من هدايات السورة :

- شؤم المعصية : إن شؤم المعصية كبير، وأثرها في النفس بالغ، ووخزها للضمير عميق، لقد نهى الله تعالى آدم وزوجه عن الأكل من الشجرة، ولكن إرادته تعالى نافذة ومشيئته متحققة، لقد أغوى إبليس كلا من آدم و حواء حتى وقعا في المعصية وأكلا من الشجرة التي أمرا بالابتعاد عنها، فأخرجا مما كانا فيه من نعيم الجنة ورغد عيشها إلى دار النكد والنصب والمجاهدة {ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه.... } ، فكان من حكمة الله تعالى المضطردة وعدله الذي تمت به كلمته في مخلوقاته كافة أن يعز ويسعد من أطاعه، ويذل ويشقيي من عصاه، حتى يظل متجللا بحسرة المعصية وندامة الذنب، متجرعا مرارة الضنك وبؤس الشقاء، هكذا قال الله - تعالى -: {فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولائك أصحاب النار هم فيها خالدون } .

- من الأسباب الجالبة لغضب الله تعالى ومقته :

* التناقض بين القول والعمل {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم }

* الجراءة على الله تعالى {يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة }

* تحريف الكلم عن مواضعه {فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم }

* كفران النعم {لن نصبر على طعام واحد }

* الكفر وقتل الأنبياء ومقارفة المعاصي ومزاولة العدوان {ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون }

*  التحايل على المحرمات {ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت }

*  الجدل والعناد  {إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا }

*  الاستعاضة عن الوحي بغيره {واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا.. }

وقد زاول بنو إسرائيل كل هذه الموبقات وغيرها حتى حاق بهم غضب الله تعالى وحل بهم مقته، وكذلك مآل المكذبين لرسل الله تعالى المعرضين عن آياته في كل العصور.

- وجوب مخالفة الكفار وضرورة استقلال المسلم في شخصيته وحياته : لقد نهى الله تعالى عباده المؤمنين عن التشبه بالكافرين في أقوالهم وأفعالهم {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا ذلك أن حياة هؤلاء الكفار قائمة على سوء السلوك وانحطاط السجايا ورذالة الأساليب، إضافة إلى أن عداوتهم للمسلمين متجذرة وغيظهم عليهم شديد، فليس للمسلمين حاجة تدعوهم إلى تقليدهم، وإنما الواجب على المسلمين استلهام نموذجهم من الوحي وتمثلهم لحياة رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم وتوقيرهم وطاعتهم له  والائتساء به، بعيداً عن الانقياد لأمم الظلام والجهل.

-  أهمية التوحيد : لقد خلق الله الخلق لعبادته ، وأنزل الكتب وأرسل الرسل لدعوة الناس إلى توحيده، والتحذير من الإشراك به، قال شيخ الإسلام رحمه الله: «وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يحقق هذا التوحيد لأمته ويحسم عنهم مواد الشرك إذ هذا تحقيق قولنا لا إله إلا الله، فإن الإله هو الذي تألهه القلوب لكمال المحبة والتعظيم والإجلال والإكرام والرجاء والخوف»  [1]. وقد كان الأنبياء أحرص ما يكونون على توريث التوحيد لذرياتهم والأجيال من بعدهم حتى وهم يكابدون سكرات الموت {أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي... }

- النسخ : لقد اقتضت حكمة الله تعالى التدرج في الأوامر والنواهي لتواكب حركة نمو المجتمع ومراحل تطوره، إضافة إلى ما تمليه ضرورة التيسير والتخفيف ورفع الحرج، فنشأ عن ذلك النسخ في الأحكام، حيث ينزل الله تعالى- وهو الذي أحاط علما بكل شيء- حكماً مرحلياً يزيله بحكم آخر أخير منه وأنسب للبقاء حتى يبلغ التشريع أكمل مستوياته {ما ننسخ من آية أو ننسئها نأت بخير منها أومثلها.. } ، والنسخ ثلاثة أنواع :

1- نسخ الحكم والتلاوة

2- نسخ الحكم دون التلاوة

3- نسخ التلاوة دون الحكم) [2].

- وسطية هذه الأمة : لقد بين سبحانه وتعالى إيجابية هذه الأمة ووسطيتها المبنية على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الفضائل، والتحذير من الرذائل، {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا } ، قال سيد قطب رحمه الله : " إنها الأمة الوسط التي تشهد على الناس جميعا , فتقيم بينهم العدل والقسط ; وتضع لهم الموازين والقيم ; وتبدي فيهم رأيها فيكون هو الرأي المعتمد ; وتزن قيمهم وتصوراتهم وتقاليدهم وشعاراتهم فتفصل في أمرها" [3].

- التسليم لأمر الله تعالى شرط في الإيمان : فالمسلم إنما يقيس عقيدته وقوله وفعله بأمر الله ورسوله، فذلك ميزانه وفرقانه الذي ينقاد له ويستسلم، فلا تلكأ عنده ولا تردد، وبهذا يجتاز كل امتحاناته بجدارة {وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه... } ، فصفة المؤمن الأولى امتثاله لأمر الله تعالى وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم ( وأما أهل الحقِّ فجعلوا الكتاب والسنة إمامهم , وطلبوا الدِّين مِن قِبلهما , وما وقع لهم من معقولهم وخواطرهم عرَضوه على الكتاب والسنة , فإنْ وجدوه موافقاً لهما قبلوه وشكروا الله حيث أراهم ذلك ووفَّقهم عليه , وإنْ وجدوه مُخالفاً لهما تركوا ما وقع لهم وأقبلوا على الكتاب والسنة ورجعوا بالتهمة على أنفسهم ) [4] .

- شمولية التشريع : إن كمال الشريعة واتساقها واشتمالها على كافة جوانب الحياة العقدية والاجتماعية والاقتصادية والتربوية... يبين أنها إنما جاءت لتحكم سائر حياة الناس، وليست قاصرة على جانب واحد خلاف ما يروج له الملحدون من خلال سعيهم المكثف إلى حصر الإسلام في زوايا ضيقة {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولائك الذين صدقوا.... }.

- الجهاد ضرورة : إنه حين تتكالب العقبات الإلحادية والمؤثرات المادية لتقف أمام نشر دين الله تعالى والدعوة إليه, تصبح القوة ضرورة لإزالتها وتبديدها، {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله.. } ، ذلك أن الجهاد ضروري للتمكن من مخاطبة قلوب الناس وعقولهم; وهم آمنون من إرهاب الإلحاد طلقاء من أغلال الهيمنة، قد استؤصلت جذور الظلم من حياتهم .

- لا لتجزيء الإسلام :لقد ركب البعض موجة إلحاد عارمة بحسن نية أوبسوئها، عند تقسيمه الإسلام إلى نصوص مرفوضة، وأخرى مقبولة، وشرائع ضرورية ؛ وأحكام أساسية وأخرى هامشية! تلك هي أقصر الطرق لحل عرى الإسلام، وأنجع الوسائل للطعن في أبدية صلاحيته؛ إن الإسلام كل لا يتجزأ فلا بد من القبول بنصوصه جميعا والتسليم لها كلها عقيدة وأحاكاماً ومنهجاً {يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة.. } .

 المقدمة  1  2  3  4  5  الخاتمة


        


[1] مجموع الفتاوى (1\136)

[2] مباحث في علوم القرآن، مناع القطان، ص: 244

[3] في ظلال القرآن (1\124-125)

[4] الانتصار لأصحاب الحديث، أبو المظفر الصمعاني، ص : 44