عندما تحل المحن والكوارث تتدفق أفواج الإغاثة من كل حدب وصوب، لكن مافيا الاتجار بآلام الناس ومحنهم تتكاثر كما يتكاثر الذباب على الضحايا، متخذة شعارات إنسانية خادعة تسلب الألباب بدعايتها عن الرحمة والتراحم وحقوق الإنسان، ثم يفاجأ الناس بأن التبرعات الطائلة التي تجمعها تتحول مباشرة إلى حسابات خاصة بالبنوك، كما يفاجؤون بمنظمات ترفع شعارات الإنقاذ والإغاثة تتاجر في الضحايا أنفسهم.. في الأطفال والنساء، كما تتاجر حتى في قارورة الدواء وكسرة الخبز التي يتم تقديمها، إذ يتم تقديم إغاثات انتهت صلاحيتها وبفواتير باهظة يدفعها الخيرون لتلك المنظمات التي لا ترحم أحدًا. وبالطبع فإن هناك منظمات غربية تحترم رسالتها وتراعي ضميرها الإنساني وتركز عملها على إغاثة الناس دون أغراض أخرى، لكن قائمة مافيا الإغاثة تطول كما أن سجل المتاجرين بمحن وآلام المنكوبين متخم! ولا يستثنى من ذلك منظمات تطوعية أو منظمات دولية أو منظمات تابعة للأمم المتحدة التي اعترفت مؤخرًا بتورطها في توريد غذاء منتهي الصلاحية لإحدى المدن السورية المحاصرة، وتلك مصيبة كبري.

ففي سبتمبر الماضي تم التوصل في سوريا إلي اتفاق برعاية الأمم المتحدة لتخفيف الحصار عن مدينة الزبداني التي يسيطر عليها الجيش الحر، وقريتين شيعيتين تسيطر عليهما قوات النظام في شمال غرب البلاد. وبمقتضى هذا الاتفاق أرسلت الأمم المتحدة شحنة مساعدات تضم 650 صندوقًا من البسكويت عالي الطاقة فتبين أن نصف الشحنة منتهية الصلاحية أي فاسدة وبالتالي بدلًا من أن تغيث المحاصرين تقتلهم!

وقد اعترفت الأمم المتحدة بالواقعة وقال يعقوب الحلو، المنسق المقيم للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في سوريا: إنه «تم للأسف إبلاغ الأمم المتحدة أن 320 من أصل 650 صندوق بسكويت عالي الطاقة أرسلت إلى الزبداني ومضايا في إطار قافلة إغاثة في 18 أكتوبر من العام الجاري (2015م) كانت صلاحيتها منتهية بالفعل في سبتمبر 2015م»، وأضاف الحلو: «يمكننا أن نؤكد أن هذا كان نتيجة خطأ إنساني مؤسف خلال عملية التحميل». وتابع الحلو قائلًا: «وتجنبًا للمخاطر طلبنا من المجتمعات عزل البسكويت المنتهي الصلاحية، ونتخذ كل الإجراءات الممكنة لتعويض الشحنة في أقرب وقت ممكن».

ولم تكن تلك هي المرة الأولي التي تُكتشف فيها مواد إغاثية منتهية الصلاحية ضمن إغاثات الأمم المتحدة والمنظمات الإغاثية الغربية، لكن الملف متخم بوقائع وحوادث بل جرائم توريد أغذية ومواد إغاثية منتهية الصلاحية تارة ومشبعة بأشعة ذرية تارة، ولنترك الوثائق والشهود من داخل الغرب نفسه يتحدثون عن ذلك:

سادة الفقر

يقول جراهام هانكوك في كتابه «سادة الفقر» إن الغذاء المقدم من المجموعة الأوربية كهدية عادة ما تصحبه كثير من الشكاوى من المنتفعين، بناء على قول عضو البرلمان الأوربي «ريتشارد بالف» الذي قال: إنه من غير المقبول تمامًا أن نقوم بتصدير غذاء لا نأكله نحن أنفسنا. ويضيف الكاتب، في أعقاب انتشار الإشعاع الصادر عن حادث تشرنوبل في روسيا عام 1986م تحولت كميات من الأغذية الملوثة التي تعتبر غير قانونية في أوربا إلى شحنات إغاثة.

علاوة على ذلك في عام 1988م أجبرت مجموعة من الدول الإفريقية المسحوقة لرفض أغذية من المجموعة الأوربية لأنه ثبت أنها ملوثة تلوثًا خطيرًا، وينقل الكاتب مما قاله لآري سايمون المسؤول عن أوكسفام أميركا: في أوقات الكارثة تتدحرج إلينا كل أنواع القاذورات، حيث قدمت إحدى المنظمات التطوعية الأميركية الخاصة الغذاء للجوعى، 91 طنًّا من الأدوية والأغذية المنقذة للحياة إلى كمبوشيا إبان المجاعة الكبرى 1979-1980م، فكان الغذاء قديمًا لدرجة أن أصحاب حدائق الحيوان رفضوا إعطاءه لحيواناتهم، كما أن فعالية الأدوية كانت منتهية قبل خمس عشرة سنة! وقامت منظمات الإغاثة بشحن 800 حقيبة من أغذية الأطفال الفاسدة إلى معسكرات اللاجئين في هندوراس، كما شحنت 51 ألف طن من الأغذية الأوربية إلى مناطق موزمبيق المتأثرة بالمجاعة في إفريقيا، وعند وصول تلك الشحنة وجد أنها قديمة ومليئة بالحبوب المكسرة والأوساخ والطين وغير صالحة للاستهلاك، ومثال آخر شحنة من الذرة الشامية 62 ألف طن أرسلت كمساعدة إلى النيجر تبين بعد فحصها أنها لا يمكن أن تكون مقبولة حتى غذاء للحيوانات.

في سنة 1982م رفضت جيبوتي التي خربها الجفاف شحنة إغاثة من السوق الأوربية (974 ألف طن) التي كانت مصممة على فرض شحنتها الغذائية على الإفريقيين الجائعين بأي طريقة، وأخيرًا قبلت «زائير» الشحنة نفسها بعد عامين في 1984م.

وفي عام 1983م أوقفت المغرب استخدام 240 طنًّا من الشحوم لصناعة الصابون، تبين أن الزيت يحتوي على أربعة أضعاف لأعلى معدل جرثومي مسموح به، وفي العام نفسه أتلفت تونس 345 طنًّا من زيت شحوم أخرى أكثر خطورة لاحتوائه على نسبة عالية من البروكسيد ولتلوثه بالديدان في حين أن الشحوم الأوربية التي سمح ببيعها إلى ليبيا وهي دولة نفطية في عام 1986م وبسعر مخفض (16 بنسًا) كانت سليمة في صفقة تقدر بسبعة ملايين جنيه متضمنة 700 طن من لحوم مخفضة السعر.

إمبراطورية العقاقير

وقد ذكرت مجلة «الأوربية» الصادرة في بريطانيا عدد 27 سبتمبر 2001م تقريرًا عن بعض هذه الأخطاء، وأن الدوافع للمساعدات تنعش إمبراطورية العقاقير الدوائية وأوردت بعض الإحصائيات فقالت:

وصلت إلى البوسنة والهرسك خلال الحرب الطاحنة في التسعينات مساعدات دوائية وطبية يعود تاريخ تصنيعها إلى الحرب العالمية الثانية!

حيث تؤكد منظمة «أطباء بلا حدود» أن60% من الأدوية التي وصلت إلى البوسنة والهرسك خلال سنوات الحرب الأخيرة لم تكن صالحة، وبحسب بيانات المنظمة فإن 17 ألف طن منها لم يكن صالحًا أو موافقًا للمعايير العالمية وأن المتبرعين بها قد ربحوا 25 مليون دولار هي نفقات التخلص منها في بلادهم.

كما بلغت كلفة إتلاف المساعدات الدوائية غير الصالحة التي وصلت إلى البوسنة والهرسك خلال سنوات الحرب (1992-1996م) قرابة 34 مليون دولار، بينما كانت قيمة هذه الأدوية الفاسدة في الكشوف الرسمية 17 مليار دولار بحسب تقديرات وتقارير منظمة أطباء بلا حدود.

منظمة «مشروع الأمل» الأميركية تبرعت لمتضرري حرب كوسوفا في ربيع عام 1999م بأدوية قيمتها المعلنة مليون ونصف المليون دولار، وعند فتح الصناديق في الميدان اكتشفت فرق الإغاثة أنها لم تكن أكثر من مواد تجميل وأقراص لتخفيف آلام الرأس.

كما تؤكد منظمة الصحة العالمية أن نصف الأدوية التي وصلت إلى متضرري حرب كوسوفا عام 1999م على هيئة مساعدات لم تكن صالحة بعد أن انتهت مدة صلاحيتها أو قاربت على الانتهاء.

إن حملات جمع التبرعات الدوائية في الدول الغربية والتي كانت تجرى لصالح البلدان المنكوبة في العالم الإسلامي كانت مناسبة انتهزتها بعض الشركات لتخليص مستودعاتها من العقاقير الدوائية الكاسدة والمتقادمة وغير المجدية.

وفي عام 2002م أرسلت الولايات المتحدة الأميركية عن طريق منظمة الغذاء العالمي التابعة لهيئة الأمم المتحدة 12 ألف طن من الذرة المعدلة وراثيًّا إلى زامبيا للتخفيف من آثار المجاعة، وعندما اكتشفت الحكومة الزامبية ذلك رفضت هذه المساعدات، وقال الرئيس الزامبي: أفضل أن يجوع الزامبيون ولا يأكلون أطعمة معدلة وراثيًّا!

وبعد أيام قلائل قبلت خمس دول إفريقية هذه المواد الغذائية المعدلة وراثيًّا بسبب شدة المجاعة.

وجه آخر لمافيا الإغاثة

ولنتوقف أمام بعض النماذج الصارخة من تلك المنظمات والمؤسسات التي ترفع شعار الإغاثة وتخفي خلف شعاراتها الإنسانية وجهًا قبيحًا يندي له الجبين الإنساني خجلًا:

في أواخر عام 1989م عندما وقعت البوسنة  والهرسك على أيدي قوات الصرب التي ارتكبت بحق المسلمين أشرس حملة تطهير عرقي شهدتها أوربا في القرن العشرين، يومها هام أكثر من مليون ونصف المليون مسلم على وجوههم في الغابات والطرقات وداخل عربات القطارات والصالات الرياضية التي اتخذوها ملاجئ فرارًا من المذابح. حينها لاحت الفرصة للمنظمات الإغاثية الغربية المرتبطة بالكنيسة في جميع دول أوربا تقريبًا لتحاول التقاط هؤلاء اللاجئين المنكوبين، وبالفعل تدفقت هذه المنظمات إلى العاصمة الكرواتية «زغرب» حيث تجمع معظم اللاجئين البوسنيين، فكرواتيا تشترك مع البوسنة في حدود طويلة بل إن البلدين ظلا ضمن كيان واحد هو يوغوسلافيا الموحدة فترة طويلة امتدت لسبعين عامًا.

في تلك الآونة وخلال حرب التطهير العرقي الصربية ضد المسلمين كنت هناك أستطلع أبعاد تلك الكارثة التي حلت بمسلمي البوسنة. وتواترت الأنباء عن انعقاد مؤتمر إغاثي كبير في العاصمة الكرواتية زغرب شاركت فيه كل دول أوربا تقريبًا بزعم إنقاذ أهل البوسنة وإغاثتهم. وقد حضرت ذلك المؤتمر الذي افتتحه يومها رئيس الوزراء الكرواتي لكنني فوجئت بغياب سياسي أوربي واضح عن ذلك المؤتمر، بينما كان كل الحاضرين قساوسة وكرادلة يمثلون كل الطوائف المسيحية في أوربا، جاؤوا لاقتسام الغنيمة وبحث سبل التعامل مع هذا العدد الهائل من اللاجئين المسلمين ولم يكن هناك مسلم واحد يمثل أهل البوسنة سوى مسؤول بوسني وحيد حضر على استحياء، لكن وجود الشيخ جمال قطب مندوب شيخ الأزهر في ذلك الوقت الشيخ جاد الحق علي جاد الحق يرحمه الله ضمن وفد إغاثي مصري كسر حدة الموقف، حيث جلس بعمامته البيضاء بين عشرات القساوسة بعمائمهم السوداء مثل مفاجأة لهم حيث صدرت امتعاضات خافتة من بعضهم.

يومها استقر النقاش في ذلك المؤتمر على توجيه كل الإغاثات المرصودة من الحكومات ومؤسسات المجتمع المدني الغربية إلى الكنائس لتقوم بتنظيم توزيعها وفق أجندتها.

وتحولت الكنائس في كرواتيا إلي ملاجئ للمسلمين وأماكن لتوزيع الإغاثة والبقية معروفة وهي اصطياد هؤلاء المنكوبين ومحاولة خلعهم من دينهم، تلك هي فلسفة الإغاثة الغربية في معظمها، لا شيء يقدم مجانًا وإنما بمقابل والمقابل المطلوب من المسلم هو عقيدته.. وهكذا يتكرر السيناريو نفسه مع كل محنة وكارثة تنزل بالمسلمين في أقطار الأرض، وما يلاقيه اللاجئون السوريون في أوربا اليوم مثال واضح.

 وغني عن البيان أن هناك منظمات تمارس عملها الإغاثي بمهنية وضمير مهني إنساني راقٍ تكرس كل رسالتها للإغاثة وإنقاذ الضحايا بغض النظر عن دينهم.

 كارثة تسونامي

وعندما اجتاحت كارثة تسونامي 13 دولة مطلة على المحيط الهندي في 24 ديسمبر 2004م كانت إندونيسيا من أكثر الدول المنكوبة، حيث فقدت نحو 285 ألف قتيل ومفقود وفق الحصيلة النهائية الصادرة عن وزارة الصحة الإندونيسية.

وعاشت إندونيسيا يومها أزمة حقيقية، حيث تسللت إلى هناك عشرات المؤسسات الخيرية الغربية، منها ما وصل للإغاثة ومنها ما هرع للتنصير أو خطف الأطفال وبيعهم في أسواق التجارة.

وقد أكدت الأمم المتحدة وجود مؤشرات على ذلك، ونقلت برايت لوند هينركسن، رئيسة وحدة حماية الأطفال باليونيسيف في إندونيسيا، عن الشرطة الإندونيسية تأكيدها ضبط حالة اتجار في طفل عمره أربعة أعوام.

ونسبت هينركسن إلى أحد العمال في منظمة غير حكومية مشاهدته لنحو 100 طفل رضيع تم نقلهم بقارب سريع في منتصف الليل في إقليم آتشيه (أكثر الأقاليم الإندونيسية المنكوبة). كما نقلت صحيفة واشنطن بوست الأميركية في عدد 13 يناير 2005م عن فينون بريوير رئيس منظمة وورلد هلب World Help التنصيرية العالمية الأميركية قوله في أحد المؤتمرات الصحافية، إن منظمته نقلت نحو 300 يتيم إلى خارج آتشيه، لكنه حاول نفي ذلك فيما بعد دون جدوى.

وقد أكد الأمين العام للمجلس الإندونيسي للعلماء د. زين شمس الدين معلنًا أنه شاهد متطوعي تلك المنظمة ينتشرون في آتشيه لاصطياد الأيتام.

وهو ما يعد دليلًا قويًّا على أن كثيرًا من منظمات الإغاثة الغربية تتجشم الصعاب بالذهاب إلى مناطق الكوارث والأزمات ليس بدافع الإغاثة وإنما بهدف التنصير عن طريق الإغاثة!

أطفال دارفور

لكن ما جري في دارفور منذ سنوات يعد مثالًا فجًّا ومفزعًا على عقلية التجارة في محن الناس والتكسب من آلامهم وتكديس الثروات على أشلائهم ومحاولة سرقة عقيدتهم بل وحشد الضغوط السياسية لسرقة وطنهم، ولم يعد الأمر سرًّا فقد كشفت الوقائع على الأرض والوثائق وشهادات المسؤولين السودانيين بأدلة دامغة أن معظم منظمات الإغاثة الغربية تدفقت إلى هناك بدافع التجسس والتنصير والاتجار في الأطفال وتحويل تلك المحنة الإنسانية إلى سوق تجارية من جانب وصفقة سياسية لابتزاز السودان ومساومته على مواقفه المعارضة للسياسات الغربية من جانب آخر.

وللتدليل على ذلك نتوقف أمام أشهر منظمتين غربيتين تعملان هناك:

الأولى: منظمة «أرش دو زوي» Arche de Zoé، والثانية: منظمة «التحالف من أجل إنقاذ دارفور» save darfour.

فمنظمة «أرش دو زوي» بمعنى قوس الحياة، هي منظمة فرنسية غير حكومية أسسها رجل الإطفاء الفرنسي أريك بروتو، في يناير 2005م برزت على السطح في إندونيسيا خلال كارثة تسونامي التي حدثت قبل تأسيس تلك المنظمة بشهر واحد (ديسمبر 2004م). وقد أحاطت تلك المنظمة نفسها منذ نشأتها بهالة من الدعاية عن دورها الإنساني الكبير في العناية بالأطفال المنكوبين وحازت بناء على تلك الدعاية ثقة قطاعات عريضة من المهتمين بالعمل الإغاثي في الغرب، وانخدع بتلك الدعاية العديد من الأنظمة في الشرق. فعند تأسيسها أعلنت تلك المنظمة أن هدفها هو إغاثة ضحايا إعصار تسونامي من الأطفال الإندونيسيين. كما قدمت نفسها عبر موقعها الإلكتروني على أنها منظمة غير ربحية تعمل لصالح اليتامى، لكن تلك المنظمة ظلت متخفية وراء شعاراتها البراقة عن العناية بالطفولة حتى تم اكتشاف حقيقة أنشطتها وأهدافها عندما تم ضبطها متلبسة بسرقة 103 من أطفال دارفور عند الحدود السودانية التشادية. فبعد انتهاء مهمتها في إندونيسيا بين الأطفال ضحايا تسونامي دون أن ينكشف شيء من أمرها توجهت إلى دارفور وسط حملة دعائية مكثفة عن مهمتها الإنسانية الجديدة لإنقاذ أطفال دارفور واستحثت العالم الغربي على سرعة التحرك عبر شعار رفعته وروجت له كثيرًا وبطريقة مكثفة، يقول: «أنقذوا أطفال دارفور في الوقت المناسب فسيموتون خلال أشهر». وبالطبع فإنقاذًا لهؤلاء الأطفال من الهلاك أعلنت على موقعها في يونيو 2007م اعتزامها نقل ألف طفل من دارفور إلى فرنسا على مراحل.

شعارات ظاهرها الرحمة

وصدق العالم شعارات تلك المنظمة التي يقطر ظاهرها الرحمة ويخبئ باطنها إجرامًا ووحشية بحق هؤلاء الأطفال، فلم يعرف أحد بعد أنها تخفي وراء تلك الكلمات أغراضًا تجارية وربحية بشعة من خلال الاتجار بهؤلاء الأطفال وبيعهم في فرنسا وغيرها من الدول الأوربية، فقد عملت على تجميع مئات الأطفال بدعوى إنقاذهم من الحروب. وفي إحدى عملياتها التي تم ضبطها وبالتالي فضيحتها في العالم قامت بتجميع 103 من أطفال دارفور تتراوح أعمارهم بين سنة واحدة و8 سنوات في مدينة أبيشي شرقي تشاد تحت لافتة «يتامى دارفور»، وفي سرية تامة قامت تلك المنظمة بالاتصالات بعائلات أوربية من فرنسا وبلجيكا الراغبة في استضافة هؤلاء الأطفال وامتلاكهم، واتضح من الخطابات المتبادلة بين المنظمة والأسر التي يتم ترويج الأطفال لها أن عمليات البيع هي لأطفال «لاجئين» وليسوا «أيتامًا» يتم البحث عمن يتبناهم، فقد ثبت أن آباءهم معظمهم أحياء يرزقون، وسارت صفقة البيع في طريقها دون أن يكشفها أحد ودفعت كل أسرة تريد طفلًا ما بين 1500 و8 آلاف يورو عن الطفل، لكن العملية برمتها انكشفت في اللحظات الأخيــرة يــوم 27/10/2007م عندمــا كان الجناة على وشك الإقلاع من مطار أبيشي بصحبة أولئك الأطفال على متن طائرة بوينغ مؤجرة من شركة «جيرجيت» الإسبانية. وقامت السلطات التشادية باعتقال الضالعين فيها وهم: تسعة فرنسيين ستة منهم أعضاء في المنظمة ومن بينهم أريك بروتو رئيس المنظمة، وثلاثة من الصحافيين، إضافة إلى طاقم الطائرة الإسبانية المؤجرة وهم سبعة من الإسبان (ثلاثة رجال وأربع نساء).

يومها تفجرت فضيحة مدوية للمنظمة التي ظلت تخدع الناس بسمو أهدافها وتفانيها في إنقاذ الطفولة بينما تقوم في الحقيقة بإخراج هؤلاء الأطفال من محنة إلى محنة أشد وأكثر إيلامًا، محنة الاستعباد والتداول كالسلع بالضبط وفي غالب الأحيان ينتهي بهم المقام إلى المشارح لتقطيعهم وبيع أعضائهم قطعة قطعة!

الفضيحة طالت الحكومة الفرنسية على أوسع نطاق وقد حاولت التبرؤ منها في البداية ولكن دون جدوى، فقد شوهد الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي يتوجه بسرعة إلى تشاد ويعود إلى باريس في اليوم نفسه وبصحبته المتهمون الفرنسيون بعد أن ضغط على النظام التشادي لتسليمهم له وعدم تقديمهم للقضاء ثم تواردت الأدلة عن علم السلطات الفرنسية بتفاصيل أنشطة هذه المنظمة الإجرامية، فقد أكد مصدر أمني تشادي أن المتهمين كشفوا أن سيليسيا (زوجة الرئيس الفرنسي في ذلك الوقت، مطلقته حاليًا) تدعم تلك المنظمة ثم اتضح أن الرئيس نفسه يدعمها بدليل تحركه بسرعة لإنقاذ المتهمين من المحاكمة في تشاد.

وكشفت صحيفة «لوموند» الفرنسـية أن وزيــرة الدولــة بالخارجية خاطبت منظمة «أرش زو»، قبل انكشاف فضيحتها بثلاثة أشهر، خاطبتها لمساندة المنظمات الناشطة في مجال العمل الإنساني! ذلك ما ظهر وانكشف عن تلك المنظمة وما خفي كان أعظم.

المنظمات الغربية في دارفور

ولم تكن تلك المنظمة الفرنسية الوحيدة التي تقوم بنشاط مشبوه بين أبناء دارفور، وإنما هناك العشرات بل مئات المنظمات الغربية الأخرى تقوم بأنشطة مشابهة وتصول وتجول هناك تحت ستار الإغاثة، والإغاثة منها براء. ويبلغ تعدادها 258 منظمة أجنبية تضم حوالى 15 ألف عضو وهي تعمل - بالإضافة لعملها في دارفور - بين اللاجئين ومنهم حوالى 200 ألف نسمة يعيشون في تشاد على الحدود مع دارفور!

وتقول مصادر سودانية رسمية إن تلك المنظمات حصلت على إعفاءات جمركية تزيد عن 350 مليون دولار خاصة باستيراد الآليات.

ذلك في الوقت الذي لم يتجاوز وجود المنظمات الإسلامية غير السودانية 12.5% من عدد المنظمات العاملة هناك، وقد وصلت تلك المنظمات إلى المنطقة متأخرة عن المنظمات الغربية التي احتكرت مناطق تواجدها وتمنع غيرها من الدخول إلا بإذن منها.

وأثناء زيارة للسودان كشف لي مسؤول رفيع - خلال حوار مطول عن دارفور - أن عددًا من الدول التي وعدت بتقديم إغاثات عاجلة لدارفور لم توفِ بما وعدت ومنها دول عربية، وذلك استجابة للضغط الأجنبي حتى يتم إفساح المجال للإغاثة الغربية لتنفذ أجندتها الخاصة، كما كشف ذلك المسؤول أن سفيرًا أجنبيًّا في إحدى الدول العربية حاول الضغط على إحدى الجهات الإغاثية الكبرى التي سيرت عددًا من القوافل الإغاثية الجوية إلى دارفور بألا تقوم بتوصيل هذه الإغاثات إلى دارفور مباشرة والاكتفاء بتوصيلها إلى الخرطوم! والمعلوم أن الخرطوم تبعد عن دارفور آلاف الكيلومترات، وقد رفضت تلك الجهة بشدة طلب ذلك السفير ولو أجابت طلبه لتعرضت تلك الإغاثات إلى التلف ولتأخر وصولها أسابيع عديدة.. ماذا يريدون بالضبط من دارفور التي يتباكون عليها، هل فعلًا يريدون إغاثتها؟!

وتؤكد الوقائع الماثلة على الأرض أن تلك المنظمات الكثيرة المتزاحمة هناك لم تكن لإغاثة دارفور، فليس لمعوناتها أثر واضح على أهل دارفور بل إن برنامج الغذاء العالمي أعلن أن أغلب المانحين الغربيين لم يلتزموا بتعهداتهم تجاه دارفور، الأمر الذي يضع علامات استفهام كثيرة أمام الهدف من تواجد تلك المنظمات الغربية ودورها هناك.. هل حقًّا للإغاثة أم لتحقيق أجندات أخرى بعيدة عن الإغاثة والتراحم؟!

وقد لعبت المنظمات الإغاثية الغربية دورًا كبيرًا في تغذية الاضطرابات في السودان، منذ اندلاع أول تمرد عسكري في جنوب السودان عام 1955م، مرورًا بكل دورات الحرب الأهلية في الجنوب من عام 1962م وحتى 1983م، وما حدث في جبال النوبة، وانتهاء بما جري في دارفور.

ويرجع السبب في التركيز الغربي على السودان إلى امتلاكه لثروات طبيعية ضخمة ثم ظهور النفط بقوة، إضافة إلى العديد من الثروات المعدنية الأخرى أبرزها اليورانيوم والنحاس في دارفور، كما أن السودان معروف تاريخيًّا وجغرافيًّا بأنه بوابة الإسلام إلى العمق الإفريقي، لذا فقد كانت محاولة إغلاق تلك البوابة الهدف الأكبر للكنيسة العالمية.

ولذلك تم التخطيط بدهاء لإغراق السودان في غابة كثيفة من المشكلات والحروب الداخلية وفي الوقت نفسه مواصلة الضغط الغربي والدولي لمحاولة تركيعه وقبوله للأجندة الغربية والدخول في حظيرة المشروع الغربي الاستعماري، لكنه رفض وفضل المقاومة والصمود في ساحات تلك المعركة الطويلة.

الحرب على الإغاثة الإسلامية

من جهة أخرى فإنه في الوقت الذي يتم فيه إطلاق العنان للمنظمات والمؤسسات الغربية الإغاثية لتصول وتجول في بلادنا، وتمارس عمليات التنصير والخطف للمنكوبين في كل أرض مسلمة حلت بها كارثة يشن الغرب حملة شرسة ضد العمل الإغاثي الإسلامي، متهمًا إياه بتمويل الإرهاب. وقد قطعت تلك الحملة شوطًا كبيرًا في تجفيف الكثير من منابع العمل الخيري الإسلامي في كثير من بلاد العالم الإسلامي، ومن يتابع النشاط الإغاثي الخيري الإسلامي المنطلق من بلدان العالم الإسلامي إلى المناطق الإسلامية المنكوبة يجد أنه أصبح يعاني تضييقًا شديدًا سواء من السلطات المحلية التي تتعرض بدورها لضغوط متواصلة من الغرب أو من الحكومات التي توجد هذه المنظمات على أرضها لإغاثة شعبها، وقد أسفرت تلك الحملة عن طرد معظم المنظمات الإغاثية الإسلامية من باكستان وأفغانستان وبنجلاديش وكشمير والشيشان وغيرها، كما تم إغلاق مشاريعها التعليمية والاجتماعية والإغاثية التي يشهد الناس لها بأنها انتشلتهم من محنة حقيقية.

كما أن هذه المنظمات والمؤسسات تعاني الملاحقة داخل بلاد منشؤها من الحكومات التابعة لها بسبب الضغوط الغربية المتواصلة على تلك الحكومات، وقد تم وضع عراقيل ومعوقات كبيرة أمام نشاطها وحركتها سواء في تلقي التبرعات من الجماهير أو توصيل تلك التبرعات لمستحقيها في الأماكن الفقيرة من العالم.

حصار شديد

وقد روى لي عدد من قيادات العمل الخيري من أصحاب الخبرة الواسعة في العمل الإغاثي (رفضوا ذكر أسمائهم) أن مؤسساتهم تعاني من حصار شديد ومراقبات ومراجعات لسجلاتها ودفاترها من قبل وفود أمنية غربية، كما تعاني التضييق والمنع من العمل، برغم أن تلك المراجعات والمراقبات لم تسفر عن ضبط أي مخالفات لأنشطتها الإغاثية للمسلمين المنكوبين وأن العديد من المسؤولين في الدول التي يعملون بها أشادوا برسالتهم وبالإنجازات التي حققوها لكنهم عزوا موقفهم إلى الضغوط الغربية!

وهكذا تم شل العمل الإغاثي في كثير من المناطق والدول وما بقي من مؤسسات ذلك العمل فإنه يعمل تحت هواجس الخوف والاتهام بدعم وتمويل الإرهاب، كما أن بعض تلك المؤسسات الإغاثية الإسلامية اتجه للعمل تحت مظلة الحكومات، أي يقدمون ما لديهم من معونات مادية أو عينية للحكومات لتوزعها بمعرفتها، لكن النتيجة كما يؤكد معظم من تحدثت معهم أن جانبًا كبيرًا من تلك المعونات يضيع في الطريق حيث يذهب إلى جيوب المفسدين ولا تصل المعونات لمستحقيها كاملة.

وهكذا وبهذه الطريقة تم إفساح الطريق وإخلاء الميدان للمنظمات الإغاثية الغربية لتتحرك بكل حرية بين اللاجئين والمحتاجين المسلمين ليصيروا نهبًا لها!

ويقول أحد قيادات العمل الخيري: بعد حوالي 3 أسابيع من أحداث سبتمبر 2011م تم تشكيل فريق عمل من وكالات متعددة تحت اسم «عملية البحث الأخضر»، وهو اسم أطلقته وزارة المالية على حملة محاربة المؤسسات المالية الخيرية، ويتكون الفريق من خبراء ماليين من الوزارة ومن أفرع حكومية أخرى، واجتهد الفريق في تقصي كيفية التبرعات «الإسلامية فقط»! واستجيب له في توقيف 38 فردًا وتوجيه الاتهام إلى 26 آخرين وحجز حوالي 7 ملايين دولار داخل أميركا و16 مليون دولار عبارة عن تحويلات في طريقها إلى أوجه صرف مختلفة! وبعد أن نفخت هذه الجهات في أجهزة الإعلام وجعل العالم كله يلوك أخبار «تجميد الأموال للأفراد والمؤسسات الإسلامية داخل أميركا وأوربا»، بعد ذلك شعرت الإدارة الأميركية بتهيئة كافية للرأي العام العربي والإسلامي ليتقبل الخطوة القادمة - أو على الأقل يمكنه التعايش معها كأمر واقع! - فبدأت ترسل وفودًا أمنية للعواصم العربية والإسلامية بمطالب باهظة تدعو في محصلتها النهائية إلى تجفيف العمل الخيري، وتؤكد جميع البيانات والإحصاءات تجميد ما يزيد على 112 مليون دولار في كافة أنحاء العالم.

وبالطبع فإنها كلها أموال مسلمة، وليست العبرة بضخامة المبلغ أو ضآلته، إنما بالرمزية التي بدؤوا بها لتؤكد أن الإجراءات تطال كل الأنظمة في جميع أنحاء العالم.

حرية واسعة للمؤسسات الكنسية واليهودية

يقول أحد الخبراء بالعمل الخيري إنه مما يثير الدهشة أن التخوفات والاتهامات والشكوك توجه فقط للعمل الخيري الإسلامي دون غيره، بينما تلقى المؤسسات الكنسية واليهودية والصهيونية الدعم والتشجيع! فإحدى الإحصاءات بالولايات المتحدة الأميركية تكشف أن عدد المنظمات غير الربحية (التطوعية أو الخيرية) بلغ مليون ونصف المليون جمعية ومنظمة، ولها حق الحصول على نسبة كبيرة من الضرائب المستحقة على الأفراد والشركات والمنشآت، وكثير منها له الحق القانوني في العمل خارج الولايات المتحدة في ساحات النزاع والصراع، وتؤكد الإحصاءات أن 47% من هذه المنظمات يقوم على أساس ديني.

ويذكر كتاب «عطاء أميركا» الذي يصدر دوريًّا أن ثلاثة متبرعين فقط قدموا لهذه الجمعيات المسيحية أحد عشر مليار دولار تبرعات في عام 2000م وحده، وتسعة مليارات دولار في عام 2001م.

أما في الكيان الصهيوني فإن «مركز دراسات القطاع الثالث في إسرائيل»، يذكر أن القطاع الثالث «والمقصود به العمل الخيري» أنجز مشروعات عام 1995م وحده بلغت قيمتها 11 مليار دولار، وظل هذا القطاع محافظًا على ذلك الإنجاز حتى نهاية عام 2002م.

وتقدر بعض المصادر أن الكيان الصهيوني يحصل سنويًّا على مساعدات وهبات مالية تصل قيمتها إلى 15 مليار دولار.

ويقول صاحب الكتاب: إن شهود عيان أثبتوا أن منظمات إغاثية تعمل مع منظمة «رؤية العالم» دأب العاملون فيها على تهديد اللاجئين من السلفادور بوقف الطعام عنهم إن لم يأتوا لحضور القداس البرتستانتي، كما ضرب الكاتب مثلًا بهذه الممارسات بما تم في الصومال، حيث لم يحتمل هذا الشعب المسلم بأكمله أن تتم فيه دعوة للنصرانية فأوسعهم ضربًا حتى غادروه!

:: مجلة البيان العدد  343 ربـيـع الأول 1437هـ، ديسمبر  2015م.