قصة وهدف : {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ رضي الله عنهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "يُدْعَى نُوحٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ يَا رَبِّ فَيَقُولُ هَلْ بَلَّغْتَ فَيَقُولُ نَعَمْ فَيُقَالُ لِأُمَّتِهِ هَلْ بَلَّغَكُمْ فَيَقُولُونَ مَا أَتَانَا مِنْ نَذِيرٍ فَيَقُولُ مَنْ يَشْهَدُ لَكَ فَيَقُولُ مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ فَتَشْهَدُونَ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ {وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} فَذَلِكَ قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}"، وَالْوَسَطُ الْعَدْلُ [1]. لقد اتضح من خلال هذه القصة ما لهذه الأمة من رفيع المكانة وزائد المزية على غيرها من الأمم، فهي الأمة المجتباة التي زكاها ربها وجعلها وسطا في عقيدتها وأخلاقها ومعاملاتها، يقول الإمام ابن القيم  : "فما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان : إما إلى تفريط وإضاعة ، وإما إلى إفراط وغلو ، ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه ، كالوادي بين الجبلين ، والهدى بين ضلالتين ، والوسط بين طرفين ذميمين ؛ فكما أن الجافي عن الأمر مضيع له ، فالغالي فيه مضيع له : هذا بتقصيره عن الحد ، وهذا بتجاوزه الحد " [2] .

 ففي هذه الشريعة المباركة لا إفراط يتيح لأهل الضلال والغلو فرصة الاستدراك على الله تعالى وعبادته بما لم يشرع، ولا مجال لإعنات الخلق بآصار وأغلال قد وضعها الله تعالى عنهم، ولا تفريط يشرع الأبواب لأرباب الضلال وعبدة الأهواء وأصحاب الشهوات لنشر ضلالهم ومزاولة أهوائهم وممارسة شهواتهم، ذلك أن الوسطية إنما تعني تعلم ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم واعتقاده يقينا، وتطبيقه عملا، وسلوكه منهجا، ولا تعني الوسطية في أي معانيها الشرعية أوحتى اللغوية التنازُل عن المبادئ أوالتساهُل في الأحكام أوتمييع القضايا.

 المقدمة  1  2  3  4  5  الخاتمة


  

[1] البخاري\كتاب التفسير\باب قوله تعالى :{وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا}\ح (4487)

[2] مدارج السالكين (2\317)