تستمد كثير من الأمم قوتها ومنعتها من وحدتها العضوية التي تربط أفرادها بعضهم ببعض؛ فعلى مر التاريخ الإنساني كانت الجماعات التي امتازت بكثرة أعدادها قادرة على تنويع مصادر دخلها، ما يثريها اقتصادياً، ويقوي جيوشها بما يجعلها مهيبة الجانب قادرة على الدفاع عن أراضيها ومصالحها.

ومصطلح الوحدة تتغيّر صوره وأشكاله، حيث تراوح بين الوحدة السياسية والجغرافية، مروراً بالوحدة كمفهوم فكري يجمع المنتسبين إليه رغم تباعدهم، وانتهاءً بالوحدة كتطبيق اجتماعي ينصهر فيه الأفراد مُشكلين نسيجاً مترابطاً يجمعهم وفقاً لرؤية ثقافية واجتماعية متقاربة.

مفهوم الأمة الواحدة

يؤكد القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة على وحدة الأمة المسلمة على أساس اشتراك أفرادها في اعتناق الدين الإسلامي، بغض النظر عن خلفياتهم العرقية أو انتماءاتهم الجغرافية. وقد عاش المسلمون قروناً طويلة في بلاد تضمهم جميعاً، وتفتح لهم أبوابها، دون حواجز حدودية تفصل بين بلد وآخر، يقول الله تعالى في كتابه العزيز: {إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 92]، ويقول صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر).

وقد كان لنشوء ما يعرف بالدولة القطرية أثر كبير في تفتيت الوحدة السياسية للمسلمين، وتقسيم بلادهم إلى أقطار جغرافية متمايزة بعضها عن بعض، ولكن حالة الضعف الديني والفكري والاقتصادي والعلمي، أسهمت أيضاً في زيادة الفرقة بين أقطار المسلمين بدرجة جعلت كل قطر يرى أبناء القطر الآخر غرباء وأجانب، إن لم يكونوا خصوماً. ولعل شاهد ذلك ما يحدث في بعض الأزمنة التي تثار فيها حروب ونزاعات بين أقطار شقيقة لأسباب لا تخدم سوى أهداف القوى الاستعمارية التي خرجت من الأرض، لكنها بقيت مسيطرة على الفكر والقرار.

ربما يكون بعض كبار السن قد عايشوا بعض المظاهر الباقية من الوحدة، أو على أقل تقدير عايشوها كحلم وردي دغدغ نفوسهم ردحاً من الزمن، لكن الأجيال الشابة والناشئة ربما تكون بعيدة كل البعد عن هذه المشاعر، ولذلك فقد تكرست لديهم مفاهيم التباعد التام بين الشعوب المسلمة، ما يشي بمستقبل يزيد أفراد تلك الشعوب تباعداً، ويقلل فرص التقارب مع وفرتها وتعدد صورها.

والمراقب لما يدور عندما يستشرف مستقبل الشعوب المسلمة في ظل التغيرات الهائلة التي يمر بها العالم اليوم بشكل عام، والمنطقة بشكل خاص؛ يرى ضرورة العمل على مستويين لتهيئة الأجيال الشابة والناشئة لتبني الصور الممكنة من التقارب والتكامل بين الشعوب المسلمة، بما ينعكس عليها جميعاً بفوائد تتعاظم قيمتها بشكل ربما لا يتخيلونه الآن.

ربطهم بالمفهوم معرفياً

تؤكد بعض النظريات في مجالي التعليم والسلوك أن الطفل يمكنه ممارسة سلوك محدد بشكل أفضل عندما تتوافر لديه معلومات واضحة ومقنعة بشأن ذلك السلوك. ولعل النظرية المعرفية في علم النفس تبرز هنا بوضوح، حيث تؤكد أهمية التعامل مع المعلومات التي يتلقاها الشخص، والمعالجة الذهنية لها، حتى تتحول إلى سلوك يحقق أهداف الشخص أو رغباته.

يمكن - على سبيل المثال - تعويد الطفل على الصدقة من خلال رفع مستوى معرفته بأهمية البذل والعطاء، وتخيُّل الأجر العظيم الذي ينتظرنا عند الله تعالى، ولذلك؛ نجد كثيراً من الأطفال الذين ارتبطت أذهانهم معرفياً بالصدقة وفضلها، يمارسون سلوك التصدق على من يرون على سيماهم الفقر والحاجة، بل ربما لفتوا أنظار ذويهم نحوهم، وألحوا عليهم لإعطائهم بعض المال.

وانطلاقاً من هذا المفهوم التعليمي، لا بد أن تتشكل بنية معرفية متكاملة في أذهان الأطفال، لكن بشرط تناسبها مع مدى إدراكهم العقلي لمفهوم متعدد الجوانب والمستويات، كالوحدة والتقارب بين الشعوب المسلمة، وذلك لبناء أرضية معرفية قوية يمكن أن تضاف إليها مفاهيم تتحول لممارسات سلوكية مرتبطة بالمفهوم ذاته بسهولة ويسر.

من الضروري الاستثمار في الفطرة الإنسانية التي ينشأ الطفل وفقاً لها وهو يرى الناس أمامه سواسية، لكنه غالباً ما يكتسب تحيزاته العرقية أو الإقليمية من بيئته المحيطة؛ فحينما يرى من حوله يمارسون أنواعاً متعددة من التحيز ضد أشخاص بعينهم، نتيجة كونهم مختلفين عنهم في لون البشرة، أو اللغة، أو هيئة اللباس، مع أنهم مسلمون ويصطفون إلى جوارهم في عبادات كالصلاة والحج؛ فإنه بالتأكيد ستتسرب إلى نفسه بعض هذه التحيزات المتعصبة ضد هؤلاء الناس تأثراً بما وصفه الشاعر في قوله:

وينشأ ناشئ الفتيان منا

على ما كان عوده أبوه

ولعل أول الأفكار المتوافقة مع الفطرة الإنسانية التي ولد بها الإنسان، هي المساواة في أصل البشرية، انطلاقاً من قوله تعالى {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} [الإسراء: 70]. فعندما نذكر لأطفالنا وهم صغار أنه (لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأبيض على أسود، ولا لأسود على أبيض، إلا بالتقوى، الناس من آدم، وآدم من تراب)[1]؛ فإننا نرسخ الفطرة التي جعلها الله تعالى في نفوسهم تجاه غيرهم من البشر، ونؤسس لبناء قوي لا مكان فيه للعنصرية التي نميز بها أنفسنا عن غيرنا اعتماداً على انتماءات عرقية، أو قبلية، أو إقليمية، أو وظيفية، أو طبقية اقتصادية.

ولعل من يعيشون في مجتمعات اعتادت الطبقية التي أورثتها زيادة الثروات المادية أو التقسيمات الوظيفية، تقوم حياتهم في كثير من جوانبها على ما أفرزته تلك الطبقية من عزلة تامة أو شبه تامة عن بقية فئات المجتمع. وكنا في المقابل ما زلنا نرى مجتمعات فضلت العيش ببساطة وتكامل بين أفرادها، بغض النظر عن تلك الاعتبارات التي قد تورث التمايز بينهم، حيث يجلس كبير القوم إلى جانب صغيرهم، ويأنس بحديثه ولا يأنف من مجاورته.

التطبيق السلوكي لمفهوم الوحدة

حينما يتشرّب المربون فكرة الوحدة بمستوياتها المختلفة بين المسلمين، فإنه يصبح نقلها إلى الأجيال الناشئة والشابة أسهل. يكمن الإشكال أحياناً حينما يتصدى للتربية أشخاص ما زالت لديهم رواسب من التمييز بين الناس بناء على انتماءاتهم العرقية أو الإقليمية، وبعض هؤلاء - للأسف - واقع مشاهد في بعض المواقع التربوية، وينقلون تحيزاتهم للناشئة والشباب.

تعد اللغة من أهم أدوات التأثير التربوي غير المباشر، ويزداد أثرها إذا قام المربون بتوظيفها بشكل واع لتحقيق الأهداف التربوية من خلالها، ولعل من الأمثلة على ذلك ما ورد في سنة نبينا صلى الله عليه وسلم مع الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري رضي الله عنه، فقد روي عن المعرور بن سويد قال: لقيت أبا ذر بالربذة وعليه حلة وعلى غلامه حلة، فسألته عن ذلك فقال: إني ساببت رجلاً فعيرته بأمه، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: (يا أبا ذر أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية، إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم)[2].

بعدما عيَّر أبو ذر - رضي الله عنه - غلامه المملوك بأمه، عالج الرسول صلى الله عليه وسلم استعلاءه بنسبه العربي واستنقاصه لغلامه بقوله (إنك امرؤ فيك جاهلية). جاءت الاستجابة السلوكية لأبي ذر - رضي الله عنه - مباشرة بأن ألبس غلامه حلة مثل الحلة التي يلبسها وهو سيده.

جاء وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم لسلوك أبي ذر - رضي الله عنه - بأنه «جاهلية»، مقرعاً لسمعه، فاهتزت نتيجة لتقواه وورعه نفسه، ولم تحتمل بقاء الجاهلية، لذلك هرع لتنقيتها، مؤكداً تسليمه لحكم الله تعالى وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم واستخراج كل ما في نفسه من استعلاء نفث به الشيطان في روعه، ولذلك فقد التزم سلوكياً بأمر الرسول صلى الله عليه وسلم حرفياً، وأوضح الأمر لمن سأله دون خجل أو مواراة.

ونحن في مجتمعاتنا المعاصرة قد نغفل ونتفوه ببعض الكلمات أو الجمل ذات الأبعاد المخالفة لمفهوم الأخوة الإسلامية، وهذه الكلمات التي قد لا نلقي لها بالاً تتسرب إلى نفوس أطفالنا دون أن نشعر، وتبني مع التكرار عبر الأيام جبلاً من التحيز والعنصرية يقف حاجزاً منيعاً أمام مشاعر الوحدة الإيمانية، والتقارب بين الشعوب، والشعور بالانتماء لدين واحد.. هذه الممارسات تنعكس بدورها في مواقف ربما يتخذونها في المدارس - على سبيل المثال - تجاه أطفال مسلمين من بلاد أخرى، ما يؤدي إلى زيادة مشاعر التفرقة والتمييز بناء على انتماءات خلقوا بها ولم يبذلوا جهداً في تحصيلها؛ ومن ثم، فإنه يصبح من الصعب عليهم تقبل فكرة التقارب والتكامل مع أناس تجمعهم بهم روابط عديدة.

وحيث إن التربية الأولى تكون في المنزل، وعلى يد الوالدين وبقية أفراد الأسرة، فإنه من الضروري أن يحرص الوالدان وبشكل حازم لا تنازل فيه على اجتناب كل ما من شأنه تكريس أي رؤية استعلائية على الآخرين، إضافة إلى تأكيد مفهوم الأخوة الإسلامية من خلال عبارات بسيطة مثل (إخواننا في فلسطين)؛ لزرع هذا المفهوم بشكل راسخ ورعايته عبر مراحل عمرهم المختلفة، حتى نصل إلى المبتغى الذي نرجوه جميعاً بعون الله تعالى.

:: مجلة البيان العدد 305 محرم 1434هـ، نوفمبر 2012م.


[1] أخرجه الترمذي وحسنه الألباني.

[2] صحيح البخاري، كتاب الإيمان.