في عام 1991، استقبل المسلمون بسرور بالغ، أنباء إعلان ست دول إسلامية استقلالها، عن الاتحاد السوفيتي المنحل، وهي دول آسيا الوسطى الخمس: كازاخستان، وأوزباكستان، وتركمانستان، وقرغيزيا، وطاجاكستان، ثم أذربيحان في القوقاز، وتحدثت وسائل الإعلام، حينذاك، بإسهاب عن القوة الهائلة، التي تمثلها هذه الدول، والتي ستدعم وجود الإسلام، وتساعده على مواجهة التحديات الكثيرة والكبيرة، التي يواجهها في العصر الحاضر، بعد أن تخلصت تلك الدول، من هيمنة الاستعمار الروسي والسوفيتي وقبضته الحديدية عليها على مدى حقبة طويلة من الزمن، تجاوزت القرن ونصف القرن، تعرض المسلمون خلالها، لأشرس أنواع الحروب العسكرية، تدميرا، وفتكا، واستئصالا، ولأخطر أنواع الغزو الفكري، هدما للذات، ونسفا للمعنويات، وإبادة للقيم، ولأبشع أنواع الاستغلال الاقتصادي، ونهب الثروات، بشكل مخطط ومنظم.

عوامل التكالب على أسيا الوسطى

ولكن مضت السنوات سريعا، وهانحن بعد مرور أكثر من ربع قرن من ذلك الاستقلال، وبعد أن ذاب الثلج، وبان المرج، نكتشف أنه، لم يكن سوى وهم من الأوهام، وأن النتيجة كانت صادمة، بصورة ليس لها مثيل. فهاهي أبواب تلك الدول الست، بعد مضي تلك المدة، مفتوحة على مصاريعها لمشاريع القوى العظمى والقوى الأقليمية الطامحة والصاعدة، كروسيا، والصين، والولايات المتحدة، وبريطانيا، والكيان الصهيوني، والهند، وإيران، وتركيا، ودول الاتحاد الأوروبي، واليابان. وعندما يحاول الباحث المسلم، رصد وتتبع ملامح وأبعاد السياسة الخارجية، لكل دولة من هذه الدول، تجاه تلك الدول الست أو بعضها، سيجد أن الأبحاث والدراسات التي صدرت حول هذا الموضوع، تبتعد عن التطرق للعوامل الحقيقية، من وراء ذلك التكالب الدولي، وتركز على العوامل الأخرى، كالموقع الجغرافي الاستراتيجي بين روسيا والصين، والبحر الأسود وبحر قزوين، هذا الأخير الذي يعد أهم منطقة من حيث الاحتياطي النفطي في العالم، بعد منطقة الخليج العربي، وكالموارد الطبيعية الهائلة وغير المستغلة، وبخاصة النفط والغاز والفحم، التي تحتويها أرضها البكر، وكون هذه المنطقة تمثل قلب أسيا، التي كان طريق الحرير القديم يمر بهـا، والذي كان يمتد من الصين إلى أوروبا، وهذا إلى جانب ضمان السيطرة على الأسلحة النووية، التي تمتلكها بعض هذه البلدان، وبخاصة كازاخستان. وكل هذا قد يكون صحيحا، ولكنه لايمثل العوامل الحقيقية لذلك التكالب الدولي، على دول اسيا الوسطى وأذربيجان. ذلك أن أهم عامل لذلك التكالب، هو الحرب على الإسلام، هذا الدين الذي تفزع منه تلك الدول، وتحسب له ألف حساب، وذلك لأسباب دينية أو تاريخية أو داخلية، أو لكل هذه الأسباب مجتمعة، سواء كانت دولا صليبية أو غير صليبية. وإن كل العوامل الأخرى كالموقع، والثروات المعدنية، التي يسهب المحللون السياسيون، والخبراء الاسترتيجون في الحديث عنها، تأتي بعد ذلك العامل ومتممة له، أي الحرب على الإسلام، وليست سابقة له.

صراع أم توافق دولي؟

ولذلك، فإن ما يشاع في وسائل الاعلام، عن وجود صراع دولي بين القوى الكبرى، لبسط النفوذ على هذه المنطقة والسيطرة على مقدراتها، هو كلام مبالغ فيه، بل هو، في اعتقادي، اسقاط للصراع القديم الذي احتدم بين الامبراطوريات في القرن التاسع عشر، من أجل المصالح وبسط النفوذ في هذه المنطقة، أوتلك، أو الصراع بين المحورين الشرقي والغربي في القرن العشرين. وما يحدث في دول أسيا الوسطى اليوم، من قبل الدول الكبرى وغيرها، لبسط نفوذها في هذه المنطقة الغنية بمواردها، بعيد عن هذا وذاك، فإن الأمر لا يتعدى حدود التنافس بين تلك الدول، لأجل الطفر بحصة مناسبة، من تلك الموارد، دون محاولة الأستئثار بها، وبالتالي، حرمان الأطراف الأخرى منها. وفيما عدا ذلك، فكل تلك الدول الكبرى والإقليمية، متفقة على العامل الرئيسي، من وراء ذلك التكالب، وهو أن لا تقوم للإسلام قائمة في هذه البلدان، من جهة. ومن جهة أخرى، حتى تظل المجتمعات الإسلامية في هذه الدول معزولة، وبعيدة عن بقية العالم الإسلامي، حتى لاتتأثر بما يدور فيه، وبصورة تجعل كل مجتمع من هذه المجتعات الإسلامية، غير قادر على الخروج من عنق الزجاجة الذي تم حشره فيه، لأجل غير مسمى. ومن الادلة على ذلك، أي على عدم وجود صراع، أن روسيا والصين سارعتا بعد إعلان استقلال هذه الدول مباشرة، بالاتفاق على حل خلافاتهما المزمنة بصورة ودية، وفي مقدمتها خلافاتهما حول الحدود، وما ذاك إلا لأجل أن يكون هذين العملاقين يدا واحدة في محاربة الإسلام عدوهما المشترك، في هذه البلدان، وأيضا وقوف كل تلك الدول إلى جانب روسيا في حروبها ضد المسلمين في الشيشان، طوال العقد الأخير من القرن الماضي، ثم وقوف هذه الدول إلى جانب الولايات المتحدة في حربها على حركة طالبان عام 2002، فالحقيقة أن هناك توافق بين سياسات تلك الدول ضد عدوهما المشترك في المنطقة، وهو الإسلام.

السياسة الداخلية لانظمة هذه البلدان

ولذلك، فإن أهم أهداف السياسة الداخلية للانظمة في دول اسيا الوسطى واذربيجان منذ ولادتها من رحم النظام الشيوعي المنحل، وحتى اليوم، تتمثل في محاربة الإسلام، وكل ما يرمز له، وذلك تحت لافتة مكافحة الإرهاب، وبدعوى مخالفة القوانين ومحاولة الإطاحة بالنظام، وإقامة دولة إسلامية. لدرجة أن الحرب على الإسلام في هذه الدول اليوم، أشدّ مما كانت عليه خلال الحقبة الشيوعية السوداء، وهذا بعد أن تم وأد الصحوة الإسلامية التي حدثت في هذه البلدان بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وزوال الحكم الشيوعي، بكل قسوة وعنف، من قبل تلك الأنظمة المستبدة، وبعد ذلك، تم حظر الأحزاب الإسلامية واعتقال قادتها والمنتسبين إليها، والتنكيل بهم، أو تصفيتهم، وحبس وتعذيب كل من يرون أنه يهدد إحكام قبضتهم على السلطة في هذه الجمهوريات السوفياتية السابقة، كما تم تأميم المساجد وحظر بناء المزيد منها، ومنع الشباب دون سن الثامنة عشرة من دخولها، ومنع كل المظاهر الإسلامية، كالحجاب واللحية، وتضييق الخناق على المسلمين للحيلولة بينهم وبين أداء شعائر الإسلام، كالصلاة والصوم والحج، وكل ذلك وغيره، بنص الدساتير والقوانين، وبموافقة وتحريض الجهات المختصة المناط بها الإشراف على الشئون الدينية، لدرجة أن هناك انظمة، كنظام أوزباكستان يعاقب المتدينين على تدينهم، وعلى الصلاة والصوم. وتجد أنظمة هذه الدول التشجيع والدعم والتأييد المادي والمعنوي والسياسي، من قبل الدول التي ذكرناها انفا، لدرجة أن إسلام كريموف، رئيس أوزبكستان الهالك عام 2016، أعترف بحصوله على جائزة من الولايات المتحدة على قيامه بسحق أصحاب اللحى، كما قال. في حين أن منظمات حقوق الإنسان الغربية، تغض الطرف عن هذه الجرائم والممارسات، أو تتحدث عنها باستحياء. والحال أن هناك سياسة منهجية لمحاربة الإسلام في هذه الدول، يشرف عليها رؤساء هذه الدول، أصالة عن أنفسهم ونيابة عن الدول المعنية بذلك، وهي الدول التي ذكرناها آنفا، وذلك لأجل طمس الهوية الإسلامية لشعوب هذه البلدان.   

خيبة التوقعات وخطأ الرهانات  

والحق أننا كنا بمنتهى السذاجة عندما اعتقدنا أن زعماء هذه الدول، والذين كانوا أساسا، جزءا من النظام الشيوعي البائد، والذين حصل الاستقلال على أيديهم، وتبوءوا، بالتالي، منصب الزعامة فيها، يمكن أن يتخلصوا من الثقافة الشيوعية التي نشئوا عليها، ويعودوا، بالتالي، إلى دينهم وهويتهم، عاجلا أو اجلا.        

كما أننا كنا بمنتهى السذاجة عندما حسبنا أن الروس يمكن أن يحدوا من طموحاتهم، ويتخلوا عن مخططاتهم التوسعية، ومشاريعهم الاستعمارية الصليبية الطويلة الأمد في تلك البلدان، ويسلموا، بالتالي، بولادة ست دول إسلامية عند حدودهم الجنوبية، كأمر واقع، ويقفوا منها موقف المتفرج، ولا يفعلون شيئا.

والحق علينا كذلك، لأننا استبعدنا الصين من المعادلة، على أساس أنها ستسلم بقيام هذه الدول في غربها، وهي التي تحتل تركستان الشرقية المسلمة، ذات المساحة الواسعة، والامكانات الهائلة، والتي تتأخم ثلاث من دول اسيا الوسطى، والتي تطالب بالاستقلال عن الصين، هذه الأخيرة، التي تشن على أهلها أبشع الحروب، لطمس هويتهم الإسلامية، وتسعى لإذابتهم في الكيان الصيني.

كما أن الحق علينا لأننا ظننا أن الولايات المتحدة، ومن ورائها الكيان الصهيوني، وأوروبا، سترحب بقيام ست دول إسلامية في هذه الجزء من العالم النائي عنها، متناسين أن لديها حساسية مفرطة من الإسلام، وكل ما يرمز له، ومن كونها تتمنى لو اقتلعت شجرته من على وجه هذه الأرض.

كما أن الحق علينا أيضا لأننا استسلمنا لأحلام اليقظة التي راودتنا بحيث أننا تصورنا أن هناك إمكانية لقيام أنظمة إسلامية في هذا الإقليم، في حين أن دول العالم الإسلامي القريبة منه والبعيدة عنه، وفي مقدمتها الدول العربية، تزايد على مبادىء الليبرالية، والديمقراطية، وفصل الدين عن الدولة، وشعارها المرفوع هو "لا صوت يعلو على صوت العلمانية والقوانين الوضعية". 

فأي ثمار منتظر أن يجنيها الإسلام وأهله، من استقلال محفوف بهذه الملابسات، وتواجهه كل هذه التحديات دفعة واحدة؟

مظاهر الحضور الروسي

وقد صار اليوم واضحا غاية الوضوح، أن هذه الدول، وبصرف النظر عن نفوذ الدول الأخرى فيها، لا تزال بشكل عام، تدور في الفلك الروسي، عسكريا، وسياسيا، واقتصاديا، واجتماعيا، وثقافيا، لدرجة أن حكّامها، يزايدون على التشبث بالحضن الروسي، وشأنهم في هذا كشأن الطفل الصغير الذي يتشبث بحضن أمه، كلما حاولوا أبعاده عنه. بل إن قبضة الروس على هذه البلدان تعززت أكثر فأكثر، بعد أن استوعب الروس صدمة انهيار الاتحاد السوفيتي السابق، الذي كانوا متنفذين فيه، ومهيمنين على مقدراته، ثم ورثوه بعد مماتة، ولا تزال تلك القبضة تتعزز يوما بعد يوم. ولذلك يمكن القول أن روسيا حاضرة بقوة في هذه البلدان، حاضرة من خلال الأقليات الروسية الضخمة المستوطنة في أخصب بقاع هذه البلدان، وبخاصة في كازاخستان، الأقرب إلى قلب روسيا، موقعا وثروات. وحاضرة من خلال لغتها الروسية، والتي لا تزال لغة رسمية في هذه البلدان، وبالتالي، لا تزال تزاحم وبقوة لغات شعوب هذه البلدان في دواوين الحكومة، وفي المدارس، والجامعات، والمصانع، وفي كل مرفق من المرافق الحيوية. وحاضرة من خلال الاتفاقيات الأمنية والاقتصادية والسياسية، التي أبرمتها مع أنظمة هذه البلدان، بعد الاستقلال المزعوم، طبقا لشروطها هي، لأجل تكتيف أنظمة هذه البلدان، وتقييد حركتها. وحاضرة من خلال تواجدها العسكري المنظم في هذه البلدان، والذي يسهيل عليها، مهمة التدخل المسلح في شئونها الداخلية عند اللزوم، كما حصل في أذربيجان. وحاضرة من خلال أسلوب الحياة الروسي، والذي لا يزال هو السائد، في أوساط المجتمعات الإسلامية في هذه الدول. وحاضرة من خلال الكادر الإداري الذي يعمل في هذه البلدان والموالي لها، وبخاصة في كازاخستان، أكبر هذه الدول، حيث تبلغ مساحتها مليونين وسبعمائة الف كم2، والتي لأمر ما، لم تكن السلطات السوفيتية تدرجها ضمن دول آسيا الوسطى، برغم كونها تمتلك نفس الخصائص التي تمتلكها بقية دول آسيا الوسطى، والتي مع ذلك لا يعترف الروس بوجود تاريخي لها.        

الإختراق الصهيوني

ويمكن القول أن أكثر المستفيدين من استقلال هذه الدول، هو الكيان الصهيوني، فخطب ود الصهاينة، وتملقهم، من قبل رؤساء ومسئولي هذه الدول، بدأ بعد صدور بيان الاستقلال المزعوم مباشرة، في كل دولة من هذه الدول الست، مع اعتقاد مسئولي هذه الدول بأنه لا يمكن أن تقوم قائمة لاقتصاد بلاده من دون إقامة شراكة اقتصادية مع الكيان الصهيوني، وعلى إثر ذلك، تم فتح أبواب هذه البلدان على مصاريعها للصهاينة ولشركاتهم وسلعهم ورؤوس أموالهم وعناصر مخابراتهم، وخطوطهم الجوية، ولمختلف نشاطاتهم، ولذلك أيضا، فقد بادرت أنظمة هذه البلدان، بإقامة علاقات دبلوماسية مع الكيان الصهيوني، وفتحت سفارات لها في تل أبيب، وسمحت بالمقابل بفتح سفارات ومكاتب في عواصمها، للدولة الصهيونية لديها، ثم انفتح المجال لبتبادل الزيارات الرسمية بين مسئولي هذه الدول والمسئولين الصهاينة، وعلى أعلى مستوى. وهناك توافق تام في السياسة الصهيونية والسياسة الروسية، إزاء هذه البلدان، كما أن هناك تكامل بينها وبين السياسة الأمريكية. ويلعب الكيان الصهيوني دورا أساسيا في تحسين قدرة انظمة الحكم في هذه الدول على قمع المعارضة السياسية، وبخاصة ذات التوجهات الإسلامية، وفي الحرب على كل ماهو مسلم، إذا أن الشركات الصهيونية المتخصصة، تزود تلك الانظمة، وبخاصة في كازاخستان وأوزباكستان وأذربيجان، بتقنيات تمكنها من التنصت على المكالمات الهاتفية، لتلك المعارضة، ورصد أنشطتهم على الانترنت، ومواقع التواصل الاجتماعي. وإن هذه الاختراقات الصهيونية الناعمة لهذه الدول، وعلاقاتها المتشعبة بأنظمتها، لا ترجع فقط إلى موارد هذه الدول الضخمة التي أغرت الكثير من الشركات الصهيونية بالاستثمار هناك، ولا لمحاصرة العرب وإبعادهم عن هذه المنطقة الحيوية، ولكن أيضا لكون هذه الدول كانت مصدرا للمهاجرين اليهود، إذ أن مئات الألاف من اليهود هاجروا منها إلى الكيان الصهيوني، وقد سمحت انظمة هذه الدول للوكالة اليهودية بإقامة مراكز ثقافية يهودية لتعزيز علاقة هؤلاء اليهود بالكيان الصهيوني.

***