عندما فتح المسلمون قرطبة سنة 93هـ، وجدوا بها، آثار قنطرة حجرية، كانت تربض فوق نهرها الجاري، المعروف باسم " الوادي الكبير". ولما كانت قرطبة تقوم كلها في شمال هذا الوادي، فقد كانت عملية الوصول إليها من الجنوب تتطلب عبور مخاضة النهر، ولما كانت مخاضة النهر، صعبة العبور، نظرا لعرض مجرى النهر، وعمقه، وقوة تياره، فقد كان المسلمون، في أمس الحاجة إلى قنطرة متينة، يعبرون عليها إلى عاصمتهم الجديدة قرطبة.

ولذلك، بادر السمح بن مالك الخولاني، أمير الأندلس (رمضان 100- ذي الحجة 102)، بتشييدها، بحجارة سور قرطبة الغربي المتهدم، وذلك بعد التشاور مع الخليفة عمر بن عبد العزيز (99-101هـ)، فكان أن زهت بها قرطبة من جديد، بل ولدت من جديد، نظرا للأهمية الكبيرة للقنطرة، بالنسبة لعمران قرطبة، ولدورها الهام في تعزيز مكانتها، وربطها بروابط وثيقة بغيرها من مدن جنوب الأندلس، فضلا عن ربطها لشمال الأندلس بجنوبه، بل بأقاليم الشرق جميعا.

ولذلك، فقد بقيت طوال العصر الإسلامي، موضع رعاية الدولة الإسلامية، وعنايتها، فقد حرص الأمراء والخلفاء، على إصلاحها وتجديدها وتحسينها، عندما تتثلم، أو تتعرض لأي عطب، بسبب السيول العظيمة غالبا، والتي تجتاحها في موسم المطر، والتي تؤدي إلى تصدعها، وزعزعة بنيانها، فقد كانوا يعتبرونها مفخرة من المفاخر التي تمتاز بها قرطبة، وعملا من أعمال البر، الذي ينبغي صيانته، والحفاظ عليه، وتيسيره للناس للعبور عليه، في كل وقت.

ولذلك، عندما أغرت كثرة القوافل التجارية التي كانت تمر عليها " أحد المشتغلين بتثمير الخراج، وتقدم للأمير عبد الرحمن الأوسط (206-238هـ)، باقتراح مفاده: "أن القنطرة التي بناها جده، على نهر قرطبة، لو رسم على الدواب والأحمال التي تعبر عليها رسما، لاجتمع من ذلك مال عظيم".

زجره الأمير وانتهره، ورد عليه موبخا قائلا: "نحن أحوج إلى أن نحدث من أفعال البر أمثال هذه القنطرة، لا أن نمحو ما خلده آباؤنا باختراع هذا المكس القبيح، فتكون عائدته قليلة لنا، وتبقى تبعته وذكره السوء علينا، وهلا كنت نبهتنا على إصلاح المسجد المجاور لك الذي قد تداعى جداره واختل سقفه[1]".

ولقد كان لقنطرة قرطبة أثر إيجابي كبير، في تطور عمران قرطبة، حاضرة الأندلس، وفي ازدهار تاريخها السياسي، والثقافي، والاجتماعي، والاقتصادي، في العصر الإسلامي. ذلك أن تلك القنطرة، لم تكن وسيلة للعبور السريع والآمن والفعال، فحسب، وإنما تطورت وظيفتها مع تعاقب الإصلاحات عليها وعمليات تجديدها وترميمها.

وقد ترتب عليها نشأة حي ضخم، في مقابلها على الضفة الجنوبية للوادي الكبير، أطلق عليه اسم "الربض" أو "ربض قنطرة قرطبة"، إبرازا لدور القنطرة في نشأة هذا الربض، الذي صار في العقد الثامن من القرن الثاني الهجري، يعج بحشود هائلة من السكان من الفلاحين، والحرفيين، والطلاب، والفقهاء، وكان أغلبهم من المولدين، أي من أبناء المسلمين الجدد من أهل البلاد.

ثم أن هؤلاء قاموا بثورة كبرى على الأمير الحكم بن هشام (180-206)، وكانت القنطرة شاهدا على هذه الثورة، لأن معظم المواجهات دارت فوقها، وعند أطرافها، ولكن الحكم قمع تلك الثورة بشدة، وأزال هذا الحي بكامله بعد ذلك.

وكان للقنطرة دور كبير في المساهمة، في حالة النمو الذي شهدته قرطبة، في الربع الأول، من القرن الثاني الهجري، أي قبل اندلاع الحروب الأهلية بين العرب في أواخر عهد الولاة، ثم في حالة النمو السريع واللامع خلال عهدي الإمارة والخلافة (138-399هـ)، والذي لم تشهد قرطبة نموا مثله من قبل، حيث أنها تطورت حتى صارت أكبر مدينة في العالم، بعد بغداد، وما يُقال عن نمو قرطبة، ومكانتها في عهد الرومان، مجرد مبالغات مقارنة بما وصلت إليه من نمو وتطور، وما احتلته من مكانة في العهد الإسلامي.

كما أن تشييد القنطرة كان له انعكاس إيجابي كبير على بلدة "شقندة"، الواقعة في العدوة الأخرى من قرطبة، وراء الوادي، وكانت معدودة من مدينة قرطبة، وقد زادت أهميتها وتطورت تطورا كبيرا، بعد إصلاح القنطرة، ونزلها الكثير من الوافدين على الأندلس من العرب والبربر.

وقد زاد من أهمية قنطرة قرطبة الحضارية، أنها لم تكن فقط وسيلة اتصال بين ضفتي نهر الوادي الكبير، وأداة لربط قرطبة بأرباضها الجنوبية، وإنما للأندلس كلها شمالها وجنوبها، أي أن فائدتها لم تكن محلية، فقط، وإنما عامة، وكانت عامرة بالحركة، فمنها كانت تمر إحدى الطرق القديمة، وهي المجاز الذي تتخذه السكة العظمى، والتي كانت تأتي من الجزيرة الخضراء أو أشبيلية، إلى قرطبة، وكانت هذه السكة، هي الشارع الرئيسي، الذي يقطع قرطبة من جنوبها إلى شمالها، بادئا من القنطرة ومنتهيا إلى الباب الشمالي الأقصى، الذي عرف باسم "باب عبد الجبار"، ثم منه إلى طليطلة بوسط الأندلس، إلى سرقسطة في شمالها، إلى نربونة خلف جبال البرت، ومنها يتفرع إلى فرعين رئيسيين أحدهما إلى فرنسا، والثاني إلى روما.

ويمكن القول أن قنطرة قرطبة، كانت إحدى أهم دعائم التطور العمراني لمدينة قرطبة، حاضرة الأندلس، في العصر الإسلامي، بل إنها كانت الأساس لهذا التطور، ولمختلف التطورات السياسية، والاقتصادية، والثقافية، فكان وجودها ضرورة لازمة للحاضرة الأندلسية، وبدونها كانت تتعرض قرطبة للضمور والانكماش، ويتراجع عمرانها، كما يتراجع عدد سكانها، وبالتالي، تضعف أهميتها السياسية، والحضارية والتجارية والثقافية، بشكل تدريجي.

ذلك أن تهدم القنطرة وعدم صلاحيتها للعبور، يترتب عليه انعزال المدينة، ويحرمها من التفاعلات الأوسع، مع باقي مدن الأندلس.

ويمكن القول أيضا، أن هذه القنطرة، كانت عنونا لمدينة قرطبة، أو كانت بمثابة لسان ينطق بواقع حال قرطبة، بحيث أن الزائر لقرطبة، كان يستطيع أن يعرف الحال الذي هي عليه، من حال قنطرتها.

بل إن هذه القنطرة، كانت هي الأصل في قيام قرطبة، ولولاها ربما لم تكن هناك مدينة مذكورة بهذا الاسم، فلم تكن قرطبة في أول أمرها سوى محطة على رأس القنطرة الشمالي، ثم نمت وتطورت حتى وصلت إلى ما وصلت إليه.

وقد أفاض ابن حيان، في وصف أهمية القنطرة الحيوية بالنسبة لقرطبة، فقال بمناسبة انتهاء الخليفة الحكم المستنصر، من بنائها، سنة 361هـ: ودخلت إحدى وستين وثلاثمائة، والنظر في قنطرة قرطبة التي هي أم قرطبة المرضعة، ومفضي سبلها المتشعبة، وجماع معايشها المختلفة، وقلادة جيدها المزدهية، وعليا مبانيها المعجزة، قد ازداد توكدا، وتضاعف توقدا، لاقتراب فصل الشتاء، الذي قد أظل، واهتبال الخليفة الذي لا يمل، فلم يزل يعلو ويستقل إلى أن كمل بناؤه واستوي تحصينه وأمنت عاديته، وذلك يوم الأحد لأربع بقين من المحرم منها[2].

وكانت هذه القنطرة أكبر قناطر الأندلس، وأهمها، وأشهرها، وقد أشاد بها، العديد من شعراء الأندلس، وتغنوا بها في شعرهم، وتحدث عن عظمتها ومتانتها وأهميتها، ودقة بنائها، كثير من المؤرخين والجغرافيين، وعسى أن نتطرق لذلك في موضوع آخر، إن شاء الله!

***

المراجع:

- ابن عذاري، البيان ج2، تحقيق كولان وبروفسنال، دار الثقافة-بيروت، ط2، 1980.

- أحمد فكري، قرطبة في العصر الإسلامي، شباب الجامعة-الإسكندرية، 1983.

- حسين مؤنس، فجر الأندلس، الشركة العربية للطباعة-القاهرة، ط1، 1959.

- وله أيضا، معالم تاريخ المغرب والأندلس، دار الرشاد-القاهرة 2004.

- الحميري، صفة جزيرة الأندلس منتخبة من الروض المعطار، دار الجيل-بيروت، ط2، 1988.

- السيد عبد العزيز سالم، قرطبة حاضرة الخلافة في الأندلس، ج1، شباب الجامعة-إسكندرية 1997.

- المقري، نفح الطيب، ج1، تحقيق إحسان عباس، دار صادر-بيروت، 1968.

- مجهول، أخبار مجموعة، تحقيق الأبياري، دار الكتاب (المصري- القاهرة، اللبناني- بيروت)، 1989.

- مجهول، ذكر بلاد الأندلس، المجلس الأعلى للأبحاث- مدريد 1983.


 


[1] ابن سعيد، المغرب في حلي المغرب (1/51)، حوادث سنة 237هـ.

[2] ابن حيان، المقتبس، تحقيق الهواري، المكتبة العصرية–صيدا–بيروت، ط1، 1426هـ/ 2006، ص46-47.