مجلة البيان - المسلمون في رواندا.. نقاط ضوء في وسط العتمة

المسلمون في رواندا.. نقاط ضوء في وسط العتمة
المسلمون في رواندا.. نقاط ضوء في وسط العتمة


 

في القرن الثامن عشر، وصل الإسلام إلى رواندا من قِبَل التجار المسلمين، القادمين للتجارة من الساحل الشرقي للقارة الأفريقية، كان المسلمون دوما أقلية في هذا البلد، الذي يسمى أيضا بأرض الألف تـل، ومع مرور الوقت تزايدت أعداد المسلمين بشكل كبير، وبعد أن كانوا يمثلون نسبة أقل من 1% من عدد السكان، أصبحت نسبتهم تقدر بنحو 10%، فكيف انتشر الإسلام بهذه السرعة؟، والعوامل التي ساعدت على ذلك؟

في إبريل من العام 1994م، شهدت رواندا واحدة من أسوأ الإبادات الجماعية في التاريخ الإنساني خلال القرن العشرين، قُتِلَ نحو 800 ألف شخص خلال 100 يوم فقط، كانت الدعاية العنصرية هى المحرك الأساسي للمذابح، في ظل تنافس قبلي بين جماعتي الهوتو والتوتسي، وهو صراع ممتد منذ قرون، ولم ينجحوا حتى في التصالح في مرحلة ما بعد الاستعمار، وكان إسقاط الطائرة الرئاسية التي كانت تقلّ الرئيس الرواندي آنذاك "جوفينال هابياريمانا"، هى الشرارة التي اتخذها أفراد قومية الهوتو للبدء في حملة منظمة للقتل بحق التوتسي، بالرغم من النفي المتكرر لذلك، والقول بأن الهوتو هم من أسقطوا الطائرة كذريعة لتنفيذ إبادة جماعية بحقهم.

تشكلت ميليشيات منظمة من الهوتو، كانوا يملكون قوائم بالغة التنظيم بأسماء خصومهم التوتسي، لدرجة أن الإذاعة كانت تبث أسماء الأشخاص الموجودين على قوائم القتل، وكان القتل يشمل الأسر بأكملها، وانتشرت حالة من هيستريا القتل والتنكيل، فقتل الجيران جيرانهم، كما قتل بعض الأزواج زوجاتهم المنتميات للتوتسي، كما احتُجزت الآلاف من نساء التوتسي لاستغلالهن جنسيًا من عناصر ميليشات الهوتو، وكانت بطاقات الهوية في ذلك الوقت تتضمن تحديد الانتماء العرقي، وهو ما ساهم في إرتفاع عدد الضحايا، من خلال نقاط التفتيش التي أقامها الهوتو على الطرق.

لم يتدخل العالم، أو يرغب في التدخل جديّا، لإنقاذ الموقف، على استحياء أرسلت فرنسا قوات لإنشاء منطقة آمنة، لكن وُجهت إليها اتهامات بأنها لم تبذل الجهد الكافي لوقف المذابح في تلك المنطقة، كما أن الحكومة الفرنسية كانت حليفة لحكومة الهوتو في ذلك الوقت، استمرت عمليات القتل والتنكيل حتى الرابع من يوليو من نفس العام، حيث تمكنت الجبهة الوطنية الرواندية، وهى حركة معارضة من التوتسي، مدعومة بقوات من الجيش الأوغندي، من السيطرة تدريجيا على مناطق أكثر داخل رواندا، وتلا ذلك فرار حوالي مليوني شخص من الهوتو، وبعض من تورطوا في عمليات الإبادة الجماعية، عبر الحدود إلى داخل الكونغو الديمقراطية، خوفا من أن يتعرضوا لهجمات انتقامية.

لـكـن بقعة الضوء الوحيدة في عتمة المجازر تلك، كانت الملاذات الآمنة التي وفرها المسلمون لأفراد قومية التوتسي، وحمايتهم من هجمات الهوتو المتعطشين للقتل والدماء، في وقتٍ فشلت فيه الكنائس في أن توفر لهم الحماية، خاصةً وأن المسيحية الكاثوليكية هى الديانة المهيمنة هناك لأكثر من مئة عام، كان لذلك أثر كبير في نفوس المواطنين التوتسي، إذ لم يؤد فقط لفقدان ثقتهم في حكومتهم ووطنهم، بل في ديانتهم أيضا، وهو ما ساهم لاحقًا في إعتناق الكثيرين للإسلام، فقد كان الناس ممتعضين وغاضبين من بعض القساوسة والراهبات، لدورهم في عمليات الإبادة، شكل ذلك دافعًا قويًا للكثيرين بأن يرفضوا الدين الذي يساعد رجاله القتلة كي يمارسوا أبشع أنواع القتل، في حين كانت المناطق التي يقطنها المسلمون هى الأكثر أمانًا، صحيح أنهم لم يكونوا منتشرين في مختلف أنحاء البلاد كما هو الحال ألان، لكن تجمعاتهم السكانية تميزت بالاستقرار، وكانوا مرحبين بالفارين من الموت والقادمين للاستنجاد والاحتماء بهم، تصدى المسلمون للميليشيات وأنقذوا الكثير من الأرواح، كما كان الهوتو المسلمون يرفضون التعاون مع ميليشيا الهوتو التي تطارد التوتسي لقتلهم، فأعطوا مثالًا عمليًا عن الارتباط بالدين أكثر من العرق.

كان رجال الدين الإسلامي ينبِّهون أتباعهم في خطب الجمعة والمواعظ في جميع مساجد رواندا، وكذلك في وسائل الإعلام ومن خلال منشورات خاصة، إلى عدم الوقوع في الاستقطاب، وضرورة مساعدة جميع الضحايا، وعدم الانضمام إلى الأحزاب السياسية أو إتباع أية أيديولوجيا لا تتَّفق مع القرآن الكريم. كما كانوا يتوجهون بالدعوة إلى جموع الشعب الرواندي بنبذ العنف، وإيقاف المجازر، وحماية الضعفاء، بصرف النظر عن انتمائهم العرقي أو الديني. وفي ظل أقصى درجات الخطر على الحياة؛ كان المسلمون يشكلون حواجز على الطرقات لإعاقة تقدُّم ميليشيات الهوتو، وأحيانا يتسللون إلى صفوف الميلشيات لاكتشاف خططهم والتمكُّن من تحذير اللاجئين ونقلهم إلى مناطق آمنة، بعض الناجين من الموت تحدثوا عن قيام بعض المسلمين بإنقاذهم من الغرق أثناء هروبهم من الميليشيات، وأحيانا كان المسلمون يقومون بتنظيم "مذابح وهمية" أو "جنازات مزيَّفة" لبعضٍ ممن هم على قوائم القتل، وذلك بهدف خداع ميليشيات الهوتو وحملهم على الانسحاب، وإيهامهم بتصفية من جاؤوا لقتلهم.

كما ساهم المسلمون في المصالحة الوطنية التي تمت لاحقًا بعد انتهاء النزاعات، وقامت المساجد وأئمتها بدور طيب في ذلك، من منطلق رفض الدين الإسلامي للعصبية القبلية والتفرقة العنصرية، وأعطى ذلك كله مصداقية للمسلمين في رواندا، ساهمت في زيادة من دخلوا إلى الإسلام، كما أكسبت المسلمين احترام الأغلبية المسيحية وباقي الديانات، وبعد أن جفت الدماء ونفضت رواندا عن نفسها غبار التعصب، بات الحديث عن العرقية أمرًا غير قانوني، حيث ترى الحكومة أن ذلك يساعد في منع إراقة الدماء، كما اعترفت بالدين الإسلامي كأحد الأديان الرسمية بالدولة، ويحظى المسلمون بمكانة خاصة، هذه هى قصة الإسلام الذي بزغ من وسط عتمة مذابح عام 1994م، في بلدٍ يدين معظم من بقوا على قيد الحياة بحياتهم إلى مسلمين وفروا لهم السند والحماية من براثن القتل الأعمي، وليس أبلغ من ذلك سوى توجَّه الرئيس الرواندي السابق "باستور بيزيمونغو" إلى المسلمين الروانديين بعد تنصيب أوَّل وزير مسلم في الحكومة الرواندية، بقوله "عَلـِّموا الروانديين الآخرين كيفية التعايش".