنا تكمن المشكلة الأساسية التي تواجه «حلف مكة"، فالرياض تحتاج إلى حماية أراضيها ومنشآتها الحيوية، خصوصاً في ظل امتداد التهديدات إلى البنية التحتية وطرق الطاقة، بينما تدرك أن أي تدخل عسكري واسع في اليمن قد يعيد إنتاج حرب استنزاف طويلة. أما تركيا، فتبدو مهتمة بإثبات جدية التزامها الدفاعي تجاه السعودية، لكنها في الوقت ذاته تحاول الحفاظ على موقعها كوسيط قادر على التواصل مع مختلف الأطراف.
ويتعاظم تعقيد المسألة بسبب أهمية باب المندب. فالممر البحري لا يمثل مشكلة سعودية أو يمنية فقط، بل يرتبط بحركة التجارة العالمية وإمدادات الطاقة. وقال فيدان إن هناك مبادرات عديدة للتعامل مع أزمة باب المندب، لكنه شدد على أن هذه المبادرات لا قيمة لها من دون نتائج ملموسة من الأطراف المعنية. كما حذر من أن اضطراب طرق الطاقة بدأ يفرض أعباء اقتصادية متزايدة على الدول التي تعتمد على الاستيراد، وفي مقدمتها تركيا.
ومن هذه الزاوية، فإن اهتمام أنقرة باليمن لا ينطلق فقط من علاقتها بالسعودية، وإنما من مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية المباشرة. فاستمرار اضطراب باب المندب يعني ارتفاع تكاليف النقل والطاقة، وإعادة توجيه طرق التجارة، وزيادة الضغوط على الاقتصاد التركي. ولذلك تنظر أنقرة إلى إنهاء التصعيد في البحر الأحمر باعتباره جزءاً من أمنها الاقتصادي أيضاً. لذلك أعلنت هيئة التنظيم والرقابة المصرفية التركية في 18 سبتمبر 2026 سحب ترخيص فرع بنك ملت في إسطنبول، وهو بنك مقره طهران، وقد يفسر القرار بالنسبة لتوقيته في سياق الحرب الباردة التي تشنها أنقرة على طهران لإخضاعها لطاولة المفاوضات تمهيداً لتدخل تركي دبلوماسي في الأزمة اليمنية.
وفي الوقت نفسه، يبدو أن تركيا تريد منع تحويل السعودية إلى ساحة مباشرة للصراع الأميركي الإيراني. فقد شدد فيدان على أن المملكة يجب أن تبقى خارج هذه المعادلة، لأنها لا تسعى إلى الانضمام إليها. وهذه الرؤية تفسر جزئياً طبيعة الدور الذي يمكن أن يؤديه «حلف مكة»، تعزيز الردع السعودي، وتوفير الدعم العسكري والتقني عند الحاجة، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام الحلول السياسية.
لكن نجاح هذا التصور سيعتمد على كيفية التعامل مع الحوثيين. فإذا تحول الحلف إلى مظلة لتوسيع العمليات العسكرية داخل اليمن، فقد يجد نفسه أمام معادلة مختلفة تماماً عن الهدف المعلن المتمثل في «الحلول الإقليمية». أما إذا استطاع الجمع بين الردع وحماية السعودية والممرات البحرية، وبين دعم مسار تفاوضي يخفف التصعيد، فقد يصبح اليمن أول اختبار يثبت قدرة الحلف على تقديم نموذج جديد للأمن الإقليمي.
وبذلك، فإن تصريحات فيدان تكشف أن اليمن وباب المندب يمثلان الحلقة الأكثر حساسية في مشروع حلف مكة. فالحلف لن يختبر فقط بقدرته على بناء قيادة وأمانة عامة، وإنما بقدرته على التعامل مع أزمة تتداخل فيها السعودية وإيران والولايات المتحدة والحوثيون والممرات البحرية الدولية. وإذا تمكنت الدول المؤسسة من منع تحول هذه الأزمة إلى مواجهة إقليمية أوسع، مع توفير مظلة ردع فعالة للسعودية، فإن الحلف قد يكتسب وزناً استراتيجياً يتجاوز حدود الاتفاق الدفاعي إلى لعب دور في إعادة صياغة منظومة الأمن في الخليج والبحر الأحمر.