منذ أن شع نور الإسلام في آسيا الوسطى على يد قادة عظام كقتيبة بن مسلم الباهلي تحول أكثر التركستانيين إلى الإسلام وصارت تلك البقعة نقطة اتصال بين الإسلام والحضارات الأخرى المجاورة واتسعت رقعة الإسلام أكثر فأكثر.

وبعد أن قسمت تركستان إلى جزأين: جزء غربي تحت الاستعمار الروسي وقسمه الشيوعيون السوفييت إلى خمس جمهوريات في عام 1922م، ظل الجزء الشرقي تحت الاستعمار الصيني منذ عام 1876 وقاموا بتغيير تسميته إلى شينجانغ أو سكيانغ وتعني "المستعمرة الجديدة".

تركستان الشرقية التي تبلغ مساحتها 1.828.417 كيلو متر مربع تقع في وسط آسيا الوسطى، وتحدها من الشمال "منغولينا وروسيا الاتحادية"، ومن الغرب "كازاخستان وقرغيزستان وطاجيكستان وأفغانستان"، ومن الجنوب "باكستان وكشمير والتبت"، ومن الشرق "الصين" حيث تعاني الأمرين نتيجة ما تقوم به السلطات الصينية من فرض قيود وعراقيل ذات طابع ديني وعرقي.

ومؤخراً ذكرت مصادر إعلامية أن السلطات الصينية حظرت ارتداء النقاب وإطلاق اللحى في إقليم تركستان الشرقية (شينغيانغ) ذي الأغلبية المسلمة، في أقصى شمال غرب البلاد.

وذكرت صحيفة الإندبندنت البريطانية أن الصين حظرت ارتداء البرقع والنقاب، وإطلاق اللحى "بطريقة غير عادية" في إقليم ذي أغلبية مسلمة، في حين تزعم أنها "حملة ضد التطرّف الديني".

الإجراءات الجديدة التي نشرتها وسائل الإعلام الحكومية جاءت بعد عقود من التمييز الديني والعرقي ضد تركستان الشرقية ذات الحكم الذاتي للإيغور، البالغ عددهم 10 ملايين نسمة بحسب وكالة الأناضول. وبدءاً من الأسبوع الماضي (أواخر مارس) بدأت العمل بالإجراءات الجديدة التي تلزم موظفي الحكومة العاملين في المطارات، ومحطات السكك الحديدية، والأماكن العامة الأخرى بـ "ثني" النساء اللواتي يغطين وجوههن وأجسادهن بشكل كامل عن الدخول إلى تلك الأماكن، فضلاً عن تقديم تقارير عنهن.

القوانين الجديدة تمنع أيضاً "إطلاق اللحى بشكل غير عادي، وإطلاق أسماء على الأولاد لإذكاء الحماس الديني"، غير أن الصحيفة البريطانية لم تأت على طبيعة هذه الأسماء.

وتحظر القوانين على سكان الإقليم أيضاً "اتباع إجراءات دينية بدلاً من القانونية"، وتلزم الأطفال بالالتحاق بالمدارس النظامية، وتحظر عدم الالتزام بسياسات تنظيم الأسرة وتعمّد إتلاف الوثائق القانونية. وبموجب هذه القرارات، يتحتم على الآباء "التأثير في أولادهم بإيجابية، وتثقيفهم، ودعم الوحدة العرقية، ورفض ومعارضة التطرف".

ومن المعروف أن السلطات الصينية تمارس ضغوطاً على أتراك الإيغور في إقليم "تركستان الشرقية" المطالبين بالاستقلال عن الصين، التي احتلّت بلادهم قبل 64 عاماً، ويشهد الإقليم أعمال عنف دامية منذ عام 2009، تسببت بسقوط مئات بين قتيل وجريح.

تركستان الشرقية والصراع مع الصين:

بعد أن فُتحت بلاد فارس وخراسان، قام العرب بإتمام فتح بلاد ما وراء النهر في سنة 94هـ، ثم اتجه الجيش المسلم تحت قيادة "قتيبة بن مسلم الباهلي" نحو الشرق حتى وصل إلى كاشغر (عاصمة تركستان الشرقية) وفتحها سنة 95هـ، وفي سنة 332 هـ في العصر العباسي تشرف الخاقان سلطان ستوق بغراخان (مؤسس الدولة القاراخانية) بالدخول في الإسلام، وتبعه أبناؤه وكبار رجال الدولة. ومنذ ذلك اليوم أصبح الإسلام ديناً رسمياً في تركستان، وتمت ترجمة معاني القرآن الكريم، وأقيمت المساجد بدلاً من المعابد، وتم بناء 300 مسجد في مدينة كاشغر وحدها.

وهكذا أنعم الله على تركستان الشرقية وأهلها بنعمة الإيمان والإسلام، وأبلى أبناؤها بلاءً حسناً في الإسلام؛ فكان منهم الدعاة في نشر الإسلام، والمجاهدون في الفتوحات الإسلامية، كما ظهر منهم العلماء الأجلاء الذين أثرت كتاباتهم ومؤلفاتهم المكتبة الإسلامية في شتى الفنون، وبرعوا في علومهم، وتركوا للمكتبة الإسلامية ذخيرة غنية من المؤلفات العظيمة، وكان الطلاب المسلمون من مختلف أنحاء العالم الإسلامي يأتون إلى "كاشغر" لدراسة العلوم الإسلامية والإنسانية والعلمية، حتى غدت كاشغر تعرف باسم "بخارى الصغرى".

ومنذ ذلك الحين وأهل تركستان الشرقية كلهم مسلمون، وبقيت تركستان دولة مستقلة إسلامية حوالي عشرة قرون، وكانت – ولا تزال – تشكل الامتداد الطبيعي للأمة الإسلامية في آسيا، وهي جزء لا يتجزأ من العالم الإسلامي.

قام المانشور (وهم حكام الصين) بغزو تركستان الشرقية في عام 1759، وراح ضحية المعارك الحربية التي أدت إلى إحكام سيطرتهم عليها أكثر من مليون نسمة. وقد شهدت فترة السيطرة الصينية التي تلت الغزو العسكري 42 ثورة وطنية عارمة، وفي عام 1863 نجح الشعب التركستاني في طرد الغزاة المانشوريين والصينيين وتشكيل دولة وطنية مستقلة برئاسة بدولت يعقوب بك، دامت 16 عاماً.

ولكن تخوف البريطانيين من التوسع الروسي القيصري في آسيا الوسطى، وخاصة بعد أن احتل الجزء الشمالي من تركستان الشرقية؛ فقاموا بمساعدة الصينيين لاحتلال تركستان الشرقية؛ إذ دخلتها القوات الصينية بقيادة الجنرال "زو زونغ تانغ" عام 1878، وعلى إثر ذلك ألغت الصين الحكم العسكري لتركستان الشرقية وألحقتها مقاطعة إلى الصين وسمتها باسم سينكيانغ أو شينجانغ Xinjing في نوفمبر 1884.

وقد استمرت الثورات الوطنية ضد الحكم الصيني، وأحرز المسلمون التركستانيون نجاحاً باهراً بتشكيل الحكومة الوطنية الأولى التي كانت في كاشغر عام 1933، والثانية في غولجة عام 1944؛ ولكن الاتحاد السوفييتي الذي لم يشأ أن يرى دولة إسلامية مستقلة بجوار مستعمراته في آسيا الوسطى، قدم المساعدات الحربية إلى الصين لمحاربة المسلمين وإنهاء دولتهم الفتية.

وعندما سقطت حكومة الصين الوطنية (الكومنتانغ) التي يرأسها الجنرال "شيانغكاي شيك" في أيدي الشيوعيين الصينيين الذين يتزعمهم "ماو تسي تونغ"؛ سقطت أيضاً تركستان في أيدي الشيوعيين الذين دخلوها عام 1949. ومع أن القوات الصينية التي كانت ترابط في تركستان الشرقية استسلمت سلمياً إلى الشيوعيين، فقد قاوم الشعب التركستاني المسلم النظام الشيوعي، ولا يزال يقاومه حتى الآن.