ويقضى الأمر حين تغيب تيم

ولا يستأمرون وهم حضور

هذا حال الشعب الثائر في سوريا الذي ثار على الطغيان رافضًا الذل والهوان، ولم يعد سرًّا بعد إعلان مقررات مؤتمر فيينا أن ما عجز عنه النظام وأسياده في طهران وموسكو تحاول تحقيقه المنظومة الدولية؛ ومن هنا جاءت تركيبة المشاركين في المؤتمر، فبعد مشاركة أربع دول هي السعودية وتركيا وأمريكا وروسيا في اجتماعات تشاورية تمت إضافة 13 دولة منها إيران، وكان القصد جعل الدول المناوئة لبقاء النظام أقلية، وكان الإعلان فاضحًا للنوايا فأهم المقررات تنص على الحفاظ على سوريا موحدة وعلمانية، والحفاظ على مؤسسات الدولة، وقيام نظام لا طائفي، واستبعاد المنظمات الإرهابية من المشاركة في العملية الانتقالية، ومحاربة داعش وأخواتها التي كلف الأردن بنشر لائحة بأسمائها، وكل هذا تم في جو سيطرت عليه ثلاث عمليات: واحدة في حسينية في الضاحية الجنوبية في بيروت، والأخرى تفجير طائرة روسية فوق سيناء، والأخيرة في باريس؛ وكل هذا للإيحاء أن حزب الله وروسيا ضحايا للإرهاب ومن ثمَّ لهم كل الحق في محاربة الإرهاب في سوريا، ومحاولة أيضًا لدفع فرنسا للعمل في سوريا بعيدًا عن المحور التركي السعودي، أو على الأقل أن تحشر نفسها بين أمريكا وروسيا.

وقبل أن نضيع في بنيات الطريق يحسن في هذه العجالة أن نجمع شتات الموضوع الشائك الذي تآلفت من أجله وحوش الشرق والغرب.

لقد كان حزب البعث العربي الاشتراكي بشعاراته القومية والعلمانية مطية للأقليات للتسلق إلى هرم السلطة التي تناوب عليها النصارى والإسماعيلية والدروز، واستقرت السلطة بيد النصيرية بعد انقلاب الأسد، وكان السنة مجرد واجهات وخدم وغطاء لما كان يتم من تصفية وتهجير لرموز السنة ومثقفيهم، ولم يعد خافيًا تحول النصيرية إلى طبقة مميزة في ظل أسرة الأسد الحاكمة، ومن الملاحظ أن النظام ارتبط من بدايته بعلاقات إستراتيجية مع إيران الشاة وتوطدت أكثر مع إيران الخميني، وسمح أو لنقل شجع النظام نشر التشيع بين السنة في سوريا التي أصبحت معبرًا لشيعة المنطقة بدعوى زيارة المراقد المقدسة ومنها إلى حزب الله في لبنان.

برغم أن أمريكا قد اتفقت مع إيران على غزو العراق والتي ساهمت بقوة في دعم الشيعة للاحتلال الأمريكي من موقف السيستاني إلى الأحزاب الشيعية المرتبطة بإيران والتي عبرت إلى العراق وما زالت ممثلة بحزب الدعوة تمسك بزمام السلطة مع استبعاد للشيعة العرب من السلطة، فمن الغريب أنه أثناء الحكم الأمريكي المباشر كانت المقاومة العراقية على أشدها وكانت إيران وسوريا معبرًا للمجاهدين السنة وكما تبين فيما بعد فقد كان هناك تفاهمات بين القاعدة وإيران يبدو أنها ما زالت سارية إلى اليوم، وما يشاع من علاقات وتنسيق في العراق وسوريا وحتى اليمن هو نتيجة للعلاقات القديمة مع المخابرات الإيرانية والسورية المتمرسة في الاختراق والعمل السري المستمد من الفكر الباطني، ومن يعتقد أن بسطاء المجاهدين قد استغلوا عتاة المخابرات الإيرانية والسورية فهو واهم وما نراه أمامنا من منتجات مهجنة خير دليل على ذلك.

لقد كانت أمريكا تحلم بالتفرد بحكم العراق بل والتمدد في المنطقة ولكن إيران نجحت في إغراقها بالعراق وإقناعها بحكم العراق من المنطقة الخضراء وترك أمور الحكم اليومية للسلطة العراقية التي تديرها إيران، وأبعد الجلبي وأتى المالكي ممثلًا لحزب الدعوة الذي ما زال في الحكم، وباختصار فإن إيران تحكم العراق بمظلة حماية أمريكية تعيش هوس تهميش السنة في المنطقة ومنع قيام كيان يعبر عنهم، والتعامل مع إيران على أنها حليف طبيعي في تحقيق هذا الهدف، وعلى هذا الأساس نفهم الموقف الأمريكي من الثورة السورية خلال السنوات الماضية والذي يتلخص في أنه إذا كان لا بد من سقوط النظام فلا بد أن يكون شكليًّا وأن تبقى الدولة العميقة، وأنه إذا فقدت الطائفة النصيرية الحكم فيجب ألا يتفرد السنة أيًّا كان انتماؤهم بالحكم.

منذ بداية الثورة السورية كان هناك اندفاع ذاتي للثورة يغذيه السخط السني من التسلط والإذلال الذي عبر عنه الشعب بشعار «الموت ولا المذلة»، ويصاحبه شعور بعدم وجود النصير بشعارهم المعبر «مالنا غيرك يا ألله»، وكانت هناك محاولة توجيه، وأيضًا كان هناك محاولة تدمير، وكان مسار الثورة في البداية سلميًّا قوبل بالقمع العنيف فتطور إلى حمل السلاح لحماية المتظاهرين ثم دخل البلد في صراع متصاعد، وكان أهم مشاريع الثورة هو تفكيك قاعدة النظام وهي الجيش عن طريق تشكيل الجيش السوري الحر، ولذا كان تدميره هدفًا إستراتيجيًّا وكان إضعافه سببًا في تشرذم قوى الثورة وافتقادها للهدف الإستراتيجي ودخولها في دائرة صراعات نفوذ فكرية وعسكرية، ما سهل دخول قوى أخرى تهدف إلى تحقيق مشاريعها الخاصة على الأرض السورية، ويلاحظ أن الثورة لم تتمكن من إنشاء واجهة سياسية تعبر عنها، ولذا فإن هذه المهمة تكفل بها من يرغب في توجيه الثورة، وتم تشكيل عدة هياكل ناطقة باسم الثورة روعي فيها رغبة الداعمين ولم تنجح لأن صلتها بالثوار ضعيفة، وفي رأيي إن العامل الرئيسي في عرقلة الداعمين هو مراعاتهم للموقف الأمريكي الذي يظهر أنه يمسك العصا من الوسط، فهو من جانب يدعي عدم رضاه عن الأسد وفي الوقت نفسه يمنع بحزم أي سلاح نوعي من الوصول للثوار خاصة مضادات الدروع والطيران، وفي حقيقة الأمر فإن ما يهم أمريكا هو منع انبعاث سني في المنطقة، وهو ما يفسر التغاضي عن الدعم السافر للنظام، بل وتعاملت مع إيران ومن بعدها روسيا على أنهما وكلاء العمليات القذرة في المنطقة.

مع وضوح التنسيق الأمريكي الإيراني في المنطقة من أفغانستان إلى العراق ومن بعدهما سوريا فإن أمريكا تعلن أن إيران أحد أقطاب محور الشر وإيران تلقب أمريكا بالشيطان الأكبر، ولذا يحسن التذكير أن أمريكا قد تهاجم دولة أو تنظيمًا لمجرد إعطائه نوعًا من المصداقية والدعاية، وبالمثل تسمح للأخرين بالهجوم اللفظي أو حتى يكون شعارهم أو صرختهم «الموت لأمريكا» و«الموت لإسرائيل»، وكان ملف البرنامج النووي هو مجرد مقياس لمدى التقدم في المفاوضات حول شؤون المنطقة، وتوج الاتفاق الموقع في عمان بتسليم مهمة ترتيب المنطقة لإيران والسماح لها باستكمال الهلال الشيعي العازل بين الثقل السني في تركيا والسعودية ومصر، فباشرت بالتدخل المباشر في سوريا وإرسال المليشيات من العراق وأفغانستان وباكستان مع دخول حزب الله بكل قوته وتكوين مليشيات محلية داخل سوريا بقيادة الحرس الثوري، ومع وضوح العجز الإيراني عن الحسم وعدم قدرة أمريكا سياسيًّا على التدخل المباشر في سوريا واكتفائها بحماية السلطة في العراق فقد قبلت أمريكا بتدخل روسي مباشر على الأرض السورية، ومن المفارقات أن الهدف المعلن للعمليات الجوية الأمريكية قبل سنتين والروسية قبل شهرين هو محاربة داعش وما نشاهده على الأرض مختلف جدًّا.

الجامع المشترك الحقيقي للجهد الأمريكي والروسي هو مواجهة السنة في المنطقة وإعادة ترتيب المنطقة، ويبدو لي أن أهم ملامح هذه المرحلة هو ما يلي:

أولًا: دخول المنطقة في مرحلة حرجة اقتضت تدخل قوى كبرى متنافسة للتعامل المشترك مع المشكلة نفسها، وهو ما لم يحصل منذ الحرب العالمية الثانية.

ثانيًا: الفشل الإيراني سيقود إلى انتهاء مرحلة الزخم الثوري وعودة إيران إلى الرضا بدور الخادم والتابع المخلص للدول الكبرى في مواجهة المد السني.

ثالثًا: من عمليات الطيران الأمريكية والروسية يلاحظ أن أمريكا تدعم بقوة التنظيمات الكردية توطئة لإعلان كيان كردي معادٍ للعرب والأتراك، بينما تتولى روسيا حماية المنطقة الساحلية لتكون موطنًا لكيان نصيري خالص مما يفسر عمليات تهجير السنة من العرب والتركمان وحتى الأكراد من المنطقة.

رابعًا: يلاحظ أن هناك تحرشًا روسيًّا صريحًا وعلنيًّا بتركيا مترافق مع تحركات أمريكية معادية في الملف الكردي.

خامسًا: هناك محاولات مريبة للتفرد بتركيا بإطلاق الدعوات للحياد في أزمة تركيا مع الروس. والسؤال هنا أن من اتهم أردوغان بأسلمة تركيا فبماذا سيتهم السعودية عما قريب؟!

سادسًا: قناعة الدول الكبرى أن التشيع يخدمهم في المرحلة الحالية، ولذا فبعد مقابلة دافئة وحميمية بين بوتين وخامئني يخرج بوتين بتصريح ناري ضد أردوغان يتهمه بمحاولة أسلمة تركيا! وهذا يعني قناعة بوتين أن كون خامئني نائب الإمام المنتظر مجرد ادعاء فارغ.

سابعًا: أنهم يتكلمون عن سوريا موحدة ومن قبل عراق موحد ويعملون على تقسيمه وتقاسمه.

مما سبق يتبين أن مؤتمر فيينا كان مجرد إعلان موقف أمريكي وروسي موحد يقوم على التمسك بالنظام القائم وأن لعبة المرحلة الانتقالية قد تم استهلاكها في اليمن وأن مخرجاتها ستكون تهميش قوى الثورة الحقيقية وافتعال صراع جديد في سوريا طرفاه النظام السابق بنسخته الجديدة المعدلة والقوى الإسلامية التي ستوصم بالإرهاب، ولا يخفى أن الذي أتى مدعيًا ضرب داعش سيضرب أحرار الشام وجيش الإسلام والجيش الحر ومن أصر على إلباس سوريا لباس العلمانية واللاطائفية سيحاول أن ينزع عنها لباس الإسلام والسنية.

وأخيرًا، نختم بمجموعة من الأخبار التي تحمل مفارقة يحسن الوقوف عندها:

الخبر الأول: أن أمريكا أرسلت لشركة تويوتا تتساءل عن كيفية وصول عدد كبير من سيارات لاندكروزر الحديثة لداعش!

الخبر الثاني: ادعاء الروس أنهم دمروا مئات الشاحنات التي تنتظر دورها لتحميلها بالنفط السوري لنقله لمصافي العراق لحساب داعش!

الخبر الثالث: أمريكا تعلن حظر شركة روسية تقوم بالوساطة المالية بين داعش والنظام السوري!

الخبر الرابع: إعلان أمريكا رغبتها في تجنيد سوريين وتزويدهم بأجهزة اتصال للبحث عن داعش التي تسيطر على أجزاء كبيرة من العراق وسوريا!

الخبر الخامس: بوتين يتهم أردوغان بدعم داعش ويرد عليه أردوغان بتحديه إثبات ذلك ويرد باتهام النظام السوري وحلفائه قائلًا: «إن هناك قوى تحاول إعادة تشكيل المنطقة من خلال استخدام تنظيم داعش الإرهابي».

وأكد أن تنظيم «داعش» يبيع النفط لنظام الأسد، وإن كان لا بد من البحث عن الجهة التي توفر المال والسلاح للتنظيم فينبغي توجيه الأنظار إلى النظام السوري والدول التي تدعمه.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو أن أمريكا التي تسيطر على العراق كونت تحالفًا لسنوات لمحاربة داعش التي تسيطر على نفط سوريا والعراق وتنقله وتبيعه وتخوض المعارك في أماكن متباعدة في مناطق السنة تحديدًا ولفترات طويلة وتحتاج لإمدادات آمنة فمن يجرؤ على اتهام أمريكا وإيران صراحة؟

:: مجلة البيان العدد  343 ربـيـع الأول 1437هـ، ديسمبر  2015م.