تدلُّ الكثير من المؤشرات والشواهد التي ظهرت في الآونة الأخيرة، على دور صهيوني لا تخطئه العين في إرساء واقع عربي ممزق متناثر يصل إلى مرحلة «التشظي»، بحيث تنعم إسرائيل باستقرار نسبي حين تنشغل الدول العربية المقسمة ببعضها بعضاً.

فعديد من الدول العربية في المنطقة شهدت تحركات جماهيرية ضد أنظمتها الاستبدادية، وهو ما دفع تلك الأنظمة للزجّ بشعوبها في أتون صراعات داخلية دامية على أسس مختلفة: سياسية، اجتماعية، عرقية، ودينية؛ لتحقيق أهداف معينة، أهمها: إرجاء ساعة الصفر المتمثلة في سقوطها كلياً عن سدة الحكم.

ويتمثل الدور الصهيوني في مخطط التقسيم بافتعال صراع سني - شيعي بين المسلمين كمحطة محورية لجعل الصراع أكثر ضخامة وحِدّة، فيتحول إلى فتنة بين الشعوب والطوائف والأديان، ليشمل المسلمين والمسيحيين، العرب والبرابرة، العرب والأتراك، والعرب والإيرانيين، وهكذا.

فالعملية الأساسية تهدف إلى نشر الكراهية الطائفية والعدائية الدينية والانقسامات العرقية في المنطقة؛ من خلال العمل على زعزعة استقرار البلاد التي تتمتع بخطوط تقسيم طبيعية، فعندما يشتعل العداء والصراع الطائفي والعرقي والديني في بلد عربي ما، سيمتد هذا الصراع لباقي دول المنطقة.

وتعتقد دوائر صنع القرار في الكيان الصهيوني أن النماذج العملية لتحقيق ذلك التقسيم تتمثل في البلدان التالية:

1 - الصراع الدائر في ليبيا قد يمتد إلى نيجيريا وتشاد.

2 - الحرب الأهلية المشتعلة في سورية ستمتد إلى لبنان وتركيا.

3 - الاضطرابات التي شهدتها مصر في أوائل الثورة سعت إسرائيل وحليفاتها للإيقاع بين المجلس العسكري والقوى الإسلامية.

4 - تشهد السودان عديداً من الاضطرابات الداخلية، وتم التلاعب على مستوى الهوية السياسية في البلاد، ما أدى إلى انفصال جنوبه عن شماله.

من جهته، يقول «دوري غولد»، رئيس مركز القدس للشؤون العامة ومستشار رئيس الوزراء الصهيوني «بنيامين نتنياهو»، إن ما يحدث في المنطقة العربية هو نقطة لخلق شرق أوسط مختلف تعمّ فيه الفوضى، ويعتبر تحقيقاً لأمنيات وطموحات بعيدة لدى صانعي السياسة الصهيونية المهتمين جداً بالتطورات الإقليمية.

ما يعني أن تل أبيب مستفيدة مما يحدث، لأن لديها مصلحة برؤية البلدان العربية منقسمة إلى أجزاء متقاتلة، وفي حالة حرب أهلية مستمرة، باعتبار ذلك مفتاح الضغط الرئيسي في الشرق الأوسط، لأن خلق الفوضى فيها سيؤدي إلى انهيار إقليمي.

ولذلك؛ تسعى إسرائيل إلى تطبيق سيناريو مفضل لديها من خلال إثارة نعرات حقوق الأقليات في بلدان عربية بعينها، وأن تسيطر الحروب الأهلية الطائفية عليها، وتشتعل النزاعات المسلحة فيها، ما سيسفر في النهاية عن حالة من عدم الاستقرار فيها، وانتشار عدم الأمان والاستقرار السياسي.

وفي هذه الأجواء تبرز «إسرائيل» كعامل رئيس في تقرير توجّهات المنطقة عندما طرح «شمعون بيريز» مشروعه الذي دعاه «الشرق الأوسط الجديد» برعاية ودعم الولايات المتحدة ومباركة أوروبا، وإذا كانت الفكرة ليست جديدة في الاستراتيجية الصهيونية، فإن ما هو جديد في طرحه التغير الحاصل في النظام العالمي، وانتقاله من القطبية الثنائية إلى نظام أحادي بهيمنة أمريكية، والنتائج التي تمخضت عنها حرب الخليج الثانية، وما تلاها، بَدءاً من انعقاد مؤتمر مدريد، ثمّ الإعلان عن اتفاق «أوسلو» مع الفلسطينيين، واتفاقية «وادي عربة» مع الأردن، كإضافة ضرورية لاتفاقية «كامب ديفيد» مع مصر.

ويتبلور الموقف الإسرائيلي في النظرة التجزيئية لمنطقة الشرق الأوسط في تقسيم المنطقة إلى المجموعات التالية:

1 - الجزيرة العربية والخليج.

2 - شرق البحر المتوسط.

3 - شمال إفريقيا.

ولعل أخطر ما في مشروع «بيريز» أنه يُطرح والعرب في أشد حالات التفكك والانهزام الذاتي، والتشتت وغياب الإرادة العربية، واستنفاد طاقاتهم في عدد من الخلافات أو الصراعات التي لا طائل لها، فضلاً عن طرحه في مجرى التحولات الدولية، وفي وقت وصل فيه النظام الإقليمي العربي إلى أسوأ حالاته.

ويمكن هنا أن نعدّد أهم مخاطر هذا المشروع التقسيمي للمنطقة العربية على النحو التالي:

1 - المخاطر الناجمة عن أهداف المشروع الصهيوني، ومن خلال مفهوم أصحابه، فهو يفصح عن العلاقة الوطيدة بين تحقيق المشروع والمناداة به، وبين إلغاء الهوية العربية للمنطقة، كما يوضح العلاقة بين الوجود الصهيوني وتكريس التجزئة والتبعية في المنطقة العربية، ما يفسر تعزز القيمة الاستراتيجية لـ «إسرائيل» في إطار السياسة الغربية والأمريكية.

2 - سيؤدي تحقيق المشروع التجزيئي إلى تمييع القضية الفلسطينية، وطمس الحقوق الوطنية، بحيث يصبح من الممكن أن تحقق «إسرائيل» هدفها الأساسي؛ «إسرائيل الكبرى» جغرافياً، كما أصبح من الممكن الحديث عن «إسرائيل العظمى» اقتصادياً، بما يؤدي إلى تحقيق هيمنتها على المنطقة بكاملها.

3 - ما يمكن تحقيقه في المشروع؛ مزيدٌ من التبعية والإلحاق والهيمنة، وليس كما يعلن عن تحقيق التنمية الاقتصادية والعدالة والتكافؤ، بحيث تحقق «إسرائيل» اختراقها العملي للأسواق العربية، من خلال خضوع العرب لمعادلة جديدة في تقسيم العمل على النحو التالي: النفط الخليجي + الأيدي العاملة المصرية + المياه التركية + الفعل الإسرائيلي.

ومن ثم، فإن النتيجة المنطقية للمشاريع التقسيمية العربية حصول اختلال إضافي في ميزان القوى، بحيث تكون الأهداف العربية مكشوفة بلا غطاء أمام القوة العسكرية الإسرائيلية، ما سيفقد العرب مزيداً من القدرة الاستقلالية للقرار السياسي والاقتصادي، وهو ما يهدد المصالح العربية الحيوية، من خلال اللجوء إلى سلسلة من الخطوات الخطيرة، من أهمها:

1 - نزع الصفة العربية للمنطقة.

2 - دمج «إسرائيل» في نسيج المنطقة.

3 - تعزيز الانقسام والتجزئة بين البلدان العربية.

4 - إغلاق الباب نهائياً أمام التكامل الاقتصادي العربي، وربط البلدان فرادى بالاقتصاد العالمي عن طريق الاتحاد الأوروبي.

وهنا لا بد إن أردنا فهم واستيعاب نظرة «إسرائيل» للمنطقة العربية؛ التطرق إلى عدة عناصر رئيسة، أهمها:

الأول: الموقع الاستراتيجي الذي تحتله المنطقة العربية (غرب آسيا وشمال إفريقيا) بوصفها الجسر الذي يربط أوروبا بالشرق الآسيوي والجنوب الإفريقي، وما تمتلكه من طرق بحرية وبرية وجوية كصلة وصل استراتيجية اقتصادية ثقافية بين القارات.

الثاني: وجود الاحتياطات الهائلة من النفط، فضلاً عن عوائد تصديره، وانطلاقاً من موقف حاسم يقوم على عدم التفريط بقرار النفط من جهة، وعدم التفريط بعائداته من جهة ثانية، ومن ثم إحكام السيطرة الغربية على هذه المادة السحرية استكشافاً وإنتاجاً وتسويقاً، مع إبقاء العائدات في دورة رأس المال العالمي.

الثالث: رعاية الوجود الصهيوني وضمانه ممثلاً في «دولة إسرائيل»، ما يستوجب أن تكون قوية وآمنة لتقوم بدورها في استمرار تخلّف العرب وتفرقهم وتكريس قطريتهم وتجزئتهم.

وانطلاقاً من هذه النظرة، عمل الغرب والولايات المتحدة على إشراك «إسرائيل» بالضرورة في تقسيم العرب، وإعاقة تقدمهم، ومنع التعاون والتنسيق بينهم، والقضاء على أي أمل في الوحدة؛ من خلال زرع «إسرائيل» في قلب الوطن العربي لضمان تحقيق أهداف التخلّف والتبعية والتجزئة نفسها، بإرادة «غربية» أصيلة.

موقع حنين أنفو.

:: مجلة البيان العدد 305 محرم 1434هـ، نوفمبر 2012م.