من أبرز الأدلة التي استخلصت منها قواعد فقهية في السورة :

- {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا} : وهذا دليل استخلصت منه قواعد عظيمة دالة على أن أصل الأشياء الإباحة، ما لم يرد دليل شرعي يجدد لها حكماً[1] ، وقد ورد بعض تلك القواعد عند الفقهاء بتعبيرات عديدة، منها قولهم (الأصل في الأشياء الإباحة)، وهو أصل مضطرد في القرآن، كما في قوله تعالى:{قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق...}،وقوله: {اليوم أحل لكم الطيبات}.

- {فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه } : وهو أصل استنبطت منه قواعد هامة في رفع الحرج وجلب التيسير ونفي الإعنات والمشقة، يعبر عنها الفقهاء بألفاظ متنوعة منها قولهم: (لا واجب مع عجز ولا حرام مع ضرورة) [2] ، وقد جاء الدليل مرات كثيرة في القرآن، ومن ذلك قوله جلت عظمته: {فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم } ‘ وقوله : {وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه } .

- {ولكم في القصاص حياة } : وهو أصل استخلصت منه قواعد جليلة في حفظ الأنفس وحقن الدماء، ذلك أنه لما كان إزهاق الأنفس وإتلاف الأعضاء قضاء على النوع الإنساني وتقويضا لأنشطته الحيوية كانت في القصاص حياة لما فيه من قمع للقتلة وردع لأهل البغي والعدوان، وكذلك وصد الباب أمام إحن الثارات والنعرات التي تفتك بالمجتمعات [3] ، وقد وردت هذا الأصل في مواضع من القرآن، من ذلك قول الله تعالى : {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس } ، وقوله {ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا... }.

- {يريد الله بكم اليسر } : وهو دليل انبنت عليه قواعد عظيمة تبين بجلاء انبناء تكاليف الشريعة الإسلامية على التيسير ومراعاة أحوال المكلفين؛ بل تنبثق عنه إحدى القواعد الخمس الكبرى (المشقة تجلب التيسير)، فلم يكلف الشارع المطهر الناس بما يشق عليهم مشقة خارجة عن المألوف، أوبما يوقعهم في الحرج، أوبما لا يستطيعونه، قال الشاطبي : "فإن الشارع لم يقصد إلى التكاليف بالمشاق الإعنات فيه" [4] ، ونظراء هذا الدليل في القرآن كثر، من ذلك قوله تعالى : {لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا } ، وقوله : {وما جعل عليكم في الدين من حرج } .

- {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } : وهو دليل انبثقت عنه قواعد جليلة تفيد أن كل ضرر واجب الإزالة، كما هو لفظ الحديث "لا ضرر ولا ضرار" [5] ، وعن ذلك نشأت إحدى القواعد الخمس الكبرى (الضرر يزال) [6] ، والدليل جاء بصيغ مختلفة في القرآن الكريم، من ذلك قوله تعالى: { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به } ، وقوله: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان } .

- {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف } : وهو دليل تأسست عليه قواعد جليلة في وجوب المساواة في كثير من الحقوق، وضرورة اعتبار الأعراف والعادات لإثبات تلك الحقوق، كما هو نص إحدى القواعد الخمس التي يقوم عليها الفقه (العادة محكمة)، ذلك أن ما تعارف عليه المسلمون وجرت به عادتهم اعتبره الشارع وبنى عليه الأحكام ما لم يخالف نصاً، وهذا الدليل ورد بصيغ مختلفة في القرآن، منها قوله تعالى: {وعاشروهن بالمعروف} ، وقوله: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف } ، وقد فسر المعروف في هذه الآيات بما تعارف عليه الناس مما وافق نصوص الشارع [7].

- {لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده } : لقد تواترت نصوص هذه الشريعة المباركة على الأمر بالإحسان والصفح عن المسيء والرأفة بالخلق، والنهي عن الظلم والإضرار بالخلق[8]، وقد أخذت من هذه الآية ومثيلاتها قاعدة (الضرر يزال)، ونظيراتها في القرآن وافرة، منها قوله تعالى: {ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا وقوله: {ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن } .

- { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } : وهو دليل استندت إليه جملة من القواعد العظيمة في أصل التيسير وعدم التكليف بما لا يطاق، ومن أمثلته من الآيات استخلصت قاعدة (المشقة تجلب التيسير) [9] ، وقد ورد بعبارات كثيرة في القرآن الكريم منها ما تقدم، ومنها كذلك قول الله جلت قدرته: {يريد الله أن يخفف عنكم } ، وقوله: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج } .

 المقدمة  1  2  3  4  5  الخاتمة


  


[1] انظر : التفسير الكبير للرازي (2\154)

[2] انظر : إعلام الموقعين (2\41)

[3] انظر : فتح القدير للشوكاني (1\176)

[4] الموافقات، الشاطبي (2\210)

[5] أخرجه الدارقطني(288)، والحاكم في المستدرك(2345)، وقال عنه النووي في الأربعين : "له طرق يقوي بعضها بعضا"، وقال عنه ابن الصلاح : "هذا الحديث أسنده الدارقطني من وجوه، ومجموعها يقوي الحديث ويحسنه"، انظر : جامع العلوم والحكم(2\207-211)، والحديث صححه الألباني في إرواء الغليل(3\408)

[6] انظر : الفتح الرباني للساعاتي(15\110)

[7] انظر : الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (3\163)

[8] انظر : تفسير ابن كثير (1\291)

[9] انظر : المجموع المذهب للعلائي (1\343)