الوظيفة الأساس لكتاب الله تعالى التي أنزل من أجلها؛ هداية الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور، وتنقية عقائدهم من الشرك الذي حل بأمم كثيرة، وحملهم على القيام بالعمل الصالح، كما قال تعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ} [إبراهيم: ١]، وهذه الوظيفة الكبيرة التي تنوء بحملها الجبال تحتاج في أرض الواقع إلى عمل دؤوب ومثابرة ممن حمله الله أمانة هذا الكتاب العظيم لاستنبات ذلك في النفوس كما يستنبت الزرع، وتحتاج إلى تعهد غراسها في النفس كي تؤتي ثمارها المرجوة، وقد قام القرآن بهذه الوظيفة خير قيام من خلال منهج القرآن نفسه، فالقرآن كلام الله الجليل والإنسان خلق الله تعالى ولا يصلحه شيء سوى كلام خالقه تعالى، والقرآن أول ما نزل واجه مجتمعًا جاهليًّا مشركًا كافرًا وبعد ابتداء الدعوة والجهر بها بين الناس بدأ بعض أفراد المجتمع في الاهتداء ودخول الإسلام وحينئذ كان القرآن يواجه خليطًا من الناس: كفار أصليون ومهتدون إلى الدين، وكان القرآن بآياته يتوجه للفريقين أما الكفار فلهدايتهم إلى الدين وإخراجهم من الظلمات إلى النور، وأما المهتدون فلتعميق الدين وإرواء شجرته في النفوس. وبالنظر إلى آيات الكتاب العزيز نجدها كلها على اختلافها وتنوعها، ما بين أمر ونهي وتشريع وقصة ووعد ووعيد، تصب في غرس الإيمان وتمكين التوحيد في النفوس، يقول ابن القيم: «كل آية في القرآن فهي متضمنة للتوحيد، شاهدة به، داعية إليه، فإن القرآن: إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله؛ فهو التوحيد العلمي الخبري، وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له وخلع كل ما يعبد من دونه؛ فهو التوحيد الإرادي الطلبي، وإما أمر ونهي وإلزام بطاعته في نهيه وأمره؛ فهي حقوق التوحيد ومكملاته، وإما خبر عن كرامة الله لأهل توحيده وطاعته وما فعل بهم في الدنيا وما يكرمهم به في الآخرة؛ فهو جزاء توحيده، وإما خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال وما يحل بهم في العقبى من العذاب؛ فهو خبر عمن خرج عن حكم التوحيد»[1]، ومنهج القرآن في غرس الإيمان له جناحان: جناح الإطار أو الشكل والصورة وهو وعاء المضمون، وجناح المضمون، فأما الجناح الأول فيشمل التقرير والطلب والقصة والترغيب والترهيب وضرب المثل وقياس الغائب على الحاضر والرجوع إلى التاريخ والاستشهاد بالواقع المحسوس.

وأما جناح المضمون، فأول ما نجده من خطوات هذا المنهج القرآني المتكامل الذي يظلله في كل خطواته؛ البداية بالأصول والكليات قبل الفروع والجزئيات، فمن ذلك:

 ترسيخ معاني الربوبية بشمولها وإطلاقها، يوضح ذلك أن أول آيات أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت باسم الرب: {اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ 1 خَلَقَ الإنسَانَ مِنْ عَلَقٍ 2 اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ 3 الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ 4 عَلَّمَ الإنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: ١ - ٥]، وظل هذا المنهج في القرآن على مدى 23 عامًا مدة نزول الوحي الشريف في سوره المكية والمدنية من بداية الإيمان حتى اكتماله: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا} [المائدة: ٣]، فربطت القلوب بأفعال الرب تعالى التي تبين عنايته بخلقه وعباده مما يحمل الإنسان على محبة ربه والإخلاص في عبادته، إذ من معاني الرب: الذي يربي عباده شيئًا فشيئًا ويتعهدهم ويتولى أمرهم فيصلحهم حتى يبلغوا في ذلك حد التمام والكمال، قال تعالى في بيان رعاية الرب لخلقه: {رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ إنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [الإسراء: ٦٦] وأنه لا أحد غير الرب ينجيهم من الشدائد المهلكة كما في قوله تعالى: {وَإذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلَّا إيَّاهُ} [الإسراء: 67] لأنه الرب الرحمن الرحيم الملك الذي بيده ملكوت السموات والأرض، وقال في بيان عظمته التي تحمل القلوب على حبه وخشيته: {إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْـخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: 54]، وقال: {إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إلَّا مِنْ بَعْدِ إذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ} [يونس: ٣]، والآيات في تقرير هذا الأمر كثيرة أكثر من أن تحصر، ولذلك كان توحيد الربوبية هو المدخل لتوحيد الألوهية (العبادة) قال تعالى: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إلَهَ إلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [الأنعام: 102]، فأمرهم بعبادته بعد الحديث عن ربوبيته وبين تفضله عليهم وما أعطاهم من النعيم في الدنيا وما يسر لهم من الأمر كما قال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُم لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ 21 الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 21، ٢٢]، وعلى قدر اكتمال الإيمان بالربوبية يكون الإيمان بالألوهية وإذا وجد عند بعض الناس نقص في توحيد الألوهية فلأن هناك نقصًا يقابله في توحيد الربوبية.

 وبعد بيان خصائص الربوبية وبيان عمومها وشمولها، التي تنمي في قلب العبد المعرفة اليقينية بأن لا شيء في هذه الدنيا يخرج عن ملك الرب فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، تأتي الخطوة الثانية في منهج غرس الإيمان في النفوس وهي الحديث عن الجنة والنار بما في الجنة من أنواع النعيم وما في النار من ألوان العذاب، وما الذي يُدخل كلًا منهما أو يمنع من دخول إحداهما من الأقوال والأعمال حتى تتعلق القلوب بذلك، فالحديث عن الجنة للترغيب فيما يدخلها من العمل الصالح والحديث عن النار للترهيب مما يستوجبها من ارتكاب المعاصي، قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: «إنما نزل أول ما نزل منه (أي القرآن) سورة من المفصل، فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا، ولو نزل: لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا أبدًا، لقد نزل بمكة على محمد صلى الله عليه وسلم وإني لجارية ألعب: {بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ} [القمر: 46] وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده»[2].

والقرآن مملوء بالحديث عن دار القرار سواء الجنة أو النار فلا تكاد تخلو سورة من سوره المكية والمدنية من الحديث عن إحداهما أو كلتيهما وما أعد لساكنيهما من النعيم المقيم أو العذاب المهين، قال تعالى في الحديث عن الجنة ونعيمها: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِـحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 25]، قال الطبري: «رغب الله جل ثناؤه بهذه الآية عباده في الإيمان، وحضهم على عبادته بما أخبرهم أنه أعده لأهل طاعته والإيمان به عنده، كما حذرهم في الآية التي قبلها بما أخبر من إعداده ما أعد - لأهل الكفر به، الجاعلين معه الآلهة والأنداد - من عقابه عن إشراك غيره معه، والتعرض لعقوبته بركوب معصيته وترك طاعته»[3]، وقال تعالى: {مَثَلُ الْـجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْـمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ} [محمد: 15]، وقال مبينًا سعتها: {وَسَارِعُوا إلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133]، وقال في الآية الأخرى: {سَابِقُوا إلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الحديد: 21]، وقال في لباس أهلها: {أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِّن سُندُسٍ وَإسْتَبْرَقٍ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا} [الكهف: 31]، وقال: {إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِـحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} [الحج: 23]، وقال في عدة آيات متتابعات مبينًا أنواع نعيم الجنة: {وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا 12 مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا 13 وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا 14 وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ 15 قَوَارِيرَ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا 16 وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا 17 عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا 18 وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا 19 وَإذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا 20 عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا} [الإنسان: 12 - 21]، وقال في تنعمهم: {عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ 15 مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ 16يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ 17 بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ 18 لا يُصَدَّعُونَ عَنهَا وَلَا يُنْزِفُونَ 19 وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ 20 وَلَـحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ 21وَحُورٌ عِينٌ 22 كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْـمَكْنُونِ} [الواقعة: 15 - 23]، وقال: {يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ 71 وَتِلْكَ الْـجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الزخرف: 71، 72] والآيات في ذلك لا تكاد تحصر.

وقال تعالى في الجانب المقابل في شراب أهل النار: {وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ} [محمد: 15]، وقال: {وَإن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْـمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا} [الكهف: 29]، وقال: {مِّن وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِن مَّاءٍ صَدِيدٍ 16 يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْـمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَائِه ِعَذَابٌ غَلِيظٌ} [إبراهيم: 16، 17]، وقال في استمرار العذاب لأهل النار: {إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ} [النساء: 56]، وقال: {إنَّ الْـمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ 74 لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ 75 وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُوا هُمُ الظَّالِـمِينَ 76وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إنَّكُم مَّاكِثُونَ} [الزخرف: 74 - ٧٧]، وقال في أحوالهم ولباسهم: {وَتَرَى الْـمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ 49 سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ 50 لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ } [إبراهيم: 49 - 51]، وقال في طعام أهل النار: {لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إلَّا مِن ضَرِيعٍ 6 لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِن جُوعٍ 7} [الغاشية: ٦، ٧]، وقال: {إنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ 43 طَعَامُ الأَثِيمِ 44 كَالْـمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ 45 كَغَلْيِ الْـحَمِيمِ} [الدخان: 43 - 46].

وهكذا تحدثت الآيات تفصيلًا عن الجنة وعن النار طعامهما وشرابهما وملابس أهلهما وغير ذلك من التفاصيل التي تكون معرفتها والتفقه فيها من أكبر المعينات على غرس الإيمان في القلوب مكونة دافعًا كبيرًا لأداء الواجبات واجتناب المحرمات.

وتأتي الخطوة الثالثة بعد هاتين الخطوتين السابقتين اللتين أوجدتا الإيمان ورسختاه وأمدتاه بالوقود الذي يضمن توهجه واستمراره بحيث لا يخبو في النفس أبدًا، وهي خطوة التشريعات بالأمر والنهي بما يبين أن الأمر والنهي من الله لعباده رحمة منه تعالى بهم، وبما وراء الأوامر والنواهي من حكم عظيمة ومصالح متعددة، قال تعالى في منع المؤمنين من رمي المحصنات الغافلات المؤمنات: {يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِـمِثْلِهِ أَبَدًا إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ 17 وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [النور: 17، 18]، وقال في الأمر بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [النور: 56]، وقال: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأنعام: 155]، وقال: {وَإذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [يس: 45].

ولم يكتف القرآن في ذلك بذكر هذه القضايا أو إلزام المسلمين الإيمان بها بدون دليل بل سلك في سبيل غرس الإيمان في القلوب إقامة الدليل العقلي على ما يقرره وضرب المثل الذي يقره العقل ولا ينكره، فضرب المثل بإحياء الأرض بعد موتها على البعث والنشور بعد الموت فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْـمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ 5 ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْـحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْـمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ 6وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ 7 وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُّنِيرٍ} [الحج: ٥ - ٨]، وقد تكرر في القرآن ذكر إحياء الله للأرض بإنزال الغيث عليها ومقابلة ذلك بإحياء الموتــى، ويقيم الدليــل العقلــي علــى إحياء الموتى والبعث بعد الموت بأن الذي أوجدهم من العدم في المرة الأولى قادر علــى إيجادهم من بعد المـوت: {وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَـمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا 49 قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا 50 أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الإسراء: 49 - 51]، ويقول: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْـخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْـمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْـحَكِيمُ} [الروم: 27].

ويقيم الدليل العقلي على بطلان الشرك: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: ٢٢]، ويقيم عليهم الدليل العقلي على أنهم مخلوقون مربوبون وأن الله ربهم وخالقهم فقال: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْـخَالِقُونَ 35أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ} [الطور: 35، 36]، ولذلك لما سمعها جبير بن مطعم ولم يكن أسلم حينها قال كاد قلبي أن يطير فعن جبير بن مطعم [وكان جاء المدينة في شأن فداء أسارى بدر]، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في المغرب بـ«الطور» فلما بلغ هذه الآية: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْـخَالِقُونَ 35 أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ 36 أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْـمُسَيْطِرُونَ} [الطور: 35 - 37] كاد قلبي أن يطير، وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي. ويناقش الإنسان مناقشة علمية فطرية لا يمكنه الفكاك منها إلا بالتسليم بالحق قال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ 3 ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ} [الملك: ٣، ٤]، وقال: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإذَا هِيَ تَمُورُ 16 أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ 17 وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ 18 أَوَ لَمْ يَرَوْا إلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إلَّا الرَّحْمَنُ إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ 19} [الملك: 16 - 19]، وقال تعالى في السياق نفسه: {أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَل لَّجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ} [الملك: 21]، وفي آخر السورة قال: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاءٍ مَّعِينٍ} [الملك: 30]، وقال في سورة أخرى: {أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ 58أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْـخَالِقُونَ} [الواقعة: 58، 59]، وقال في السورة نفسها: {أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ 63 أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ 64 لَوْ نَشَاءُ لَـجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ 65 إنَّا لَـمُغْرَمُونَ 66 بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ 67 أَفَرَأَيْتُمُ الْـمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ 68 أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْـمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْـمُنزِلُونَ 69 لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ 70 أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ 71 أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْـمُنشِئُونَ 72 نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِّلْمُقْوِينَ} [الواقعة: 63 - 73]، وهذه أسئلة تقود إجابتها إلى غرس الإيمان في القلوب وتقويته.

ومن ذلك أيضًا الأمر بعبادات الفرائض والنوافل والنهي عن المحرمات والمكروهات من الأقوال والتصرفات التي يكون في الالتزام بها غرس للإيمان وزيادته فمن ذلك الأمر بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ومنه الحث على قيام الليل كما جاء في سورة المزمل وهي من أوائل ما نزل من القرآن المكي قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الْـمُزَّمِّلُ 1قُمِ اللَّيْلَ إلَّا قَلِيلًا 2 نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا 3 أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا 4إنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا 5إنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا} [المزمل: ١ - ٦]؛ وناشئة الليل هي قيام الليل، وأمرهم بصدق الحديث والإخلاص في العبادة ونهاهم عن الغش والكذب.

فعلى من أراد الدعوة إلى الله تعالى بترسيخ الإيمان في النفوس فعليه أن يسير على المنهج القرآني في غرس الإيمان في القلوب فليوجه همته وعنايته في الأول للحديث عن الربوبية وترسيخ معانيها وشمولها في القلوب ويستعين على ذلك بالحديث عن الجنة والنار وما أعد الله لساكنيها وبيان مسوغات سكنى كل دار منهما، ولا يكون همه في أول أمره للتوجه للخليقة بالأمر والنهي فإن ذلك ربما نفرهم قبل أن يستمكن الإيمان من قلوبهم، ويستعين بالقصة والترغيب والترهيب وضرب المثل والتذكير بسير الأمم السابقة وما حل بالمكذبين منهم وما نال المؤمنين الطائعين، والحث على صلاة النافلة وقراءة القرآن بتدبر، والحث على الخشوع لما نزل من الحق وألا يشابهوا من قبلهم من الأمم الذين قست قلوبهم عن ذكر الله، كما قال تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْـحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ 16} [الحديد: 16]، ثم ينتقل بعد ذلك إلى الأمر والنهي والتشريع وتحكيم شرع الله تعالى في كل أمور المسلمين فلعل في ذلك ما يعين على تحقق المقصود ولو بعد حين، والمنهج القرآني في غرس الإيمان أكبر من أن يستوفى في مقال ولعل هذا المقال يمثل إشارات ونقاط مضيئة على الطريق.

 

:: مجلة البيان العدد  336 شعبان  1436هـ، مايو - يونيو  2015م.


[1] مدارج السالكين 3/417-418.

[2] رواه البخاري رقم 4993.

[3] تفسير الطبري 1/350.

googleplayappstore