لم تترك نصوص الوحيين أصلًا من الأصول التي تقوم عليها الحياة إلا ونبهت المسلمين إليه، وحثتهم على الإحاطة بها، ويزداد شأن المذكور شرفًا وخطرًا كلما كثر ذكره، ومن الأصول التي أشار إليها القرآن في مواضع كثيرة أصل: «العلاقات الدولية»، ولعل أبرز سورة تناولته هي سورة الروم، دون أن ننسى سورة الإسراء التي تتحدث عن الصراع المستمر بين المسلمين واليهود، وغير ذلك من المواضع القرآنية التي أتت على ذكر خواص العلاقات الدولية بيننا وبين أهل الكتاب، كما أن السنة النبوية تناولت هذا المجال الخطير بالذكر والتوجيه، ومن ذلك على سبيل التمثيل حديث المصطفى عليه الصلاة والسلام: «فَارِسُ نَطْحَةٌ، أَوْ نَطْحَتَانِ ثُمَّ لا فَارِسَ بَعْدَهَا أَبَدًا، وَالرُّومُ ذَاتُ الْقُرُونِ كُلَّمَا هَلَكَ قَرْنٌ خَلَفَ مَكَانَهُ قَرْنٌ، أَهْلُ صَخْرٍ وَأَهْلُ بَحْرٍ هَيْهَاتَ لآخِرِ الدَّهْرِ، هُمْ أَصْحَابُكُمْ مَا كَانَ فِي الْعَيْشِ خَيْرٌ».

سورة الروم.. والعلاقات الدولية:

إن الآيات الأولى لسورة الروم يمكن أن تكون بحق: اللبنة الأولى لفهم مدى اهتمام الإسلام بالعالم المجاور أو المحيط بالمسلمين وتأثيره عليهم، يقول تعالى: {الم 1 غُلِبَتِ الرُّومُ 1 فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ 3 فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْـمُؤْمِنُونَ 4 بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الروم: ١ - ٥].

وأول ما يشد المتأمل للسورة أنها نزلت في المرحلة المكية، حيث كان المسلمون فيها قلة مستضعفة، وكانت أعدادهم قليلة، ولم يكن لهم دولة بعد، ولم يتبلور عندهم حتى مفهومها، وهنا مربط الفرس، فبرغم ضعف المسلمين والحرب الشرسة المفتوحة عليهم من قريش إلا أن ذلك لم يكن مانعًا لهم من الاهتمام بالأحداث الدولية الكبيرة التي كانت تجري على الساحة العالمية، لذلك لا يحق لمسلم أن يبرر إهمال هذه الحلقة المؤثرة بالضعف الذي تعيشه أمة الإسلام اليوم.

ثاني الإشارات التي يجب الوقوف عندها هي قوله تعالى: {فِي أَدْنَى الأَرْضِ} فهذا نص في وجوب اهتمام المسلمين بالجغرافيا عمومًا وبالجغرافيا السياسية خصوصًا، خاصة أنها صارت علمًا قائمًا بذاته يدور على أكثر من عشرين أصلاً أبرزها: دراسة الحدود والتخوم، والعالمية، وبناء الدول والإمبراطوريات؛ كل ذلك لأجل معرفة القوى الحاكمة والمسيطرة والمؤثرة على أجزاء البسيطة، ولا يتصور فهم الآخر دون معرفة جغرافيته ودراستها وفق مناهج علمية عميقة صبورة، وقد تنبهت مؤسسات وأجهزة الاستخبارات الغربية لذلك، فخصصت لأفرادها حيزًا مهمًا جدًّا لدراسة الجغرافيا السياسية في البرامج التكوينية المقررة عليهم، ولم تتأخر المراكز الغربية العالمية في تبني ذلك، بدليل تخصيصها فروعًا لها بكل القارات، وتخصيص أقسام خاصة داخل الفرع نفسه لدراسة مكونات الجغرافيا السياسية لأجزاء القارة؛ من أجل معرفة الفواعل والعوامل التي تتحكم في المشهد السياسي والاجتماعي والثقافي للدول، فأين المسلمون من ذلك؟!

وفي قوله تعالى: {غُلِبَتِ الرُّومُ} تحدث عنهم بمفهوم الأمة، وفي ذلك تنبيه واضح إلى أن مواجهة الأمم الأخرى لا تتم إلا بتحقق مفهوم الأمة الإسلامية، وهنا نلحظ أن القرآن يلفت انتباه المسلم إلى أن الصدام مع القوى الكبرى في العالم أمر لا مفر منه، وعليه وجب العمل على تقوية مفهوم الأمة المبني على الولاية والنصرة والوحدة، ضمن كيان جامع يحمي بيضة المسلمين من شر قوى الاستعباد العالمية.

لماذا أهمل المسلمون المجال الدولي؟

إن مما يؤسف له ترك المسلمين ونخبهم ميدان العلاقات الدولية لأعدائهم يديرونه وفق مخططاتهم المعادية للإسلام والبشرية جمعاء، ومن علامات ترك نخب العالم الإسلامي له: غياب تصور واضح له، وإهمال دراسة فواعله، مما شجع نصارى العرب والعلمانيين والشيوعيين على الانفراد به وتصدره.

ولعل من أهم أسباب إهماله عدم إدراك المسلمين لتأثيرات الوقائع والأحداث العالمية على حياتهم الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية، وعادة الناس أن يولوا اهتمامهم للأمور القريبة، والواضح أثرها عليهم، أما الأمور التي لا يظهر أثرها المباشر عليهم فإنهم يهملونها، وهي سمة إنسان الدولة القومية الذي يحبس اهتمامه وشغفه ضمن حدود ضيقة، وهي أيضًا صفة إنسان زمن الماديات الذي لم يعد يهتم حتى بالأحداث الكبرى ببلده، بل يهتم بالأخبار النفعية ذات الصلة بالقطاع والمجال الذي يعمله فيه، حيث تكرس في حياته نفسية التواصل مع المصدر الذي يحقق له النفع المباشر، وغابت عنه المبالاة بالأمور الأخرى بما أنها لا تحقق له شيئًا ملموسًا يحسن حياته، لكن أن يصل الإهمال نخبة العالم الإسلامي المعول عليها في إعادة بعث ريادة الأمة فهذا من الأمور المرفوضة، وهو علامة بيّنة على عدم نضج المكون الحالي لمشروع النهضة الإسلامية، بدليل حصرهم فهمهم للعلاقات الدولية في الحديث عن المؤامرات وفضحها لا غير، وهذا مفهوم سطحي؛ فاتخاذ موضع المتفرج على العدو وعدم قراءته ودراسته لاختراقه والتعامل معه لا يمكن أن يغير الواقع، بل لا يمكن أن يخفف الأضرار بالقدر المأمول في ظل عالم مفتوح، وها هي المؤامرات تتوالى على المسلمين حتى صارت كل فاجعة تنسيهم أختها، والمؤسف أن أعداد المتمكنين الذين ينافحون عن الأمة من خلال الفهم والقراءة والتحكم في خيوط العلاقات الدولية لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، بل صار ملايين المسلمين ينتظرون فلانًا من الناس ليشرح لهم ما يدور في العالم من خلال منهجية واضحة غير معقدة تربط الأحداث ببعضها وترسم صورة واضحة لجماهير الأمة الإسلامية.

 الصراعوية سمة الحياة:

المتدبر في الآيات التي تتحدث عن نوعية العلاقات بين المسلمين وبين أهل الكتاب عمومًا واليهود خصوصًا، يستنبط منها ملمحًا مهمًا، وهو أن البناء العلاقاتي عندهم يتأسس على معاداة الإسلام، باعتباره الدين الحق، الذي جاء لكسر شوكة الاحتلال والاستغلال والاحتكار والاستصغار بين البشر؛ لذلك يتميز تاريخهم معنا بالعدوان على كل شيء يمت بصلة إلى إسلامنا، حيث تعددت اعتداءاتهم عبر التاريخ لتشمل المجالات الاجتماعية والثقافية والسياسية، ولهذا فإن نصوصًا مثل: {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ} [التوبة: 32]، {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ} [النساء: 89]، {قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ} [آل عمران: 118]، {لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إلًّا وَلا ذِمَّةً} [التوبة: 10] تدل دلالة قاطعة على أن الصراع بين الحق والباطل مستمر ولن يهدأ، بحكم: {وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة: 120]، وقد وجه القرآن إلى الحل العملي لمواجهة ذلك: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعَا} [النساء: 71]، {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْـخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال: 60] كلها نصوص تؤكد على وجوب الاستعداد المستمر لما ستثمره خرجات نفسية الاستعداء التي تسكن العالم الآخر.

وهاتان الكلمتان {وَأَعِدُّوا} و{تُرْهِبُونَ} تشيران إلى مسألة حساسة، وهي عدم الركون للآخر وتصديق المصطلحات التي يضعها كواجهة في علاقاته معنا، بل إن المطلوب هو الاستحضار الدائم لسمته التي تميزه، وهي القابلية للاعتداء، مما يؤكد على العمل على حضور عنصر الاستعداد الدائم، لأن غيابه يعني دخول المسلمين في مرمى مخططاته، وتحولهم إلى محل للحرب، وتبقى هذه المسألة تاريخيًّا المغير والمؤثر الأكبر في العلاقات الدولية، وكم من دول تقلصت أو زالت أو كبرت بفعلها.

 وهنا يحسن القول إن الاهتمام والتحكم بزمام فواعل العلاقات الدولية من صميم الاستعداد للمواجهة ضد عدو متوثب لا يكل كما وصفه رسول الله عليه الصلاة والسلام: «الروم ذات القرون كلما هلك قرن خلفه قرن آخر».

ومن هنا فإنه يتقرر أن الأصل في العلاقات الدولية غياب الثقة، وهو ما تفهمه الدول الكبرى في عالمنا القلق، ولهذا نرى تسابقًا محمومًا بينهم على التسلح والأخذ بالقوة، للهيمنة على العالم، والاجتهاد في دراسة العلاقات الدولية وكل العوامل المؤثرة فيها.

العلم والرغبة والقوة وأثرها على العلاقات الدولية:

إن شيوع الاهتمام بمجال العلاقات الدولية لدى عامة المسلمين، وبروز الشغف بها لدى نخبتها، سيولد معرفة بمدى أهميتها، وسيثمر ذلك رغبة في التلبس بها والتمكن من فواعلها، وصولًا لفهم أهمية القوة - بكل أنواعها - في تقرير مصير العالم أجمع، كما سيولد طاقة دفع ذاتية لدى غالبية نخب الأمة للعمل بجد لتحقيق هذا الهدف الشريف.

وما دام الإسلام دين الرحمة فإن غيابه اليوم أفسح المجال لانتشار الحروب والدمار وانحسار الأمن والاستقرار، ولو تمكن المسلمون من مرابط النظام الدولي التي تعطيه القوة للتحكم بمصير البشر فإن ذلك سيكون له تأثير على البشرية جمعاء، حيث إن الأمة الموعودة بالعاقبة، لا يجوز لها أن تسلم حاضرها ومآلها لعقلية النائمين الذين يبنون حياتهم على الأحلام وتفسير الحياة وفقها. إن أمة فيها حديث الفسيلة لا يقبل منها القعود عن العمل أو الركون للتفكير بالرغبة وركوب نفسية المتمني القاعد، بل يصل الليل بالنهار ليستمر له التحكم برقاب البشرية أجمع.

إن فتح عقول المسلمين - خاصة الشباب - على الاهتمام بالعلاقات الدولية وفواعلها وتعريفهم بخطورتها على الحياة، وتأثيرها المباشر عليهم سيشكل دفعًا قويًّا للأمة نحو النهوض من سباتها في ظل عالم متآمر يأخذ بالسنن المادية للسيطرة على العالم لصالح فئات شرسة مريضة بمرض التلذذ بإثارة الحروب وسفك الدماء والتلاعب بمصير الدول والبشر، وهذا لن يتحقق إلا بتبسيطه وتوسيع مجال المخاطبين ليشمل المثقفين من شباب الأمة ويدفعهم للاهتمام بهذا الميدان الإستراتيجي والحيوي.

:: مجلة البيان العدد  343 ربـيـع الأول 1437هـ، ديسمبر  2015م.