الخاتمة :

 لقد استهلت سورة البقرة بالتركيز على أن القرآن حقيقة لا مرية فيها ، فلا تردد في شأنه و لا ارتياب في أمره، بل هو كتاب جاد يحتوي على حقائق مذهلة، فهو مرد الهداية وأصل التقوى وينبوع السعادة، وذلك ما جسدته شمولية السورة في تعرضها لكافة الجوانب الحيوية العاجلة والآجلة الماضية والمستقبلية ، مبينة الأسس التي تقوم عليها صلة العبد بربه وصلته بنفسه وصلته بالكون من حوله، مشيدة بالسمات الأساسية التي يتميز بها أهل الإيمان عن غيرهم، تلك السمات المبنية على التقوى، الذي جمعت السورة من صيغه بضعا وثلاثين صيغة، وهي الخاصية التي لا تشبهها فيها سورة أخرى، ذلك أن التقوى يعد الصفة الجامعة التي طلبت من سائر الأمم، وقد تضمنت السورة موضوعات عديدة جمعها محور واحد ، يدور حول تكوين الدولة الإسلامية في أول نشأتها ووسائل إقامتها، وأنواع الملابسات التي ظل الرسل وأتباعهم يواجهونها، على مر العصور، وقد ظل نداؤهم واحدا وظلت دعوتهم واحدة {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون } .

  وأتبعت السورة ذلك بوصف كامل للمشركين الذين كانت الدعوة تواجههم سواء في مكة أو في ضواحي المدينة، يقول ابن تيمية بعد أن ذكر تضمن السورة لأصول العلم و قواعد الدين : "أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى افْتَتَحَهَا بِذِكْرِ كِتَابِهِ الْهَادِي لِلْمُتَّقِينَ فَوَصَفَ حَالَ أَهْلِ الْهُدَى ثُمَّ الْكَافِرِينَ ثُمَّ الْمُنَافِقِينَ . فَهَذِهِ  جُمَلٌ خَبَرِيَّةٌ ثُمَّ ذَكَرَ الْجُمَلَ الطَّلَبِيَّةَ فَدَعَا النَّاس إلَى عِبَادَتِهِ وَحْدَهُ ثُمَّ ذَكَرَ الدَّلَائِلَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ فَرْشِ الْأَرْضِ وَبِنَاءِ السَّمَاءِ وَإِنْزَالِ الْمَاءِ وَإِخْرَاجِ الثِّمَارِ رِزْقًا لِلْعِبَادِ ثُمَّ قَرَّرَ  الرِّسَالَةَ  وَذَكَرَ  الْوَعْدَ وَالْوَعِيدَ ثُمَّ ذَكَرَ مَبْدَأَ النُّبُوَّةِ وَالْهُدَى وَمَا بَثَّهُ فِي الْعَالَمِ مِنْ الْخَلْقِ وَالْأَمْرِ ثُمَّ ذَكَرَ تَعْلِيمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ وَإِسْجَادَ الْمَلَائِكَةِ لَهُ لِمَا شَرَّفَهُ-به- مِن الْعِلْمِ ؛ فَإِنَّ هَذَا تَقْرِيرٌ لِجِنْسِ مَا بُعِثَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ فَقَصَّ جِنْسَ دَعْوَةِ الْأَنْبِيَاءِ . ثُمَّ انْتَقَلَ إلَى خِطَابِ بَنِي إسْرَائِيلَ وَقِصَّةِ مُوسَى-صلى الله عليه و سلم- مَعَهُمْ وَضَمَّنَ ذَلِكَ تَقْرِيرَ نُبُوَّتِهِ إذْ هُوَ قَرِينُ مُحَمَّدٍ [صلى الله عليه و سلم]" [1] ، لقد استمرت السورة في فضح عوار بني إسرائيل و كشفت عنادهم الذي لا يكل و كفرانهم الدائم لنعم الله تعالى عليهم ، و جراءتهم على أنبيائهم ‘ حيث كانوا نموذجا فريدا للفشل و سوء النوايا و خبث الطوايا والإعراض عن الحق و التعلق بالباطل ، بعد ذلك تعرضت السورة لمكانة إبراهيم عليه الصلاة و السلام لتقرر إمامته للمتقين الذين تكررت جمل من صفاتهم في ثنايا السورة تعريفا بهم و إشادة بمنزلتهم ، ثم بعد الحديث عن بناء إبراهيم عليه السلام للبيت الحرام أخذت السورة في تبيان شرائع الإسلام ، مستهلة إياها بالتوحيد و مخاطر كتمان العلم ، و ذكرت الصلاة و الجهاد و المطاعم و طرائق البر و القصاص و الصوم و الاعتكاف و الحج و أحكام القتال في المسجد الحرام و أحكام الأشهر الحرم ، و نبهت إلى أن تلك العبادات و المواقيت إنما شرعت كلها لتحقيق التقوى ، ثم عددت بعد ذلك أحكام الخمر و الميسر و معاملة اليتامى ، و أحكام الحيض و الأيمان و الإيلاء و الطلاق والعدد والرضاع و الحقوق الأسرية و الأنكحة و المتع ، لتنتقل قبل الختام إلى متعلقات الأموال و الصدقات و الربا و الديون و الرهون ، ثم ختمت بالدعاء الشامل لوضع الآصار و الأغلال ، و استجداء العفو و المغفرة و الرحمة و طلب النصرعلى القوم الكافرين . [2] ، {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين }..

المقدمة  1  2  3  4  5  الخاتمة

 

 


[1] مجموعة الفتاوى (14\29) ، ط : دار الوفاء

[2] نفس المرجع السابق (4\29-32)