لبلاد الشام - وسورية منها - فضائل استثنائية ذات خصوصية تجعلها أفضل بقاع الأرض عند الله تعالى بعد مكة والمدينة، وتلك الفضائل فاضت بها نصوص الوحي - كتاباً وسنة -، وهي فضائل جعلت للشام أوضاعاً استثنائية أيضاً طوال تاريخها وعلى أرضها، حيث شهدت حياة وممات عشرات - إن لم يكن مئات - الأنبياء والمرسلين، وعلى رأسهم أبو الرسل والنبيين إبراهيم - عليه السلام -، الذي بنى المسجد الأقصى في فلسطين من أرض الشام، ثم بنى بعد ذلك بأربعين سنة المسجد الحرام في مكة المكرمة.

وتبعاً لهذه الاستثناءات الدينية والتاريخية، تتابَع على أرض الشام التي بارك الله فيها، صراعُ الأطماع، فتناوبتها جيوش الغزو حتى صارت أكثر بقاع الأرض تعرّضاً للاجتياح.

وفي العصر الحديث تقاطعت مخططات القوى الدولية هناك، وتنافَس النصارى بأصنافهم على حجز رقعة من النفوذ فيها، ولم يتأخروا عن استلاب أفضل بقاعها - وهو بيت المقدس - ليكون موطئاً ثم موطناً قومياً لأسوأ الخلق، وهم اليهود، مع زرع بذور الشقاق بين أهل الشام، مستغلين وجود طوائف فيهم لا تحمل ولاءً لدين الإسلام ولا انتماءً لأهله، وعلى رأسهم غلاة الشيعة المسمّون قديماً النصيريين، والذين خلع الفرنسيون عليهم لقب (العلويين).

كان إحكام السيطرة على الشام جوهرَ الحملة الصليبية المعاصرة التي لم تنتهِ بعد، والتي تظاهر فيها الثالوث المعادي لأهل الإسلام عامة ولأهل السنة والعرب خاصة - وهم طوائف اليهود والنصارى والباطنيين - ولا ننسى رابعهم وهم أهل النفاق والشقاق من العلمانيين، الذين يعملون خدماً لكل المعادين والمعتدين.

اقتضت خطط إضعاف الشام - بعد «سايكس بيكو» - أن يكون للباطنيين شأنٌ في سورية ولبنان ليظلوا مناوئين للسنة وأهلها، وهذا ما سارت عليه المخططات وآلت إليه التطورات، فالفرنسيون الذين أقاموا للباطنين دولة رسمية باسم (دولة العلويين) من عام 1920 حتى عام 1936؛ لم يتخلوا عن دعمهم ودفعهم حتى آل إليهم أمر سورية كلها بانقلاب حافظ الأسد عام 1970م، ليكونوا، هم من جهة واليهود والنصارى من الجهة الأخرى، حاجزَ منع يحول بين شام الإيمان والسنة وبين العودة لأمجاد الإسلام.

والآن..

تفور سورية بثورة سنية عربية في وجه الطغيان والهيمنة النصيرية راح ضحيتها حتى اليوم ما يقرب من 45 ألفاً من القتلى، ومئات الآلاف من الجرحى والمهجّرين. ولن أخوض طويلاً في تفاصيل تلك الثورة، فأحداثها يعايشها الجميع لحظة بلحظة، حتى صار الكثيرون غير قادرين على الخروج من أَسرها ودائرتها المغلقة إلى استشراف الأوضاع المفتوحة المرهونة والمربوطة بما يراد لكامل الشرق الأوسط في مرحلة (ما بعد الربيع العربي)، حيث يراد لهذا الشرق أن يَشْرق بثوراته، وأن ينفض عن انتفاضاته، إلى أوضاع أسوأ مما كان عليها! ولا عجب؛ فالله تعالى يقول عن أعدائنا: {وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ} [آل عمران: 118]، ويقول: {مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْـمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ} [البقرة: 105]، ويقول: {إنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا} [النساء: ١٠١].

الغرب لم يصنع الثورات العربية كما يظن البعض، لكنه يريد القفز فوقها، وإجهاض مستقبلها، وتجيير نتائجها لصالحه، واستراتيجيته الواضحة في ذلك لا تخرج عن أمرين: إما الإفشال والتوريط في الفوضى، وإما الاستقرار المرتبط بعدم الخروج عن المعادلات الدولية والإقليمية التي تضمن سيادة قوى الاستكبار العالمي على كل العالم، وبخاصة منطقة الشرق الأوسط بمعناها الواسع.

لكن ذلك لا يعني أن الغرب على كل شيء قدير، أو أنه قد أحاط بكل شيء علماً، فالله تعالى يقول: {لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ} [النور: 57]. وقد أعطتنا أحداث العقد الأخير - ومن ضمنها الثورات العربية - تفسيراً واقعياً معاصراً لتلك الآية، ولذلك فحديثنا عما يريدون ويخططون لا يعني اليقين في استجابة الواقع السنني له، إلا في حال تلبسنا بأحوال تجري السنن الإلهية علينا لا لنا؛ كالتفريط في فريضة الاعتصام، والتخلي عن أخذ الحذر، والاستهانة بعداوة العدو، والجهل بطبيعة تحركاته وتحالفاته، وقلة الأخذ بالمستطاع من القوة لمواجهته.

الواقع السوري - كغيره - لن يخرج عن مجرى السنن، سواء من جهة استمرار المكر الكبّار مما يسمى (دول المركز) المجسّدة لعالمية «أئمة الكفر»، أو من جهة استحقاقات نصر المستضعفين الذي قضى الله أنه لا يُمنح إلا بشروطه.

لذلك؛ فالأرجح أن سقوط النظام في سورية لن يكون خاتمة المطاف، فالطريق أمام الإسلاميين لا يزال طويلاً، ولا أتصور أن يُسلِّم أعداء القرآن والسنة اختياراً بنهاية تجعل لأهل السنة الحقيقيين - سياسيين كانوا أو ثواراً مجاهدين - ملاذ أمن وتمكين في الأرض المباركة بالسهولة المتخيَّلة، مضيفين بذلك عوامل دعم وقوة إضافية للإسلاميين في كل من مصر وفلسطين اللتين تشهدان حالة من الحراك المؤثر في الساحة الإقليمية بانعكاساتها العالمية. ولذلك؛ فإن على المهتمين بالشأن السوري - وكل الصادقين مهتمون - ألا تأسرهم لحظات التطورات الراهنة عن مراحل التغييرات القادمة، حيث لن يتوقف المكر بأهل السنة هناك، مثلما لم يتوقف ذلك المكر عن أهل السنة في العراق - مجاهدين كانوا أو سياسيين - حتى آل أمرهم إلى ما هم عليه الآن، حيث لم يظفر أهل السنة هؤلاء لا بثمار مشروع جهادي ولا بآثار مشروع سياسي؛ لأن أعداء الأمة نجحوا في الوقيعة بين أصحاب المشروعَين حتى انشغلوا بالحرب بينهم عن الحرب مجتمعين على عدوهم. على السوريين ألا يُلدغوا من الجحر ذاته الذي لدغ منه - ولا يزال يلدغ - السنة العراقيون.

وإذا كانت الاحتمالات التي ستؤول إليها الأوضاع في سورية مفتوحة ومتنوعة؛ فإن أبرزها - من جهة أعداء سورية - سيناريوهان اثنان: أحدهما: تهيئة أوضاع تحرم السنة عموماً، والإسلاميين منهم خصوصاً، من الاستقلال بحكم سورية، وقطف ثمرة الثورة التي كانوا لها وأهلها؛ وذلك بترتيب أوضاع أخرى تسمح بشراكة حقيقية في السلطة للطائفة العلوية - باستثناء أسرة الأسد -؛ لقناعة الغرب بأن انفراد العلويين بالسلطة لم يعد ممكناً. والعلويون المختارون هذه المرة لن يكونوا متحالفين مع إيران ولا روسيا، لكن عملاء أصلاء للغرب الذي جاء بهم، مع شراكة أخرى لنصارى سورية الذين لا يقلون عدداً عن إخوانهم النصيريين. وفي تلك الحال - إن وقعت - فإن سورية ستكون «دولة شركاء متشاكسين».. ينسيهم الاشتغال بالولاء للعدو البعيد من النصارى، عن الانشغال بعداوة العدو القريب من اليهود!

وسيكون هذا الأمر - في حال وقوعه - استنساخاً للوضع الذي قام في لبنان، ثم في العراق، ثم في السودان، بتأثير التناقضات الداخلية التي لم تُعالج، والتدخلات الخارجية التي لم تُواجَه.

وقد بدت بوادر التوجه الدولي والأممي نحو ذلك الخيار بإنشاء (الائتلاف الوطني السوري)، الذي أبدت (وثيقة العهد الوطني) الصادرة عنه أنه لا يمانع أو يتمنع أو يملك المناعة من هذا السيناريو.

السيناريو الثاني:

استغلال الرفض المتوقع من القوى الثورية الفاعلة على الأرض من الثوار والمجاهدين عاجلاً أو آجلاً لهذا الخيار؛ في تمهيد الأرض نحو خيار التقسيم؛ بدفع الأطراف المتعارضة والمتناقضة نحو احتراب يسعى فيه كل طرف إلى أخذ نصيبه بالقوة من الفريسة التي عجز عن التهامها الأسد!

وهناك احتمال ثالث - هو أملنا ورجاؤنا - بأن يحصل تأييد إلهي غير مرتب له من أحد - كما حدث في شأن الثورة نفسها - يقلب الطاولة على المتآمرين ويصنع معطيات جديدة لمرحلة جديدة.

لكن احتمال إشغال الإسلاميين السنة بالصراعات مع غيرهم من الطوائف والاتجاهات؛ هو احتمال لا ينبغي تجاهله، أو رسم الاستراتيجيات على أساس استبعاده، فسورية مستهدفة منذ عقود طويلة - مثل العراق - بالتشتيت والتفتيت، حتى لا يصلب لها عود بالإسلام لمواجهة العدو اليهودي المجاور لها، والجائر على المنطقة كلها.

لهذا؛ فقبل الدخول في صلب الكلام أريد التنبيه إلى ما يلي:

1 - هذا المقال جاء في سياق سلسلة عن (حديث التقسيم بين قادم وقديم)، ولذلك فإنه يغطي ذلك الجانب المحذور فقط دون بقية الجوانب الأخرى التي لها مقامات أخرى.

2 - الكلام عن التقسيم لا يعني أنه حتم مؤكد، لكنه أيضاً وارد وغير مستبعد، ولذلك ينبغي من الآن إدراج احتمالاته القوية - في نظري - ضمن أي استراتيجية، سياسية كانت أو ثورية.

3 - استراتيجية مواجهة ذلك الخطر في سورية على التفصيل؛ شأن أهل الشأن هناك، وليس شرطاً على من يدق ناقوس الخطر أن يرسم تفاصيل مواجهة ذلك الخطر.

4 - احتمالات التقسيم إذا حصل التحسّب لها والتحوط لخطرها ولم تحدث على أرض الواقع، فاليقظة والحذر لا يضران، لكن الضرر يقع عند التعامي عن التعامل مع ذلك الخطر، حتى يتحول إلى واقع مفجع مفاجئ، كما حدث في العراق والسودان اللتين جرى التعامل فيهما مع التحذير من خطر التقسيم على أنه مجرد تأثر بـ «نظرية المؤامرة».

مجرد مراجعة:

لأن هذا المقال يجيء في سياق تكملة لمقالي السابق بعنوان (حديث التقسيم)، فلعل من المناسب أن يكون جزءٌ من تحليل الوضع القائم والقادم في سورية بهذا الخصوص، متناولاً أموراً مهمة، وهي:

ــ ما نصيب سورية من خطط التفتيت المعلنة سابقاً؟

ــ ما مؤشرات وتجليات السير الواقعي باتجاه تلك الخطط لاحقاً؟

ــ ما طبيعة مواقف الأطراف الداخلية والخارجية ومواقعها من رسم خريطة ذلك التغيير المحتمل؟

وفيما يخص الأمر الأول سنحتاج إلى استعادة نصوص التآمر الخاصة بسورية في مخططات التقسيم التي أشرت إليها إجمالاً في المقال السابق.

* ففي وثيقة (كرانجيا) التي صدرت ضمن كتاب (خنجر إسرائيل) عام 1957م؛ قضت تلك الخطة في جزئها الخاص بسورية بأن تقسَّم إلى ثلاث دويلات: سنية ودرزية وعلوية.

* وفي تقرير المنظمة الصهيونية العالمية المنشور عدد 14/2/1982م في مجلة اتجاهات (كيفونيم) الإسرائيلية؛ جاء الكلام عن تقسيم سورية كما يلي: «إن تفكيك سورية والعراق في وقت لاحق إلى أقاليم ذات طابع قومي وديني مستقل، هو هدف دولة (إسرائيل) الأسمى في الجبهة الشرقية على المدى القصير، وسوف تتفتت سورية تبعاً لتركيبها العرقي والطائفي إلى دويلات عدة، وعليه فسوف تظهر على الشاطئ دويلة علوية، وفي منطقة حلب دولة سنية، وفي منطقة دمشق دويلة سنية أخرى معادية لتلك التي في الشمال، وأما الدروز فسوف يشكلون دويلة في الجولان التي نسيطر عليها».

* أما المخطط الشهير لـ (برنارد لويس)، مستشار وزير الدفاع في إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق (جيمي كارتر)، والذي أشار إليه شمعون بيريز في كتابه (الشرق الأوسط الجديد)؛ فقد وُضع في أواخر السبعينيات، وأشار صاحبه - فيما يخص سورية - إلى ضرورة تقسيمها، على أن يكون للعلويين دولة على امتداد الشاطئ، ودولة سنية في حلب، وأخرى في دمشق وما حولها، ودولة للدروز في الجولان وأجزاء من لبنان وفلسطين.

* وقد تضمن تقرير (رالف بيترز) المنشور في مجلة القوات المسلحة الأمريكية في (عدد يونيو 2006م)، أن سورية ينبغي أن تقسَّم على النحو التالي:

1 - دويلة للعلويين على امتداد شاطئ البحر المتوسط.

2 - دويلة سنية في منطقة حلب.

3 - دويلة للدروز في الجولان المحتل يضم إليها جزء من لبنان وشرق الأردن.

ويلاحظ هنا التقارب بين محتوى الخطط المتسرّبة أو المسرّبة، وأن القاسم المشترك بين فريق «المقتسمين» أنهم جميعاً صهاينة، سواء كانوا إسرائيليين أو أمريكيين، وسواء كانوا يهوداً أو نصارى.

الانقسام مقدمة التقسيم:

نلاحظ أيضاً أن السنوات الفاصلة بين وضع الخطط والشروع في تنفيذها بحسب المستجدات والتطورات؛ لا تمضي في الانتظار السلبي، بل هي سنوات إعداد وإمداد يُستفاد منها في تكريس الانفصام المفضي إلى الانقسام والموصل إلى التقسيم. ويكفينا أن نتأمل في سنوات ما قبل تقسيم العراق وسنوات ما قبل تقسيم السودان؛ كيف جرت الأمور باتجاه تعميق الشروخ حتى تصبح صدوعاً تستعصي على العودة إلى الالتحام أو الالتئام.

وقد جدّدت تطورات الثورة السورية الحديث عن خطط التقسيم، حتى إن كثيراً من المحللين السياسيين، بل القادة المتنفذين، اعتبروا أن خطر التقسيم ليس وهماً، بل هو احتمال قائم، وخطر قادم؛ إذا تهيأت ظروفه وسنحت فرصته.

فقد أعرب الملك عبد الله ملك الأردن عن مخاوفه من تقسيم سورية، وقال في مقابلة معه بثتها قناة (سي بي سي) الأمريكية في (7/8/2012م): «إن الرئيس السوري بشار الأسد يمكن أن يسعى لإقامة منطقة لطائفته العلوية إذا لم يتمكن من السيطرة على سورية بأكملها»، وتابع: «أعتقد أن هذا سيكون بالنسبة لنا أسوأ سيناريو؛ لأن ذلك يعني تقسيم سورية، ويعني أن كل فريق سيبدأ بالسيطرة على أرض إذا حدث انهيار داخلي، وسيخلّف ذلك مشاكل يستغرق الخروج منها عقوداً».

وبدوره، حذر رئيس وزراء تركيا - رجب الطيب أردوغان - من تقسيم سورية في حديث صحفي له نُشر في (26/7/2012م)، موضحاً أن هذا التقسيم سيؤدي إلى صراع مسلح بين المذاهب المختلفة، وقال: «الصراع المذهبي في سورية يتطور بشكل مختلف عن الصراع العرقي، وسيؤدي إلى ظهور وضع أكثر صعوبة».

وقد أكد الكاتب والمحلل السياسي المخضرم (محمد حسنين هيكل)، مؤخراً في حديث لجريدة الأهرام المصرية في (32/9/2011)؛ قناعته بأن ما يشهده العالم العربي من ثورات إنما هو مقدمة لـ «سايكس بيكو» جديدة لتقسيم البلاد العربية وتقاسم مواردها ومواقعها، وقال: «أكاد أرى خرائط كانت معلقة على الجدران ترفع الآن وتطوى، لأن المشاهد اختلفت، فالمواقع العصية تأدبت أو يجري تأديبها، والمواقع الضائعة استعيدت أو أنها تستعاد الآن، وكل ذلك تمهيد لفصل في شرق أوسط يُعاد الآن تخطيطه وترتيبه وتأمينه حتى لا يفلت مرة أخرى». وأضاف هيكل: «التقسيم في المرة الأولى كان تقسيماً جغرافياً وتوزيع أوطان، ولكن التقسيم هذه المرة تقسيم موارد ومواقع».

وفي إشارة إلى التخوف من تقسيم سورية قال هيكل: «التدخل العسكري الأجنبي في سورية في هذه اللحظة مخيف، والبديل بالغزو الأجنبي في هذه الظروف يصعب تقدير عواقبه، خصوصاً بعدما جرى في العراق واليمن والسودان وأخيراً... ليبيا».

وفي مقالة للكاتب الأمريكي الشهير (توماس فريدمان) نشرتها له جريدة الشرق الأوسط بتاريخ (28/7/2012م) نقلاً عن صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية؛ أعرب ذلك الكاتب عن التخوف من السيناريو ذاته، حيث قال: «قام نظام الأسد بقتل الثوار عن عمد؛ حتى يتسنى له تحويل الثورة إلى صراع طائفي بين الأقلية العلوية الحاكمة بقيادة عشيرة الأسد، والأغلبية المسلمة السنية في البلاد، ولهذا فقد يكون البديل لدكتاتورية الأسد تفكيك سورية، حيث سيتراجع العلويون إلى معاقلهم الساحلية، بينما قد تشتعل حرب أهلية طاحنة».

ومن جانبه، أكد الدكتور عبد الله النفيسي - الاستراتيجي البارز - في حوار مع قناة العربية في (17/6/2012)؛ أن إيران لن تسكت على سقوط الحكم العلوي في سورية؛ لأن سورية هي الرئة التي تتنفس بها إيران، وإذا سقط النظام السوري فلا بد أن تتدخل إيران؛ لأن ذلك سيكون طامة كبرى على النظام الإيراني.

ولهذا؛ أكد كثير من المراقبين أن كلاً من إيران وروسيا والصين ستدفع باتجاه الإبقاء على النفوذ العلوي الموالي لها في جزء من سورية، حتى لو سقط حكم بشار، فكما أن لسورية أهميتها القصوى بالنسبة لإيران باعتبار أنها منفذ لها إلى البحر المتوسط، وأنها الوسيط الوحيد لتقوية وإبقاء ذراعها العسكرية في الشام ممثلة في (حزب الشيعة اللبناني)؛ فإن روسيا أيضاً لا مطل لها على البحر المتوسط إلا من خلال قاعدتها العسكرية في ميناء طرطوس على الساحل السوري، وكذلك فإن الصين غاضبة من إصرار أمريكا على حرمانها من مصالحها الاقتصادية والنفطية في الشرق الأوسط بإسقاط أكثر النظم العربية تعاوناً معها.

العلويون.. فاعل ومفعول:

أسبغ الفرنسيون اسم (العلويين) على طائفة غلاة الشيعة المعروفة تاريخياً بالنصيرية، وهم أسوأ طوائف الشيعة الثلاث (الاثنا عشرية، الزيدية، والنصيرية)، فهم الأشد غلواً وانحرافاً، حتى قال فيهم ابن تيمية - رحمه الله -: «ليسوا يهوداً ولا نصارى ولا مسلمين»، وقال: «هؤلاء القوم المسمون بالنصيرية هم وسائر أصناف القرامطة الباطنية أكفر من اليهود والنصارى، بل وأكفر من كثير من المشركين، وضررهم على أمة محمد أعظم من ضرر الكفار المحاربين مثل كفار التتار وغيرهم» (الفتاوى: 35/636). ومع ذلك مكَّن لهم النصارى في الشام عندما احتلوها بعد الحرب العالمية الأولى، لدرجة أن أقاموا لهم دولة استمرت ستة عشر عاماً، لكنها سقطت سنة (1936) عندما أجمع السوريون على رفض سياسة التقسيم الأرعن والمتعجل من الاستعمار الفرنسي، الذي أوجد في سورية ست دويلات، هي: (دولة دمشق، حلب، العلويين، جبل الدروز، لبنان الكبير، لواء الإسكندرون).

لكن العلويين بعد سقوط دولتهم ظلوا حالمين بالكيان المستقل وساعين إلى استعادته، ولم تمضِ بضعة عقود حتى استعادوا السلطة، لا على الساحل الغربي لسورية فحسب، بل على سائر الأرض السورية؛ من خلال الانقلاب العسكري الذي نفذه الضابط النصيري (حافظ الأسد) سنة 1970 على زملائه في القيادة العسكرية، ومن بعدها عمل العلويون بقيادته على جمع مفاتيح النفوذ كلها بأيديهم مدة ثلاثين سنة هي حكم حافظ الأسد، ثم مدة اثنتي عشرة سنة هي حكم ابنه بشار حتى اليوم.

النصيريون كانوا يستوطنون الجبال على الساحل الشرقي للبحر المتوسط بدءاً من عكار جنوباً إلى جبال طوروس شمالاً على الأرض السورية، ولهم امتداد في لواء الإسكندرون الذي كان أرضاً سورية منحتها فرنسا لتركيا العلمانية، وعدد العلويين السوريين يبلغ نحو مليوني نسمة من مجموع السكان الذين يصلون - بحسب إحصاء سنة 2010 - إلى ثلاثة وعشرين مليوناً، وفي تركيا يبلغ تعدادهم في لواء الإسكندرون السوري نحو مليون نسمة.

وممن يصنفون ضمن العلويين في تركيا طائفة (البكداشية)، وهي فرقة شبيهة بالشيعة، لكنها تجمع بين التصوف والتشيّع، تأسست في القرن السابع الهجري، ويدّعي العلويون في تركيا أنهم يبلغون 20 مليوناً، وبعض التقديرات تقصرهم على 13 مليون نسمة، وعلى كل الأحوال فإن عداء هؤلاء الظاهر والباطن لأهل السنة فرصة لن يفوتها أصحاب مشروعات التشتيت والتمزيق.

انفصال العلويين.. خيار أم اضطرار؟

الطائفة العلوية كلها - وليس النظام فحسب - ستكون عند سقوط نظام بشار في بؤرة الاستهداف من الثوار والمجاهدين، ولهذا فقد يظهر المجتمع الدولي بمظهر «المتفهم» لقضية إعطائهم حق «تقرير المصير» بتوفير ملاذ آمن لهم يقيمون فيه كياناً خاصاً بهم، إنقاذاً لهم من «الإبادة الجماعية»! هذا إذا لم تفلح سياسة دمجهم القسري ضمن مكونات الدولة الجديدة، وستكون روسيا والصين على رأس المدافعين عن «حق» القتلة في تقرير المصير!

وقد توارد الحديث في الآونة الأخيرة عن توجه بشار الأسد إلى تجميع قوى العلويين العسكرية والاقتصادية لتحويلها إلى منطقة اللاذقية، حيث معاقل الذئاب الجديدة عند سفوح الجبال الساحلية، تلك المناطق التي ستعلو الشكاوى الشعبية منها - كما يتوقع - طلباً للحماية الدولية، وتبرؤاً من الحقبة الأسدية.

بدأ الأسد - كما يشير مراقبون أيضاً - بتحويل مخزون سورية من الذهب والعملات الأجنبية إلى مناطق الساحل، وكذلك بدأ بنقل الأسلحة الثقيلة، وربما الكيماوية، إلى المناطق الغربية؛ لتكون أساساً يبنى عليه جيش الباطنيين الجدد.

أكراد سورية في جدول الانفصال:

أكراد سورية كذلك يحلمون بالانفصال، وهم يشكلون نحو 8 - 10٪ من السكان، ومعظمهم ينتسب إلى الطائفة السنية، لكن بعضهم علويون، وفيهم يزيديون ونصارى، وهم بمجموعهم أقل عدداً من أكراد العراق وأكراد تركيا، ومعظمهم يعيش في إقليم الحسكة شمال شرق سورية، ولهم أيضاً وجود ملموس في حلب.

الأكراد السوريون لهم ارتباط بأكراد تركيا مثلما لهم ارتباط بأكراد العراق، فأكثرهم قدموا من تركيا التي طورد الأكراد فيها طويلاً، وارتباطهم بأكراد العراق وجداني وعضوي وفكري، حيث يجسد زعماؤهم العلمانيون (طالباني وبرزاني) المثل الأعلى لزعماء الأكراد السياسيين في سورية، الذين يغلب عليهم أيضاً الطابع العلماني.

الأكراد في سورية دخلوا في حديث التقسيم، لا تجاوباً مع إرهاصات الانفصال الراهنة بعد الثورة السورية فحسب، بل منذ أن نجح إخوانهم في (كردستان العراق) في الانفصال الفعلي الذي ينتظر فقط الاعتراف الدولي بهم ككيان سياسي مستقل، فهؤلاء الآن - بدعم الأمريكيين والإسرائيليين والأمم المتحدة - لهم حكومة وجيش وبرلمان وعلم ونشيد وطني، بل وطابع بريدي!

كردستان العراق «المنفصلة» صارت إذن حُلم (كردستان سورية) على طريق (كردستان الكبرى) التي يتطلع إليها جميع الأكراد للنهوض باسم (القومية الكردية) نكاية في الذين طالما تطاولوا عليهم باسم (القومية العربية) التي فرقت المسلمين ولم تجمع العرب!

لأكراد سورية ذرائع في الانفصال، منها: أن النظام البعثي تعمد طمس هويتهم بدعوى القومية العربية، وهم يتطلعون بعد الثورة إلى بعث خاص بهم مثلما حصل مع إخوانهم في العراق، ولذلك كان موقفهم من الثورة السورية هو عدم المشاركة فيها انتظاراً لما سيحدث في نهاية الأمر. ومن ذرائعهم أيضاً أن أكثر موارد سورية من الغاز والبترول تقع في مناطقهم، ومع ذلك فإنهم من أكثر السوريين فقراً، مع كونهم من أكثرهم تعليماً.

ويتذرعون كذلك بأنهم لا يشعرون بتجانس فكري مع السنة العرب، وبخاصة الإسلاميين منهم. وبالنظر إلى أن الزعامات العلمانية الكردية لها تأثير كبير عليهم، فقد وقعت مشاحنات كثيرة أثناء الثورة بينهم وبين العرب السنة، وصلت إلى حد الادّعاء بأنهم يواجهون خطراً جديداً على هويتهم من الثوريين - وبخاصة السلفيين -، ولذلك ظهرت دعوات إلى التوحد العسكري في مواجهة ذلك الخطر بعد سقوط النظام، بل تعالت أصوات في اجتماع عُقد في مدينة أربيل الكردية العراقية؛ بضرورة تفعيل اتفاقيات للتعاون العسكري بين أكراد العراق وأكراد سورية في مواجهة الإسلاميين العرب! وصرح متحدث باسم ذلك الاجتماع - بحسب صحيفة الشرق الأوسط (16 - 11 - 2012م) - بأنه «تم الاتفاق على تشكيل قوة مسلحة لإدارة المناطق المحررة في كردستان سورية ولتملأ الفراغ الذي سيخلفه النظام».

الأكراد لم يُذكروا صراحة في خطط التقسيم الصهيونية المنشورة عن سورية، ولعل هذا يرجع إلى أن المخطَّطَ له هو إلحاقهم بإقليمهم مع كردستان العراق، ليكونا ضمن (كردستان الكبرى). ومن المعروف أن دولة (كردستان الكبرى) هي أحد المعالم البارزة في مشروع (الشرق الأوسط الجديد) الذي تبنته الإدارة الأمريكية في عهد جورج بوش الابن، وقد ظهر ذلك واضحاً في (خريطة الدم) التي كشف عنها تقرير (رالف بيترز).

الدروز والحماية المشتركة:

الدروز كالعلويين؛ ليسوا يهوداً ولا نصارى ولا مسلمين - كما قال عنهم أهل العلم أيضاً[1] - لهذا فهم في فريق المعادين، ولذلك فهم مذكورون في خطط التقسيم كلها، لكنهم لقلة عددهم في سورية (ثلاثة أرباع المليون)، لا يُنتبه لخطر انفصالهم. الدروز هم حماة المحتلين اليهود في الجولان، واليهود كذلك يحمونهم، ولهذا فإن قيام دولة سنية في سورية ستسعى يوماً إلى تحرير الجولان، سوف يصطدم بالأساس الوجودي للدروز، ومن ثم فإن فرص إحياء دعاوى «الاستقلال» الدرزي ستظل واردة في السنوات القليلة القادمة.

السنة العرب.. بين البيع والشراء:

أما أهل السنة في سورية فهم أهل الأرض وأصحاب البلد، فهم يمثلون 70 - 80 ٪ من السكان، وهم أيضاً - وبخاصة العرب منهم - صناع الثورة وجمهورها في مرحلتها السلمية، ثم جنودها ووقودها في مرحلتها العسكرية، وقد جرى تسليحهم بحذر بعد تحول الثورة من الطابع السلمي إلى الطابع المسلح، وكان اختلاف مصادر التمويل سبباً في اختلاف الأجندات بين بعض الفصائل الثورية. بعض الثوار المقاتلين شعروا بأن تسليحهم لم يحصل إلا لغرض مؤقت، وهو التخلص من النظام الموالي لإيران، ودلَّ على ذلك مبكراً ربط استمرار تسليحهم وتمويلهم باتفاقهم على قيادة موحدة «يمكن التفاهم معها»! تكون قادرة على جمع السلاح بمجرد انتهاء سقوط البعث واستقرار النظام الجديد، الذي لن يُسمح له بالخروج بأي حال عن «قواعد اللعبة» التي حددها «المموّلون» من البلدان الغربية والعربية. ومكمن الخطر هنا؛ أنه يمكن أن يتكرر نفس السيناريو الذي جرى في العراق، فالجماعات التي لن تتخلص من سلاحها بعد «التحرير» سيجري العمل على التخلص منها، وقد يكون ذلك على أيدي (صحوات) يتم تسليحها لتكون ثورة على الثوار، كما كانت جماعات الصحوة في العراق مقاوِمة للمقاوَمة.

الغربيون وحلفاؤهم لا يقدمون خدمات مجانية أبداً، فليسوا «جمعيات خيرية» ذات أهداف إنسانية، بل هم دائماً يطلبون أضعاف ما يعطون، وما يحدث في ليبيا بعد الثورة أوضح مثال على ذلك. والقيادة العسكرية الموحدة التي دعت إليها الدول الغربية مبكراً ثم بدأت ببلورتها بعد إنشاء (التحالف الوطني السوري)، سيشترط منشئوها عليها أن تستجيب لكل الطلبات (الاستخباراتية) بجمع بيانات وأعداد وعتاد المقاتلين وخلفياتهم الفكرية وتخصصاتهم المهنية والعسكرية، بحيث يساعد هذا في مراحل لاحقة على تتبّعهم وملاحقتهم!

أما المجموعات العسكرية والسياسية المرتبطة بالغرب؛ فسيجري إضفاء الشرعية الكاملة عليها سياسياً، وربما دينياً، بحيث لا يمرَّر قرار في أي شيء من وراء ظهر من أعطوها هذه الشرعية، وبهذا قد يحيون المصطلحات الخبيثة التي اخترعها أهل النفاق في العراق عن «مقاومة شريفة» وأخرى غير شريفة!

هناك أهداف محددة تقف وراء التحرك المتعلق بجماعات الثوار من السنة العرب، منها: التمهيد للتحكم في الحدود، بحيث يجري الضبط والرصد وربما الوقف لتدفق المتطوعين الوافدين من خارج سورية، ومنها: فرز القوى الإسلامية في الداخل لتسهيل عملية التعامل معها أمنياً وعسكرياً في مرحلة ما بعد سقوط النظام، ومنها: استثمار الخلافات التي ظهرت والتي يمكن أن تظهر بين مجموعات الثوار، لتحييد من ترى قوى الغرب تحييده، وإبراز من ترى إبرازه.

وبما أن للأمريكيين على وجه الخصوص تجارب كاملة في التعامل بخبث مع الإسلاميين باستثمار نجاحاتهم وخطف انتصاراتهم؛ فقد ظهر ذلك علناً على ألسنة مسؤوليهم، فلا حاجة إلى الكتمان؛ لأن العرب - كما يقولون - لا يقرؤون، وإذا قرؤوا لا يتعظون، وإذا اتعظوا لا يتحركون!

صرح باراك أوباما خلال مناظرته الثالثة في (22 - 11 - 2012) مع منافسه المهزوم (ميت رومني)، بأن أمريكا ستعمل في رئاسته الثانية على دعم (قوى الاعتدال) في سورية، وستعمل على التثبت من أن الذين ستساعدهم أمريكا سيكونون أصدقاء لها ولحلفائها على المدى البعيد!

واضح أن الأمريكيين وحلفاءهم الأوروبيين، وكذلك قسماً من شركائهم في العداوة للإسلام من الملحدين الشرقيين؛ سيعملون - إذا تغافل السوريون عما يخططون - على تحقيق ما سبق تحقيقه في العراق وأفغانستان، باستخدام السنة أداة في تحقيق أغراضهم، ثم يهمشونهم أو يشوهونهم أو يهشمونهم وفق طريقتهم المفضلة «اكسر بالعصا ثم اكسرها».

دور أهل السنة الآن؟

هو إفشال تلك الخطط، وإحباط ذلك التوجه، والمقترح في ذلك:

1 - عدم تمكين العلويين النصيريين من تكوين غالبية سكانية بعد التحرير في المناطق الساحلية، وكذلك الأقليات الأخرى المعادية، بل العمل على توزيعهم - على المدى المتوسط والبعيد - على مختلف المناطق السورية.

2 - بناء جسور من التواصل والتصالح مع الأكراد السنة السوريين؛ لعزل القيادات العلمانية الساعية إلى الانفصال أو الاقتتال، مع عدم السماح أيضاً بأن يكونوا هم الأغلبية السكانية في المنطقة الشمالية الغربية.

3 - نشر ثقافة الأخوة الإسلامية من منطلقات عقيدية؛ لهدم مشاعر العداوة والبغضاء التي أفرزتها الفكرة العلمانية الهدامة المسماة «القومية العربية».

4 - إرساء قواعد العدالة الإسلامية بين مجموع مواطني سورية على الأسس الشرعية التي لا تقر الظلم والجور.

5 - التعامل قانونياً ودستورياً مع دعاوى الانفصال على أنها من قبيل «الخيانة العظمى»؛ لأنها تصب في مصلحة العدو، وتنال من وحدة سورية واستقلالها.

6 - التحسُّب اليقظ لمحاولات «تقسيم» المشروع الإسلامي السوري إلى شطرين متناكفين: «سياسي» و«جهادي»؛ بل العمل على الدمج الدائم لهما وعدّهما مشروعاً واحداً لسورية موحّدة.


 
**  "البيان" تنشر ملف شامل ومواكب لأحداث الثورة السورية

:: مجلة البيان العدد 307 ربيع الأول 1434هـ، فبراير 2013م.


[1] الفتاوى (35/161)، وفتاوى اللجنة الدائمة (2/399).