مضى عام منذ أن انقدحت شرارة الثورات في العالم العربي فتغيرت خريطته السياسية إلى حدٍّ لم يكن في حسبان المراقبين ولا المحللين السياسيين؛ ولا تزال آراؤهم تتردد بين المبارِك والمشكك. في هذه الأثناء كانت الساحة الغربية تشهد مواجهات بين بعض الحكومات وشعوبها جراء الحيف الاقتصادي الذي أصبحت تعانيه شعوب العالم عموماً، ولعل من أشهر هذه المواجهات ما يجري في الولايات المتحدة الأمريكية من اعتصام معارضين يُعرَفون باسم حركة «احتلوا وول ستريت!».

وبصرف النظر عن حقيقة هذه الحركة والأقطاب التي توجِّهها كـ «مايكل مور» وغيره، إلا أنها تُعَد إرهاصاً لأزمة كبيرة قد تنتهي إلى خريف أمريكي[1]. والحديث هنا ليس من قبيل ما يتخرصه بعض الحزَّائين من أن أمريكا ستنتهي في عام 2012م بناء على عدد الأحرف أو الأسطر في سـورة ما من كتاب اللـه – عز وجل – وكأننا في مدراس يهود؛ بل ما أودُّ عرضه هنا هو مجرد قراءة للواقع الأمريكي بناء على معطيات ملموسة، قد أُصيب فيها وقد أُخطئ.

تشير إحدى الوثائق[2] التي سُرِّبت مؤخراً في الولايات المتحدة الأمريكية إلى أن شركة المقاولات الشهيرة «كيلوج براون آند روت» KBR تسعى إلى تفعيل معسكراتٍ كانت قد بُنيَت لصالح «الوكالة الفدرالية لإدارة الطوارئ» و «فيلق مهندسي الجيش الأمريكي» في أنحاء الولايات المتحدة. يأتي هذا بعد إقرار مجلس الشيوخ للبند 1031 من «قانون ترخيص الدفاع القومي للسنة المالية 2012م» The National Defense Authorization Act for the Fiscal Year 2012م، والذي يمنح الحكومة الحق في القبض على المواطن الأمريكي وحبسه في معسكرات اعتقال، بل وإرساله إلى «جوانتانامو» دون محاكمة إن استدعى الأمر ذلك[3].

وقد كانت وزارة الأمن القومي بالولايات المتحدة قد تعاقدت عام 2006م مع شركة «كيلوج براون آند روت» لبناء معسكرات اعتقال مختصة بالتعامل مع احتمال «تدفُّق طارئ للمهاجرين داخل الولايات المتحدة» أو «برامج جديدة»[4] لم تفصح عنها. لكن عدداً من المحللين السياسين يرون أن السبب الحقيقي وراء تفعيل هذه المعسكرات هو أن أمريكا مقبلة على أزمة اقتصادية حقيقية قد تتحول إلى فقر مفاجئ قد يتسبب في ثورة شعبية واسعة. لكن هذه الثورة ستجابَه بالقمع من قِبَل حكومة أمريكية فاشية مرتقبة. ولعل ما يتعرض له محتجو «وول ستريت» من ممارسات قمعية تتعامى عنها وسائل الإعلام العربية والعالمية (لأسباب غير بيِّنة) يمنحنا صورة مصغرة لما قد تؤول إليه الأمور في الأشهر القادمة.

مما يشهد لهذه الاستعدادات قيام شرطة نيويورك بعقد «تدريبات تعبئة» استعداداً لعصيان مدني محتمل داخل الولايات المتحدة، وكذلك إطلاقها برنامجاً جديداً مصمَّماً لاكتشاف أي مؤشرات تمرد على شبكات التواصل الاجتماعي. كما حَشَدت وحدة السيطرة بشرطة نيويورك قواتها من كل أنحاء المدينة لتدريبهم على ردود الفعل المناسبة في حالة «اندلاع أعمال شغب لا تمكن السيطرة عليها»[5]. بل إن أحد الألوية من فرقة المشاة الثالثة في الجيش الأمريكي بالعراق قد استُدعي إلى الولايات المتحدة «للمساعدة في التصدي لأي اضطرابات مدنية، أو لكبح جماح الجماهير، أو للتعامل مع سيناريوهات رهيبة محتملة: كالتسمم واسع النطاق أو الفوضى العارمة جراء انفجار كيميائي أو بيولوجي أو إشعاعي أو نووي...»[6].

وقد صرحت صحيفة «واشنطن بوست» في مقال نشر عام 2008م بأن «الجيش الأمريكي يتوقع بحلول عام 2011م وجود 20000 جندي بزيه الرسمي داخل الولايات المتحدة، مدرَّبٍ على مساعدة مسؤولي الدولة والمسؤولين المحليين في التصدي لأي هجوم إرهابي نووي أو كارثة محلية أخرى»[7].

يضيف المقال أن انتشار الجيش في حالة الطوارئ المحلية يُعَدُّ «أول مثال على اتساع السلطتين الرئاسية والعسكرية، وتشديد الرقابة الداخلية»؛ ولذا حذر نائب رئيس «معهد كاتو» Cato Institute «جين هيلي» من «عسكرةٍ زاحفةٍ» للأمن القومي في الولايات المتحدة[8].

قريب من هذا ما نشره «معهد الدراسات الإستراتيجية» التابع لكلية السلاح العسكرية بالولايات المتحدة في تقريره المعنون «المجهولات المعلومة: «صدمات إستراتيجية» غير تقليدية لتطوير إستراتيجية الدفاع»[9]. يحذر التقرير من أن الولايات المتحدة قد تتعرض لاضطرابات مدنية خطيرة في أعقاب سلسلة من الأزمات أسماها «صدمات إستراتيجية»، وأنه قد يلجأ إلى الجيش لقمع الفوضى الناتجة. يقول كاتب التقرير (المقدَّم المتقاعد «ناثان فرير»):

«سيؤدي العنف المدني الواسع داخل الولايات المتحدة [إذا ما حصل] إلى إكراه مؤسسة الدفاع على إعادة ترتيب الأوليات عند اللزوم في سبيل الدفاع عن أدنى متطلبات الاستقرار الداخلي والأمن البشري».

وفي حوار أُجرِي مع «زبيجنيف بريجنسكي» على قناة MSNBC تنبأ مستشار الأمن القومي الأسبق باضطرابات داخل الولايات المتحدة نتيجة أزمة اقتصادية قد تُحدِث تغييراً جذرياً في مستوى الحياة المعيشية في الولايات المتحدة، ودرجةً من الفقر كفيلةً بإثارة اضطرابات داخلية تكون فيها هلَكةٌ عَرَّض بها «بريجنسكي» ولم يشأ أن يصرح. قال «بريجينسكي»:

«لا أود أن أكون نذير هلاك، ولا أظن أننا نقترب من هلاك؛ لكن أظن أننا نهوي في صراعات اجتماعية محتدمة، وعداوات اجتماعية، وشكل من أشكال الراديكالية؛ سيكون ثمة شعور أن هذا المجتمع ليس مجتمعاً عادلاً»[10].

لا شك أن اضطراب الاقتصاد في الولايات المتحدة ستكون له تداعياته في الدول المرتبطة بالدولار الأمريكي، وقد يؤدي هذا إلى أن تبحث تلك الدول عن بدائل أكثر استقراراً، وهو ما سيشكل ضربة قاصمة لاقتصاد الولايات المتحدة؛ عندها ستنعكس هذه التداعيات مباشرة على «إسرائيل» التي تقتات على الدعم الأمريكي، وقد تشاطرها الفقر.

أما تحول أمريكا من دولة ديمقراطية إلى دولة فاشية فهو محتمل، بل وشيك، وقد يحدث في ظل حكومة «أوباما»؛ خصوصاً إذا علمنا أن حركة «احتلوا وول ستريت» وأمثالها من الحركات أصبحت تصنَف من قِبَل بعض المسؤولين في الولايات المتحدة وبريطانيا على أنها «جماعات إرهابية» وليست تعبيراً سلمياً عن مطالب ديمقراطية. وإذا أصبح هذا قانوناً عندها سيكون التعامل مع الشعب المطالب بحقوقه كالتعامل مع الجماعات «الإرهابية»، وحينها تنفجر الأزمة.


 


[1] في نظري أن حركة «احتلوا وول ستريت» لا تعدو كونها فتيلاً لإشعال أزمة أمنية داخل الولايات المتحدة.

[2] اقرأ الوثيقة على الرابط التالي:

http://static.infowars.com/2011/12/i/general/kbr-doc.pdf

[3] http://www.ng.mil/ll/analysisdocs/FY2012/House%20Report%20112-74.pdf

[4] http://www.marketwatch.com/story/kbr-awarded-homeland-security-contract-worth-up-to-385m

[5] http://www.metro.us/ArticlePrint/942885?language=en

[6] http://www.armytimes.com/news/2008/09/army_homeland_090708w/

[7] http://www.washingtonpost.com/wp-dyn/content/article/2008/11/30/AR2008113002217.html

[8] http://www.washingtonpost.com/wp-dyn/content/article/2008/11/30/AR2008113002217_2.html?hpid=topnews

[9]  http://www.strategicstudiesinstitute.army.mil/Pubs/Display.Cfm?pubID =890

[10] http://www.clicker.com/tv/morning-joe/how-income-disparity-can-lead-to-unrest   -1945416/