بتتبع شبهات الطاعنين في القرآن الكريم منذ نزوله إلى يومنا نجدها تسير في ثلاثة اتجاهات:

الاتجــاه الأول: أن القرآن ليس كلام الله.

الاتجاه الثاني: أن القرآن غير محفوظ ولا مقدس فقد طرأ عليه النقص والخطأ والتحريف.

الاتجاه الثالث: إحداث فهم مغاير لفهم المسلمين يضاهي ما جاء في الكتاب والسنة وأقوال الصحابة رضي الله عنهم والتابعين.

على هذه الاتجاهات الثلاثة تدور رحى الطاعنين في القرآن، وحولها أجلبوا بخيلهم ورَجْلهم. وهذه الاتجاهات الثلاثة تصب في سبيل تحقيق هدف واحد رئيس وهو قطع طريق الخلائق عن الله سبحانه وتعالى، ليعيش الناس حياة عبثية لا تصادم الأهواء والشهوات. وقد سار الطاعنون في القرآن في الاتجاهات الثلاثة وهاموا في أودية سحيقة، ففي الاتجاه الأول ادعوا دعاوى عديدة وأثاروا شبهات غريبة! جذرها يعود إلى وقت نزول القرآن، حيث تعددت أقوال المشركين في كون القرآن ليس من كلام الله، فمرة قالوا كذب من محمد صلى الله عليه وسلم استعان عليه بأناس من اليهود والنصارى[1]، {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذَا إلَّا إفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا} [الفرقان: ٤]، والإفك في القرآن هو الكذب[2].

ومرة قالوا أساطير الأولين، {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذَا إلَّا إفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا} [الفرقان: ٤].

وأستاذ هذه الدعوى وأول مثيرٍ لها هو النضر بن الحارث و«كل ما في القرآن من ذكر أساطير الأولين فإنما هو بسبب قول النضر بن الحارث».

ومرة زعموا أنه من كلام رجل أعجمي غير عربي، {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} [النحل:103].

وأصبحوا في القرآن متشرذمين مختلفين، كما قال تعالى: {الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ}[الحجر:91].

ووصل العناد ببعض الطاعنين في القرآن إلى ما حكاه  الله عز وجل عنهم فقال: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ} [الأنعام:91].

بل ذهب الغلو ببعض الطاعنين في القرآن السائرين في هذا الاتجاه إلى القول بأن الله لم ينزل كتابًا قط!، {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ}[الأنعام:91].

كل ما سبق من هذه الدعاوى كان في زمن نزول القرآن، ثم تتطورت الدعاوى والشبهات في هذا الاتجاه على أيدي المستشرقين وتفننوا في تقليبها على أوجه عديدة[3].

شبه تهافت كالزجاج تخالها

حقًّا وكل كاسر مكسور[4]

وقد كُتبت في مناقشة دعاوى هذا الاتجاه عدة بحوث ورسائل علمية منها على سبيل المثال:

أ) النبأ العظيم للدكتور محمد عبد الله دراز.

ب) آراء المستشرقين حول القرآن الكريم وتفسيره للدكتور عمر بن إبراهيم رضوان.

ج) بحث للدكتور رضا محمد الدقيقي مكون من ثلاثة أقسام:

1- الوحي إلى محمد صلى الله عليه وسلم بين الإنكار والتفسير النفسي.

2- الوحي إلى محمد صلى الله عليه وسلم هل هو صوت داخلي.

3- النبي محمد صلى الله عليه وسلم والمرجعية هل ثمة تحول؟.

وفي الاتجاه الثاني أثار الطاعنون في القرآن حول كتابته في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وجمعه في عهد أبي بكر وعثمان رضي الله عنهما، وما تبع ذلك من الرسم العثماني والقراءات القرآنية وما يُنسب لبعض الصحابة رضي الله عنهم من مصاحف.. شبهات ومزاعم عدة تدور حول حدوث خلل ووجود نقص وحصول تحريف في القرآن بغية الوصول إلى نزع قدسيته وأنه غير محفوظ.

وقد كُتبت في مناقشة هذه الدعاوى عدة كتب وبحوث تبين وتفند مزاعمهم الباطلة، أذكر منها على سبيل المثال:

١- جمع القرآن دراسة تحليلية لمروياته، للدكتور أكرم الدليمي.

٢- المصاحف المنسوبة للصحابة رضي الله عنهم والشبهات المثارة حولها، لكاتب هذه المقالة.

٣- القراءات القرآنية والرسم العثماني في كتاب تاريخ القرآن للمستشرق نولدكه عرض ونقد، للدكتور مالك حسين.

٤- تاريخ القرآن عند الإثنى عشرية للدكتور عبد العزيز الضامر (تحت الطباعة).

أما في الاتجاه الثالث وهو إحداث فهمٍ مغاير لفهم المسلمين يضاهي ما جاء في الكتاب والسنة وأقوال الصحابة رضي الله عنهم والتابعين، فهو اتجاه قديم له خيط دقيق يمر عبر التاريخ بطوائف وأشخاص من الجهمية والباطنية والمعتزلة وأهل الكلام ونحوهم، ويستمر هذا الخيط بالمرور مكونًا كومة ملتفة من الخيوط الواهية مستقرة في أحضان أصحاب القراءة المعاصرة الذين لهم في إحداث فهم مغاير لفهم المسلمين عدة اتجاهات: «فمنهم من يستبيح حرمة النص ولا يرى له قيمة إلا بإغراقه في الخيال وبعده عن الحقيقة إذ النص الذي يعكس الواقع لا قيمة له عنده إلا أنه ينتهي بحسب رأيه بانتهاء ذلك الواقع الذي عبر عنه، وبناءً عليه فليس للإسلام وجود خارجي عن أذهاننا وتصوراتنا وليس له حقيقة نهائية جاهزة بل هو مجرد أنماط وتصورات وصور وكلمات واستيهامات ينبغي تحليلها وتفكيكها بغية تحرير الإنسان العربي من سجنها، ومنهم من يتهم نصوص الوحي بحجب الحقيقة ويتعامل معها بمنطق بوليسي؛ لذا يتوغل في قراءتها ويفكك بنيتها ويعريها ويفضحها لتبوح له بما تسكت عنه وتخفيه، ومنهم من يدعو إلى الرمزية والنظر من خلالها إلى القرآن على أساس أنه مجرد علامات ورموز تدل على مفاهيم نظرية وفلسفية غايتها السيطرة على الواقع وإخضاع أهله والهيمنة عليهم، إلى آخر جعل أساسه في فهم القرآن قائمًا على مبدأ نفي الترادف والمشترك معًا أو نفي الترادف دون المشترك ورأى أنه من آخر ما توصلت إليه الألسنية الحديثة»[5].

ولقد كان لعلماء الإسلام منذ بزوغ هذا الفهم للقرآن المغاير لفهم المسلمين جهود فائقة في نقضه وكشفه بدءًا بكتب العقائد التي ألفها الأئمة كأحمد والبخاري والدارمي وابن تيمية إلى دراسات وبحوث كثيرة لباحثين معاصرين منها:

١- تهاف القراءة المعاصرة، للدكتور منير الشواف.

٢- بيضة الديك، ليوسف الصيداوي.

٣- الحداثيون العرب في العقود الثلاثة الأخيرة والقرآن الكريم دراسة نقدية، للدكتور الجيلاني مفتاح.

٤- القراءة المعاصرة للقرآن الكريم، للدكتور محمد محمود كالو.

٥- ظاهرة التأويل الحديثة في الفكر العربي المعاصر، للدكتور خالد السيف.

ونخلص ختامًا إلى أن في توصيف مدار شبهات الطاعنين في القرآن والهدف من وراء كل شبهة مثارة عدة فوائد، من أبرزها:

1- رسوخ الحجة وثبات القدم.

2- الدقة في كشف الشبهات المثارة ونقضها.

3- سلوك الطرق الصحيحة في الانتصار للقرآن.

4- المعالجة العلمية والمنهجية لظاهرة الطعن في القرآن.

وإن للطاعنين في القرآن مدارات أخر كمنهجهم في انتقاء الشبه وعرضها لا يكادون يخرجون عنها.

 

:: مجلة البيان العدد  343 ربـيـع الأول 1437هـ، ديسمبر  2015م.


[1] جامع البيان للطبري 17/398، البسيط للواحدي 16/406، ومعالم التنزيل للبغوي 6/72، والجامع لأحكام القرآن 15/368. 

[2] ينظر: تفسير ابن أبي حاتم 8/2663. 

[3] ينظر في ذكرها ونقضها كتاب: آراء المستشرقين حول القرآن الكريم وتفسيره 1/381. 

[4] الغنية عن الكلام وأهله للخطابي ص18. 

[5] الحداثيون العــــرب في العقود الثلاثة الأخيرة والقـرآن الكــريم دراسة نقدية  ص125- 126.