أخبرني أحد الفضلاء قال: التقيت صديقي في مركز الدعوة بمدينة «...» في إحدى الدول العربية، فحدثني أنه خرج ذات مرة يبحث عن محطة الحافلات، لكنه ضلَّ الطريق فتجاوز المكان الذي توجد فيه المحطة. تلفَّت حوله يلتمس دليلاً، فرأى على مقربة منه رجلاً فسأله عن بغيته، فأجاب الرجل: المحطة ليست بعيدة من هنا. فقال له صديقي: لو بلَّغتَنيها سأوصلك إلى حيث تريد. فأجاب الرجل أنْ نعم، ودلَّه على مكان المحطة. فلما حان وقت الوفاء قال صديقي: أين تريد أن أوصلك؟ فأجاب الرجل: إني أسكن في منطقة كذا. أخذ صديقي الرجل في سيارته حتى أوصله إلى المنطقة التي فيها داره، وكانت منطقة جميلة تستتر بين الجبال، تزينها شلالات مائية، ويأتيها الزائرون من كل حدب وصوب للاستجمام.

كان الرجل الذي دلَّ صديقي من عامة الناس، بسيط الهيئة، قد امتهن حرفة الرسم، فيرسم الطبيعة من حوله ثم يبيع لوحاته للزوار والسياح. وأما داره فكانت متواضعة جداً، بيت من حجر لا تكاد تستبينه عن الصخور التي تحيط به.

طلب الرجل من صديقي التفضل بالدخول ففعل. هنا فغر صديقي فاه، ولم يتمالك نفسه مما رأى من الطراز المهيب الذي شيد به البيت من الداخل، فهو طراز لا يتأتى لواحد من سِطَة الناس!

سأله صديقي في دهشة: أنَّى لك هذه الدار؟ فأجاب الرجل: إن لها قصة.

أخذ الرجل يسرد قصته قائلاً إنه بينما كان يرسم عند أحد الشلالات ذات يوم كعادته، إذ أقبلت إليه امرأة شقراء بلجيكية فسألته عن حاله وعمله وأبدت اهتماماً بأمره وأصبحت تزوره أحياناً في بيته الحجري. حتى إذا اطمأنت له اقترحت عليه اقتراحاً غريباً! قالت له ذات يوم: هل لك في أن أصلح هذه الدار على أن أسكن فيها شهرين من كل عام لا أراك فيهما؟ قال نعم. ثم إنها اقترحت عليه الزواج، وأخبرته أنها تحمل الجنسية الإسرائيلية، فإذا تزوجها سيحصل على الجواز الإسرائيلي، فرفض الرجل وأوجس في نفسه خيفة.

تملَّك الفضول صاحب الدار، فبدا له أن يراقبها من مكان بعيد ليعرف سر هذين الشهرين من العام اللذين يُحرَم فيهما من دخول داره بل من رؤيتها. فكان مما رأى أنها تستيقظ قبيل طلوع الشمس، ثم تجلس على صخرة في الجبل تستقبل الشمس عند بزوغها، وتبقى على حالها تلك بلا أكل ولا شرب حتى الثانية عشرة ظهراً، ثم تنزل، وتفعل ذلك عند الغروب أيضاً.

استمر صاحب الدار في مراقبة هذه المرأة فوجد أنها تجند الشباب ذكوراً وإناثاً فتأتي بهم إلى تلك الدار، فيعيشون حياة غريبة: عهر وعربدة وموسيقى؛ يأكلون الحشرات والهوام، ويفعلون ما يفعلون بالدماء والنجاسات، بل لا يقلمون أظافرهم، ولا يتطهرون من بولهم ونجوهم.

لكن صاحبي لم يصدق ما حُكي له من أمر الدار، غير أنه أحس أن ثمة شيئاً غير سوي، فالدار من طراز رفيع جداً لا يستطيعه إلا علية القوم.

قفل صاحبي راجعاً إلى منزله يحمل جبالاً من الشكوك والحيرة. وبينما هو يشق طريقه بين الجبال إذ عرض له شابان يطلبان الركوب كانا يحملان قيثارة وأشياء أخر. بمجرد دخول الشابين السيارة انبعثت منهما رائحة خبيثة نتنة. صُدم صاحبي مما وجد. سألهما: أين كنتما؟ فقالاكنا في الـ «بارادايس» (أي «الفردوس»). تأكد صديقي من صحة ما رواه صاحب الدار. سألهما: وماذا تأكلان؟ وأين هي أمتعتكما؟ فأجابا: كل شيء هناك! وعرف منهما أن المطلوب منهما تجنيد شباب آخرين وكتمان هذا الأمر والعودة السنة المقبلة.

قال صديقي: ولما سافرت إلى إحدى المدن مع أهلي لقيت أحدهما فقلت لزوجتي: هذا واحد من الاثنين اللذين كلمتكِ عنهما. فذهب إليه ليُذكِّره فلم يعرفه، فلما قال له: أنا الذي أحضرتكما من الشلال، فزع الشاب الآخر وولى هارباً.

هذه قصة واقعية رويت لي، وتحدثت إلى صاحبها طلباً لعلو السند. ولي معها وقفات:

الوقفة الأولى: عن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا طلع حاجب الشمس فدعوا الصلاة حتى تبرز، وإذا غاب حاجب الشمس فدعوا الصلاة حتى تغيب، ولا تحينوا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها فإنها تطلع بين قرني شيطان أو الشيطان»[1]. قال ابن قتيبة في «تأويل مختلف الحديث»: «وإنما أُمرنا بترك الصلاة مع طلوع الشمس لأنه الوقت الذي كان فيه عبدة الشمس يسجدون فيه للشمس. وقد درج كثير من الأمم السالفة على عبادة الشمس والسجود لها، فمن ذلك ما قص الله تبارك وتعالى علينا في نبأ ملكة سبأ أن الهدهد قال لسليمان عليه السلام إني {وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ} [النمل: 24]. وكان في العرب قوم يعبدون الشمس ويعظمونها ويسمونها «الإلاهة». قال الأعشى:

فلم أذكر الرهب حتى انفتلت

قبيل الإلاهة منها قريباً

يعني الشمس. وكان بعض القراء يقرأ (أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وإِلَهتك) يريد ويذرك والشمس التي تعبد. فكره لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصلي في الوقت الذي يسجد فيه عبدة الشمس للشمس، وأعلمنا أن الشياطين حينئذ أو أن إبليس في ذلك الوقت؛ في جهة مطلع الشمس، فهم يسجدون له بسجودهم للشمس ويؤمونه»[2].

وفي هذا بيان أن ما انتشر من عبادة الشيطان في بعض بلاد الإسلام لا يختلف مطلقاً عن عبادة الشمس التي انتشرت بين الأمم الباطنية الوثنية كالبابليين والإغريق والروم وغيرهم. وهذا سر صلاة المرأة الباطنية أعلاه عند شروق الشمس وعند غروبها، فإن الشمس حينئذ تكون بين قرني شيطان.

الوقفة الثانية: أن عبادة الشيطان في بلاد الإسلام لم تأتِ وليدة الصدفة، بل هي مؤامرة عالمية ضد أهل الإيمان تدعمها دول الغرب الصليبية والصهيونية على حد سواء، إذ يشترك أولئك في العبادة ذاتها باسم القبالاة والماسونية وحركة العصر الجديد... وغيرها من الحركات والمذاهب الباطنية التي فصّلت الحديث عنها في غير هذا الموضع. وهذه المرأة القبالية لا تعمل بمفردها، بل هي جزء من أجندة عالمية لنشر الفكر الباطني في بلاد الإسلام، وتتلقى في سبيل ذلك دعماً سخياً، ولذا لم يحتج من جُنِّد من قِبَلها إلى طعام أو كساء فـ «كل شيء هناك»! وما الأيكة البوهيمية إلا مثال على انتشار هذه العبادة حتى بين النخب.

الوقفة الثالثة: طقوس الباطنيين أشبه ما تكون بعمل السحرة، بل ممارسة السحر جزء من الطقوس الباطنية؛ ولذا تجد من السحرة من لا يتطهر من نجاساته الأيام الطوال، ومنهم من لا يقص أظافره، ومنهم من يواقع من لا يحل له، ومنهم من يتقرب بالذبح وسفك الدماء، وهذا عين ما يصنعه الباطنيون عبدة الشمس (أو الشيطان) في خلواتهم، وهو سر الرائحة الخبيثة التي وجدها صاحب القصة من الشابين اللذين ركبا معه.

الوقفة الرابعة: تذكرنا هذه القصة بشيخ الجبل الحسن بن الصباح، زعيم الحشاشين، الفرقة الإسماعيلية الباطنية الشهيرة. فقد كان يقطن قلعة «ألَموت» بفارس، في منطقة جبلية وعرة المسالك، وكان يستدرج بعض الناس إلى قلعته، ويدخلهم إليها، ويقنعهم بأنهم الآن في الجنة، ويريهم أنهاراً من لبن وخمر تجري في أخاديد، وعازفات وفواكه شتى، ويعِدهم حياة الجنان المزعومة؛ مقابل أن يأتمروا بأمره. وفي هذه القصة أن الشابين أسميا البقعة التي يجتمعون فيها «بارادايس»، أي الجنة أو الفردوس، تشابهت قلوبهم!

أخيراً: ظهرت في الآونة الأخيرة «صيحات» قد لا تصرّح بعبادة الشيطان، لكنها بلا ريب تنحو نحوها، منها: تيارات «الإيمو» و«القوط» وبعض ممارسات البرمجة اللغوية العصبية، ففيها من بذور الوثنية ما لا ينكره إلا جاهل بحقيقتها أو مكابر. فينبغي للمرء أن يحتاط لدينه وأن يبتعد عن سبل الشيطان، فالمعركة بين حزب الله وحزب الشيطان باقية إلى قيام الساعة، جعلنا الله من حزبه المفلحين.

 :: مجلة البيان العدد303 ذو القعدة 1433هـ، سبتمبر - أكتوبر 2012م.


[1] أخرجه البخاري في صحيحه.

[2] ابن قتيبة، تأويل مختلف الحديث (بيروت: دار الجيل، 1393 هـ)، ص 125.