في عام 1995م، وتحديدًا خلال الفترة ما بين الحادي عشر إلي الثاني والعشرين من يوليو، قامت القوات الصربية بأوامر مباشرة من أعضاء هيئة الأركان الرئيسية للجيش الصربي بالقيام بعمليات تطهير عرقي ممنهجة ضد المسلمين البوسنيين في سربرنيتشا، في واحدة من أسوأ المذابح الجماعية ضد المسلمين في التاريخ الحديث. وإذ تمر علينا هذه الأيام الذكري الـ24 للمذبحة، فهذا تذكير بهذا الجرح الغائر في جبين الإنسانية، الذي مهما مرّ الزمن سيظل شاهدًا على الإرهاب والعنف الذي يُمارس ضد المسلمين، ودليلًا على زيف الإدعاءات بأن المسلمين أهل تشدد وعداء.

بدأت المأساة عام 1992م، بعد أن قامت القوات الصربية بمحاولة السيطرة على مساحة شاسعة من الأراضي في شرق البوسنة والهرسك، بهدف ضمها إلى جمهوريتهم، وبالرغم من أن جمهورية البوسنة والهرسك قد أعلنت إستقلالها عن يوغسلافيا بعد الاستفتاء الذي أجري في فبراير من عام 1992، إلا أن الصرب لم يعترفوا بإستقلال البوسنة، وظلت لديهم مطامع في السيطرة عليها، إلا أن مسلمي البوسنة، والمعروفين باسم "البوشنياق"، عارضوا ضم إقليمهم إلى الصرب، فبدأت المناوشات بين الصرب والبوسنة، إلى أن أتى أبريل 1993م، حيث أعلنت الأمم المتحدة أن بلدة سربرنيتشا الواقعة في شمال شرق البوسنة "منطقة آمنة"، وأنها تحت حماية الكتيبة الهولندية في قوات الأمم المتحدة، وتحت وعود الحماية وضمان الأمن وسلامة الأرواح قام المتطوعون البوسنييون الذين كانوا يدافعون عن بلدتهم بتسليم أسلحتهم، لـكـن الصرب لم يهدأ لهم بالًا، ظلوا يخططون لضم تلك المنطقة إلى سيطرتهم، معتبرين أن حماية البوسنيين من قبل قوات الأمم المتحدة بمثابة انحياز إلى جوار المسلمين.

في الحادي عشر من يوليو 1995م، كانت المأساة الكبرى التي أدمت قلوب الإنسانية، عندما اجتاحت القوات الصربية بلدة سربرنيتشا، تحت قيادة الجنرال "راتكو ملاديتش" وبتحريض من الزعيم السياسي السابق لصرب البوسنة "رادوفان كراديتش"، مُحدثين واحدة من أفظع المجازر الجماعية التي شهدتها القارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية، فبعد دخول القوات الصربية إلى البلدة، قاموا بعزل الذكور بين 14 و 50 عاماً عن النساء والشيوخ والأطفال، ثم تمت تصفيتهم ودفنهم في مقابر جماعية، وبعد أن بدأ أمرهم في الافتضاح أمام المجتمع الدولي بدأوا في نبش هذه المقابر ونقل الرفات وتوزيعها على مقابر أصغر وفي أماكن متباعدة لإخفاء حجم المجزرة التي ارتكبوها، كما تم إبعاد أكثر من 20 الف مسلم بوسني من سربرنيتشا خلال يوم واحد فقط، وتمت عمليات اغتصاب ممنهجة وبشكل بشع ضد النساء والفتيات المسلمات، كل هذا حدث على مرأى ومسمع من الكتيبة الهولندية التابعة لقوات حفظ السلام الأممية، دون أن تقوم بأي شيء لإنقاذ أهل سربرنيتشا، وعلى مدار 11 يومًا فقط تم قتل أكثر من 8 آلاف شخص (طبقا لحصيلة الأمم المتحدة)، والمؤسف أكثر أن عناصر الكتيبة الهولندية كانوا يعيدون من يلجأ إليهم للإحتماء بهم إلى القوات الصربية مرة أخرى ليلقى حتفه.

حتى محاولة الهروب من جحيم الموت الصربي، إلى مدينة توزلا في شمال شرق البوسنة، لم تكن ممكنة، حيث تعرض 12 الف بوسني لإطلاق النيران من قِبَل قناصين صربيين، وكأنهم صيد يتم مطاردته، حيث نصب الصرب كمائن على الطرق الجبلية التي إتخذها البوسنيون للهرب، ولم يتمكن إلا 3 آلاف فقط منهم الوصول إلى مدينة توزلا، بينما قُتِلَ الباقون في غضون 10 أيام في الطريق الطويل من سربرنيتشا إلى توزلا، كانت هذه المجزرة أول وثيقة قانونية تثبت عمليات الإبادة الجماعية والتطهير العرقي في أوروبا، وتشكل مجزرة سربرنيتشا جزءًا من الحرب في البوسنة والهرسك التي استمرت لمدة  ثلاث سنوات ونصف، قُتِلَ فيها حوالي 312 الف شخص، فيما اضطر 2 مليون شخص على مغادرة منازلهم، بينما إعتبر أكثر من 27 ألف شخص في عداد المفقودين حسب السجلات الرسمية، أما عمليات البحث عن المقابر الجماعية، فقد أسفرت بعد 17 عاما عن الوصول إلى حوالي 20 الف جثة، تم تحديد هوية 18 الف منهم، على الرغم من صعوبة تحديد الهويات، لأن معظمهم تم حرقه قبل إلقاءه في المقابر الجماعية.

وفي عام 2008، تم إيقاف "رادوفان كراديتش"، الذي عرف بـ "جزار البوسنة"، وهو أعلى مسؤول يمثل للمحاكمة بشأن مجازر البوسنة بعد وفاة الرئيس الصربي الأسبق "سلوبودان ميلوسوفيتش" أثناء محاكمته في 2006م، واعتبرت الهيئات القضائية الدولية أن المجزرة ترقى لمستوى الإبادة وذلك وفقا للقوانين الدولية، وفي عام 2016 حكمت محكمة الجزاء الدولية عليه بالسجن 40 عاما بتهمة الإبادة الجماعية. كما تم الحكم بالسجن المؤبد على قادة آخرين، بينهم الجنرال "راتكو ملاديتش"، وهو القائد السابق لجيش صرب البوسنة، والملقب بـ"سفاح البلقان". أما هذا العام 2019م؛ فقد أيدت المحكمة العليا في هولندا، حكما سابقًا قضى بتحميل الدولة الهولندية جزءاً من المسؤولية عن مقتل مسلمي سربرنيتشا على أيدي قوات الصرب في عام 1995م، فالمحكمة رأت أن قوات حفظ السلام الهولندية كان يمكنها السماح للرجال المسلمين بالبقاء في قاعدة "الملاذ الآمن"، وأنها من خلال تسليمهم، قامت بتعريضهم لسوء المعاملة و الموت على أيدي القوات الصربية.

رغم مرور 24 عامًا على المأساة، إلا أن الألم لا يزال يعتصر قلوب مسلمي البوسنة، مع كل اكتشاف جديد لمقابر جماعية لمذابح الإبادة الصربية التي ارتُكبت بحقهم، فعدد الشهداء حتى ألان مازال في تزايد، قُتِلُوا بدمٍ بارد دون ذنب سوى أنهم مسلمون، وفي نهاية العام قبل الماضي 2017م، تم دفن 71 رفات جثة من ضحايا المجزرة، بعد أن عثر عليها في مقابر جماعية وتم تحديد الهويات، حيث تم دفنها في مقبرة بوتوكاري التذكارية، لقد أصبح إحياء ذكرى مذبحة سربرنيتشا تقليدًا سنويًا، يحرص مسلمو البوسنة عليه، ويحضره آلاف الأشخاص لاسيما أهالي الضحايا، ويتم في كل عام دفن عظام ضحايا جدد تم تحديد هوياتهم، أو اكتشاف رفاتهم، مما يدل على أن الجرح سيظل ينزف طـويـلًا، حتى مع إقدام الرئيس الصربي الحالي "توميشلاف نيكوليتش" على تقديم اعتذاره الشخصي عن المجزرة: "أركع وأطلب الصفح لصربيا على الجريمة التي ارتكبت"، فالأرواح البريئة التي أُزهِقَت عن عمد لن يعيدها ركوعك إلى الحياة ولو ركعت لألف عام!