الربيع الجديد في العراق

لم يكن هذا الربيع مفاجئاً لمن عرف أرض العراق، فهو ثورة النخيل الأنبارية بفروسية الصحراء، ثورة العراقيين برماحهم المثقفة من أم الرماح الموصل الحدباء، وهي كذلك ثورة الرجولة السامرائية بنكهة صلاح الدين، بل ربما يُختصر وصف هذه الثورة ببطولات ديالى وباقي مدن وقصبات العراق؛ إنها ثورة العراق، كل العراق، فتحت بوابة الحرية إلى منطلقها الثوري ليقتلع بقايا مشروع المحتل في صفحته السياسية.

ثورة الربيع العراقي في قراءتها الأولية من خلال منطلقاتها الفكرية ومحركاتها الداخلية، جاءت لتستكمل ما بدأته المقاومة العراقية في إنجازها التاريخي بتكبيد المحتل الأمريكي شر الهزائم بضرباتها المتلاحقة والنوعية، فراح يبحث في مراكز دراساته العسكرية عن كيفية للخروج والانسحاب تحت جنح الظلام، وكان من الطبيعي ألا يخرج من دون أن يبقي بعده وكلاء يأتمرون بأمره يديرون مشروعه في الصفحة السياسية، ولأن هذا المنعطف حساس ويحتاج إلى معادلة في العلاج غير التي عالجت بها المقاومة العراقية قوات الاحتلال الأمريكي فأوقفت تمدد مشروعه؛ كان لا بد من صيغة أخرى تمارَس لتنظيف الساحة العراقية من أدران هذا المشروع، فكان الربيع العراقي هو الحل الأنجع لمثل هذا، فبدأ بمعالجة الوضع العراقي منذ الخامس والعشرين من شباط عام 2011، واستمر بتواصل دؤوب لتسعة أشهر أو تزيد عانى فيها العراقيون شتى أنواع التضييق والتعذيب، كان من بينها إدخال شقاوات (بلطجية) المالكي إلى ساحات تظاهرهم، ناهيك عن عمليات الاعتقال وتلفيق التهم وإطلاق مشاريع التمييع بالانتظار لمائة يوم، أو ما شاكل من أعمال تريد إجهاض حركة الشعب نحو تغيير النظام.

لقد عملت حكومة نوري المالكي على تضييق الخناق على ثورة الخامس والعشرين من شباط بقتل كل صوت يرتفع مناهضاً لمنهجها الإجرامي، وما مقتل الصحفي العراقي هادي المهدي وسط بغداد داخل منزله إلا واحدة من هذه الجرائم.

لكن حياة الشعب العراقي وانتماءه الأصيل يأبى إلا أن يعاود ممارسة الحياة بأبهى صورها، فكانت نقطة الانطلاق أنبارية بنكهة موصلية وبرؤية عراقية جامعة وأهداف تلخصها الشعارات المرفوعة التي ردَّدتها حناجر العراقيين في الساحات الثورية: «الشعب يريد التغيير» و«الشعب يريد إسقاط النظام»، ووصم رئيس الحكومة الاحتلالية الخامسة بـ «كذاب كذاب نوري المالكي»، لكن من بين أهم شعارات الثورة التي تبيّن مدى وعي الثوار ومعرفتهم بالأهداف الحقيقية لثورتهم، كتبوا عليها (المالكي اليد الضاربة لإيران والشابندر الناطق الرسمي باسمها)، وهذه اللافتة تدلل بشكل جلي وواضح على أن الثورة تريد اقتلاع هذه الشرذمة التي تتبع الدولة الإقليمية المتمددة عبر العراق، وهي إيران، وضرورة قطع الطريق عنها؛ من خلال إزالة هذه الحكومة ورجوع العراق للعراقيين، ومن هنا صارت الثورة العراقية متلازمة مع الثورة في سورية، فالقاتلان كلاهما في العراق وسورية ينتميان لإيران؛ منهجاً وفكراً واتباعاً، فكان من الطبيعي للشعبين الثورة عليهما وإنهاء وجودهما ليعود البلدان يحكمهما أهلهما لا العملاء.

وهناك في أقصى الشمال العراقي في الموصل الحدباء رفع الثائرون لافتة تبيّن المنهج المتبع لجميع الثوار في ساحات العراق، تقول هذه اللافتة التي حرص الثائرون على إظهارها أمام شاشات الإعلام (لن نسكت بعد اليوم).

ربما ما يلخص المشهد الثوري في العراق أن هذه الثورة حملت بين نبضاتها ما اختزنته جراح العراقيين خلال سنواتهم العشر الأخيرة، فالشعوب الحية لا تنسى جراحها، وهي مهما أصابها الضعف وبدا عليها الهزال إلا أنها تحمل في داخلها نواة حياتها التي سرعان ما تعيد ازدهار شجرة حياتها الوارفة، وهذا ما يحدث في العراق اليوم.

لقد راهن المرجفون والأعداء ومن في قلوبهم مرض على أن برد الشتاء القارس، والعراق معروف بدرجتي برودته وحرارته المتطرفتين وكذلك هطول الأمطار؛ كفيل بردع المتظاهرين وفض اعتصام المعتصمين، لكن خاب فألهم وشاهت وجوههم، فالأمطار التي نزلت بغزارة على كل العراق في أول أيام اشتعال الثورة أنبتت صحراء الأنبار رجالاً أشداء يتحدون الصعاب، بل إن بريق الغيوم أشعل أرض العراق اعتصاماً، فبدلاً من بقائها في الأنبار وُلدت ساحات أخرى في سامراء وتكريت والموصل، بينما أغرقت الأمطار طرقات بغداد وحوصرت الحكومة الفاشلة ولم يعد بين يديها ما تفعله سوى إعلان العطلة الرسمية لمواطنين حوصروا في الطوابق العليا من منازلهم، ومن المفارقة أن تأتي الإهانة من شريك للمالكي في عمليته السياسية، النائب صباح الساعدي، بوصفه المالكي بأنه بطل للمجاري (شبكات تصريف المياه)، كناية عن فشله في أبسط متطلبات الحياة في ظل موازنة مالية مليارية.

وهنا يأتي دور مهم للعلماء وخطباء المساجد والدعاة في حشد الناس وحثهم على إمكانية التغيير وأن زمان السكوت ولّى إلى غير رجعة، فخرج الناس إلى ساحات الصحراء لا يلوذون بطرقات ولا بنايات، إنهم وسط الصحراء، أعدادهم ملأت واسع الأفق، حتى إن كاميرات التسجيل حارت كيف تأخذ زواياهم الممتدة على آفاق واسعة. اختيار الأرض الفلاة له دلالة كبيرة في الحراكات، فليس هناك من شاخص يلوذ خلفه المتردد، وإنما الجميع في أرض مفتوحة والأهداف معلنة غير مخفية: «الشعب يريد التغيير»، و«الشعب يريد إسقاط النظام».

الاعتصامات العراقية والمظاهرات التي احتضنتها ساحاتها، انطلقت من أجل الكرامة والإباء والحرية ورفع الظلم ونصرة المعتقلين، فمن الطبيعي أن تكون ثورة عراقية لرفع الظلم بكامل أشكاله السياسية والاجتماعية والإنسانية.

من بين تصديات حكومة الاحتلال لهذه الثورة تثقيفها متحدثيها والمصرحين باسمها وأدواتها التأجيجية، بوصف الثائرين بأوصاف جاهزة وتهم مستهلكة ردّدوها كثيراً حتى أصبحت ممجوجة وإسطوانة مشروخة، ومن بين ما قالوا عن هذه الاعتصامات أنها اعتصامات من أجل الخدمات وتردّي الواقع الخدمي... وما إلى ذلك من احتياجات الناس، ومن ثم يطرحون حلولاً ترقيعية لسحب البساط الذي سار عليه الثائرون، لكن وعي شباب الثورة أضاء على منطلقاته فظهرت واضحة من دون مواربة أن شعب العراق ما خرج من أجل كسرة خبز ولا لأجل دينار ودرهم، فالشعوب الحرة لا تستجدي حياتها، بل إن الخروج والثورة كان من أجل الكرامة والحرية بطعمها الثوري الذي أبهر المتابعين، ليعود خبر العراق يتصدر نشرات الأخبار بأن ثمة شعباً ثائراً لا يرتضي العيش في الذل والقهر والانزواء.

الثورة الشعبية التي انطلقت من ساحات الأنبار شعت نوراً على كل العراق لتؤذن بالتغيير والخلاص، فالعراقيون اليوم، كل العراقيين، مثلما وصلوا إلى قناعة تامة بأن محتلاً لا يبني بلداً، كذلك أيقن الجميع أن من جاء معه ومن اشترك معه ما هم إلا مجموعة عملاء لا يملكون من الأمر شيئاً سوى ما تركه لهم المحتل من مساحة للسرقة والنهب المنظم والعشوائي، فلذلك تحددت منطلقات الثورة العراقية منذ يومها الأول بأن الشعب يريد التغيير الجذري من الأساس لا يكون فيه الأمر سوى لأهل العراق.

ومن خلال نظرة تحليلية لانطلاقة هذه الثورة وأسبابها أقول: إن الأسباب مختزنة داخل كل عراقي غيور على بلده لا يرتضي تبعيّته لأي قوة، لكن انطلاقة التظاهرات تزامنت مع اعتقال المالكي لحماية وزير المالية الدكتور رافع العيساوي، وذلك يعني أن السلطات الحكومية التابعة لها تلك الساحات سمحت بخروج الناس، لكن من المؤكد أن أحداً من هؤلاء المنخرطين في الحكومة لم تكن في حساباته تلك الأعداد المليونية، وتفاجأ أكثر بطبيعة المطالب التي سرعان ما ارتفع سقفها للمطالبة بإسقاط الحكومة والتغيير، مع أنها تدرجت من المطالبة بإنهاء سياسة الإقصاء والتهميش والاستفراد بالحكم، ثم المطالبة بإنهاء حالة الانتهاكات الصارخة باعتقال النساء وتعرّضهن للتعذيب وشتى أنواع الانتهاكات الإجرامية، لكن المطلب الرئيس الذي اجتمعت عليه ساحات الاعتصامات؛ هو تغيير النظام وإنهاء حكم هذه الشرذمة التي تستمد بقاءها من الأمريكان مستندة إلى جارة السوء إيران.

وربما يراهن أحدهم على أن مثل هذا الحراك غير المستند إلى قوة خارجية لن يرى مطالبه تتحقق على أرض الواقع. أقول: نعم، فالعراقيون على يقين بأن الحراكات في كل البلدان تستند إلى الأسباب التي تمدها في الديمومة وربما لن ينجح هذا التحرك في الوقت الحاضر، وهنا لا نريد أن نحبط أحداً بقدر ما نناقش الأمور بعقلانية التحليل السياسي، فكل شيء قابل للنجاح ومعرّض للإجهاض، لكن لا ننسى أن مثل هذا الحراك أثبت للعالم أجمع أن الشعب العراقي حي ويختزن أسباب ثورته ويتأهب للانطلاق بها في أي لحظة مناسبة.

ختاماً أقول: إن ربيع العراق وحَّد العراقيين جميعاً نحو أهدافهم ورسمها بدقة وأزال من سمائهم كل غيوم المخططات الاحتلالية وما يضمره المتنفذون في السلطة تبعاً لتوصيات إيران التي تحاول ابتلاع العراق وجعله ضيعة لبلاد فارس تؤمّن تمددها في المنطقة بعد أن بدت بوادر انفلات حلقة سورية، بيد أن المفارقة العجيبة أن كثيراً من المحللين كانوا يرون انطلاقة الثورة العراقية بعد نجاح الثورة في سورية، لكن عراق الأمة فاجأهم جميعاً فانطلق قبيل انتهاء الأوضاع في سورية ليستقبل انتصارها وهو منتصر.

:: مجلة البيان العدد 307 ربيع الأول 1434هـ، فبراير 2013م.