إن الدبلوماسية المعاصرة التي تتعاطاها الكنيسة الرومية الكاثوليكية لم تكن دائماً خيارها الأول للتعامل مع الخصوم عبر التاريخ؛ فصراع الروم والمسلمين في حقبـة الحـروب الصـليبية لا يخفى، بل لا يزال كبراء الكنيسة الكاثوليكية يصرحون بعدائهم لهذا الدين وأهله بين الفينة والأخرى. كما أن اضطهاد الكنيسة لطائفة البروتستانت التي تخالفها في بعض عقائدها قديم قدم الحركة «الإصلاحية» البروتستانتية على يد «مارتن لوثر» عام 1517م. لكن علاقة الكنيسة الكاثوليكية بالكنيسة الأرثودكسية يكتنفها شيء من الغموض الذي سأحاول كشف بعض جوانبه بعون الله.

لا شك أن الكنيستين الشرقية والغربية كانتا خصمين لدودين منذ اختلافهما في القرن الخامس الميلادي حول قضايا «لاهوتية» عُقدَت لها المجامع وأُلِّفت فيها الرسائل من الطرفين ولَعنت كلتا الأمتين أختها. وفي مستهل القرن الحادي عشر الميلادي تفاقم الحال بعد أن رفض بطريرك القسطنطينية الأرثودكسي «ميخائيل كيرولاريوس» Michael Cerularius الخضوع للسلطة البابوية وأُغلقت كنائس الروم اللاتين في المشرق وظل نفوذ الأرثودكسية في اليونان وبلغاريا ويوغسلافيا ورومانيا وفلسطين والإسكندرية وروسيا.

في أثناء الحرب الصليبية الرابعة عام 1204م هاجم الروم الصليبيون ودمروا القسطنطينية عاصمة الأرثودكسية حينئذٍ. واستمر الصراع بين الكنيستين إلى يومنا هذا؛ أي ما يقارب ألف سنة. كان هدف الكنيسة الكاثوليكية من هذه المواجهة تدمير أو إخضاع الكنيسة الأرثودكسية، أو دمجها طوعاً أو كرهاً في الكنيسة الكاثوليكية.

بين عامي 1453م (فتح القسطنطينية وسقوط الإمبراطورية البيزنطية) إلى سقوط الإمبراطورية القيصرية الروسية عام 1917م كانت علاقة الفاتيكان بالكنيسة الأرثودكسية تمر بمرحلة ركود دبلوماسي من أهم أسبابه انتقال مركز الأرثودكسية من الشرق إلى الغرب (روسيا المقدسة) حيث ضربت بأطنابها. فكما كانت روما اللاتينية هي «روما الأولى» أصبحت القسطنطينية «روما الثانية». فلما سقطت الدولة البيزنطية على أيدي المسلمين صارت روسيا المعقل الأقوى للكنيسة الأرثودكسية وموسكو هي «روما الثالثة».

وجدت الكنيسة الأرثودكسية في روسيا أرضاً خصبة لاستعادة قوتها وهيبتها، لكنها أخطأت ثانية عندما ارتبطت بالإمبراطورية القيصرية كما ارتبطت مِن قَبلُ بالإمبراطورية البيزنطية، فكان ضعفها متلازماً مع سقوط روسيا القيصرية عام 1917م. حينها استؤنفت مكائد الدبلوماسية الكاثوليكية حيثما وجدت الأرثودكسية في البلقان وروسيا وأوروبا الشرقية بل وفي الشرق الأوسط. ولم تتورع الفاتيكان عن سلوك السبل الأخلاقية وغير الأخلاقية في محاولة للقضاء على هذا الخصم العنيد. ولعل ما حصل خلال الحرب العالمية الأولى يبرهن على ذلك.

 ففي أعقاب اندلاع الحرب العالمية الأولى وقَّع رئيس وزراء بريطانيا «لويد جورج» مع «بازل زاهاروف» ورئيس وزراء اليونان «فينيزيلوس» اتفاقية تنص على منح اليونان عاصمة الأرثودكسية القديمة – القسطنطينية. أثارت هذه الاتفاقية زوبعة من الاحتجاجات التي لم تصدر من الدول الغربية بل من الفاتيكان خصم الكنيسة الأرثودكسية. وأصبحت بريطانيا حقيقةً بالسخط البابوي لما تغافلت عن طلب البابوية بعدم الإقدام على مثل تلك الاتفاقية. فما كان من الفاتيكان إلا أن شرعت تُقلِّب عملاءها الماسون فوجدت في «كمال أتاتورك» خير معين. لقد سُرِّي عن الفاتيكان بانتصار أتاتورك في «إزمير» فتبددت بذلك أحلام اليونان في امتلاك العاصمة الأرثودكسية القديمة.

أدرك «أتاتورك» أن التحالف مع الفاتيكان سيكون ذا نفع للطرفين فعقد تحالفاً غير معلن منح صلاحيات خاصة للكنيسة الكاثوليكية في تركيا. لكن أعظم ما جنته الكنيسة من هذا التحالف هو الحيلولة دون عودة الكنيسة الأرثودكسية إلى القسطنطينية. لقد وصفت صحيفة «أوسيرفاتوري رومانو» Osservatore Romano التابعةُ للكنيسة الكاثوليكية انتصار أتاتورك في إزمير بقولها «نصرٌ للبابا عظيمٌ»[1].

ليس ذلك فحسب، بل قرر أتاتورك تحويل مسجد أيا صوفيا الذي كان يصدح بالأذان – بعد أن كان قبلها كنيسة أرثودكسية – إلى متحف رومي بيزنطي بعد أن استشار الفاتيكان تحسباً لأي ممانعة. لكن الفاتيكان التي تُرعد وتُزبد عادةً إذا ما هُددت مؤسسة كاثوليكية بالعلمنة كانت هذه المرة أصمَتَ من فئران الكنائس، بل شجعت عميلها الماسوني سراً على تدنيس المقدسات غير الكاثوليكية.

وإذا كانت الحرب العالمية الأولى قد حققت للفاتيكان نصراً على الكنيسة الأرثودكسية فإنها كذلك فتحت لها أفاقاً في التعامل الدبلوماسي الذي سعت من خلاله دائبة لإسقاط الدولتين العثمانية الإسلامية والقيصرية الروسية الأرثودكسية، وكان ذلك فعلاً.

كان من أسباب اضطراب الكنيسة الأرثودكسية مقارنةً بالرومية الكاثوليكية ارتباطُها – كما أسلفتُ – بالإمبراطوريات وهو ما عنَى سقوطَها بسقوط دولتها. فلما قامت الثورة البلشفية نُسفت هذه الكنيسة كما نسفت دولتها القيصرية، وتبع ذلك تأميمُ ثروتها الهائلة وتهميش الدور السياسي لقساوستها، وأصبح الفصل بين الدين والدولة حقيقة قائمة.

فهل حزنت الفاتيكان على سقوط كنيسة نصرانية على أيدي الملاحدة؟ كلا! بل عم الفرح والبهجة أروقة كنيسة القديس بطرس في روما؛ فالبلاشفة وإن كانوا ملحدين إلا أنهم خدموا الكنيسة الرومية بالقضاء على خصمها اللدود (الكنيسة الأرثودكسية)، فلا ريب أن منهج الفاتيكان مكيافيلي صِرْف تبرر فيه الغايةُ الوسيلة. لقد أنجز البلاشفة ما لم تنجزه الكنيسة الكاثوليكية لأكثر من ألف عام ومهدوا لسياسة الهيمنة الغربية على كنائس الشرق التي تمثلت في تحويل كثير من أتباع الأرثودكسية إلى الكاثوليكية بالإضافة إلى «الدمج الروحي» لبلغاريا ورومانيا والصرب وأوكرانيا الأرثودكسية وغيرها داخل الكنيسة الرومية[2]. بل لما نهضت المقاومة الأرثودكسية لم تبدِ الفاتيكان أي تعاطف معها بل كانت ترجوا أن تَضرب روسيا الملحدة ضربتها القاضية فتنتهي الأرثودكسية إلى الأبد. وهذا ما صرح به «مونتي» صديق البابا بندكت الخامس عشر قائلاً:

إن قداسته [يعني البابا] يرى أن هذه الجرائم وهذه الدماء ستكون ذات فضلٍ يوماً ما، إن أمكن – بعد انصراف موجة الإلحاد هذه – أن يبشَّر بالكاثوليكية في روسيا. إن بقاء الأرثودكسية لن يدوم طويلاً، ونهايتها كدين رسمي يتيح فُرَصاً لم تكن لتوجد في ظل حكم القياصرةِ حراسِ الكنيسة [الأرثودكسية][3].

وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية قامت الكنيسة الكاثوليكية باستنفار الكاثوليك في الشرقين (الأدنى والأوسط) فنشأ الحراك الكلداني الكاثوليكي في العراق، والماروني في لبنان، والكاثوليكي القبطي في مصر، وغيرها، ولا تزال هذه الطوائف تشكل ثقلاً كاثوليكاً في أوساط نصارى الشرق الذين كانوا ذات يوم تابعين للكنيسة الأرثودكسية. ولا تزال الكنيسة الكاثوليكية بدبلوماسيتها الفريدة تُضيِّق على الكنيسة الأرثودكسية بينما تستعمل ورقة «اضطهاد» النصارى لتبرير تدخلها في شؤون النصارى من الطوائف الأخرى كما هو الحال في مصر. ولن يَقَر لروما قرار حتى تُجْهِز على كل خصومها. لكن هذا إن حدث مع خصومها من النصارى الأورثودكس فلن يكون مع أهل الإسلام بعد وعد الله بالنصر.

روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ الرُّومُ بِالأَعْمَاقِ أَوْ بِدَابِقَ، فَيَخْرُجُ إِلَيْهِمْ جَيْشٌ مِنَ الْمَدِينَةِ مِنْ خِيَارِ أَهْلِ الأَرْضِ يَوْمَئِذٍ. فَإِذَا تَصَافُّوا قَالَتِ الرُّومُ: خَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الَّذِينَ سَبَوْا مِنَّا نُقَاتِلْهُمْ. فَيَقُولُ الْمُسْلِمُونَ: لاَ وَاللَّهِ! لاَ نُخَلِّى بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا. فَيُقَاتِلُونَهُمْ فَيَنْهَزِمُ ثُلُثٌ لاَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَبَداً وَيُقْتَلُ ثُلُثُهُمْ أَفْضَلُ الشُّهَدَاءِ عِنْدَ اللَّهِ وَيَفْتَتِحُ الثُّلُثُ لاَ يُفْتَنُونَ أَبَداً».



 [1] Avro Manhattan. Vatican Imperialism in the 20th Century (Zondervan, 1965), p. 241.

[2] مرجع سابق. 

[3]  Count Sforza. Contemporary Italy (F. Mulker, 1940).