الحمد لله رب العالمين سبحانه وتعالى له الحمد الحسن والثناء الجميل، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فإن للمؤمن في أيام دهره نفحات ومواسم مباركات، يتطلع فيها لرحمات الله تبارك وتعالى، وينتظر فيها فرجه ومدده ومغفرته وحسن عطائه، ولا يكون هذا إلا لمن أطاعه وصبر على أوامره، وابتعد عن نواهيه، فينبغي للعاقل أن يقف مع أيام الله تبارك وتعالى، وأن يعتبر بمرورها.

 أما الغافل فيتبع هواه ولا يتفكر في آلاء الله ونعمه، ولا يُعمل حواسه في تدبر الكون وعظمته ليحصل اليقين في القلب فتنقاد الجوارح للحق ويحسن حال البدن، والله تبارك وتعالى إنما أودع في العبد الحواس المختلفة لينقاد إلى الشكر وحسن طاعة ربه، قال تبارك وتعالى: { وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }[النحل: 78].

ومع رحيل شهر رمضان أحب أن أذكر نفسي وإخواني بشيء من الوصايا والتنبيهات، فمن ذلك:

الوقفة الأولى: الانتباه للعمر والحذر من الدنيا:

إن عمر الإنسان منا هو كنزه الحقيقي ورأس ماله، وإن تضييعه والتفريط في دقائقه وساعاته وأيامه لمن الغبن والخسار الذي يقع فيه كثير من الناس وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ» [البخاري 6412].

لذلك فمن الأمور المهمة التي ينبغي أن يقف معها العبد مع رحيل رمضان وصية النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمر رضي الله عنهما، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَنْكِبِي، فَقَالَ: كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرْ الصَّبَاحَ وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرْ الْمَسَاءَ وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ. [البخاري 6416]. فالنبي صلى الله عليه وسلم يوصي عبد الله بن عمر وهو من آخر الصحابة موتًا، يوصي شابًّا في العشرين من العمر، وهو بحساب الزمن في عنفوان الشباب مقبلة عليه الحياة، ولكن الوصية النبوية تأتيه أن ينتبه للزمن وكر الدهور وسرعة مرور الأيام.

إن من ملامح الختام أن يتذكر الإنسان خواتيم الأعمال وخواتيم الأعمار، وألا يغفل عما يحمل من الآثام والأوزار، فكل شيء عند الله بأجل مسمى ومقدار، والعاقل من انتبه وأخذ أهبته واستعد لسفر طويل وإقامة طويلة في القبور، فيعمل لهذا اليوم ولا تشغلنه الدنيا بغرورها.

قال الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله معلقًا على وصية النبي صلى الله عليه وسلم لابن عمر: «هذا الحديث أصل في قِصَر الأمل في الدنيا، وأن المؤمن لا ينبغي له أن يتخذ الدنيا وطنًا ومسكنًا، فيطمئن فيها، ولكن ينبغي أن يكون فيها كأنه على جناح سفر: يهيئ جهازه للرحيل، قال تعالى: {يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ } [غافر:39]. وكان النبي يقول: «مالي وللدنيا إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل راكب قال في ظل شجرة ثم راح وتركها» [رواه أحمد من حديث ابن مسعود 1/391، والترمذي 2377، وقال: حسن صحيح].

وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: «إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة، وإن الآخرة قد ارتحلت مقبلة، ولكل منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل».

  وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله في خطبته: «إن الدنيا ليست بدار قراركم، كتب الله عليها الفناء، وكتب على أهلها منها الظعن، فأحسنوا – رحمكم الله – منها الرحلة بأحسن ما يحضركم من النقلة، وتزودوا فإن خير الزاد التقوى». [الحلية: 5/292].

الوقفة الثانية: الجمع بين الإحسان والخوف:

إن من تأمل أحوال الأنبياء والصحابة والصالحين وجدهم في غاية العمل مع غاية الخوف، فهم جمعوا بين الإحسان والخوف، ونحن جمعنا بين الإساءة والأمن، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وقد كان هذا منهج السلف رحمهم الله تعالى في العبادة والمعاملة، يحسنون في أعمالهم، ويتقون الله ما استطاعوا ولا يُعجبون بعمل ولا يُفتنون بحب رياء ولا ظهور ولا محمدة الخلق.

قال ابن القيّم - رحمه الله- « إذا أراد الله تعالى بعبد خيرًا سلب رؤية أعماله الحسنة من قلبه، والإخبار بها من لسانه، وشغَله برؤية ذنبه؛ فلا يزال نصب عينيه حتى يدخل الجنة؛ فإن ما تُقبِّل من الأعمال رُفع من القلب رؤيته، ومن اللسان ذكره. وقال بعض السلف: إن العبد ليعمل الخطيئة فيدخل بها الجنة، ويعمل الحسنة فيدخل بها النار. قالوا: كيف؟ قال: يعمل الخطيئة، فلا تزال نصب عينيه إذا ذكرها ندم واستقال وتضرع إلى الله، وبادر إلى محوها، وانكسر وذل لربه، وزال عنه عجبه وكبره، ويعمل الحسنة فلا تزال نصب عينيه يراها ويَمُن بها ويعتد بها، ويتكبر بها حتى يدخل النار» [طريق الهجرتين ص 270].

 وقد حفلت مرويات السنة وكتبها بالعديد من المواقف الرائعة التي تبين شيئًا من عظمة هذا الجيل الفريد، ولا عجب فالمربي الأول والمعلم الأعظم لهم هو رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فقد بيَّن الحبيب النبي صلى الله عليه وسلم أن العبد العاقل لا يرتكن على عمل ضعيف لا يدري أقبله الله منه أم لا، وإنما العبد الموفق من يعمل ويعبد ويجد ويعتمد بعد كل ذلك على الطمع فيما عند الله فلا يُدِل بعمل ولا يستولي عليه العجب، بل يتواضع لربه لعله يقبل منه ويخفض جناحه لعل الله يمُن بالقبول، فعن عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا؛ فَإِنَّهُ لَا يُدْخِلُ أَحَدًا الْجَنَّةَ عَمَلُهُ. قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِمَغْفِرَةٍ وَرَحْمَةٍ. [البخاري 6467].

وثبت عن أم المؤمنين عَائِشَةَ رضي الله عنه أنها قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ { الَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا أَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ } أَهُوَ الرَّجُلُ يَزْنِي وَيَسْرِقُ وَيَشْرَبُ الْخَمْرَ؟ قَالَ: لَا يَا بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ، أَوْ لَا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُ الرَّجُلُ يَصُومُ وَيُصَلِّي وَيَتَصَدَّقُ وَهُوَ يَخَافُ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُ. [أحمد والحاكم وصححه ووافقه الذهبي 25705 وحسنه الألباني].

فهذه أم المؤمنين تظن أن الخائف ذي القلب الوجل هو إنسان أتى من الموبقات والكبائر ما يسخط الله عليه، ومثله يحق له الخوف، بل يجب، فصحّح لها النبي صلى الله عليه وسلم الفهم وأرشدها إلى أن المتقين من عباد الله يجمعون مع الإحسان خوف عدم القبول، ولما لا؟ وقد خاف إبراهيم الخليل عليه السلام ورجا وطمع في القبول قال تعالى {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة: 127].

وهاك مثل آخر من تواضع السلف وإزرائهم على أنفسهم؛ فقد روى البخاري في صحيحه في سياق موت عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو حديث طويل وفيه «.. وَكَأَنَّ النَّاسَ لَمْ تُصِبْهُمْ مُصِيبَةٌ قَبْلَ يَوْمَئِذٍ فَقَائِلٌ يَقُولُ: لَا بَأْسَ، وَقَائِلٌ يَقُولُ: أَخَافُ عَلَيْهِ، فَأُتِيَ بِنَبِيذٍ فَشَرِبَهُ، فَخَرَجَ مِنْ جَوْفِهِ، ثُمَّ أُتِيَ بِلَبَنٍ فَشَرِبَهُ فَخَرَجَ مِنْ جُرْحِهِ؛ فَعَلِمُوا أَنَّهُ مَيِّتٌ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ وَجَاءَ النَّاسُ فَجَعَلُوا يُثْنُونَ عَلَيْهِ وَجَاءَ رَجُلٌ شَابٌّ فَقَالَ: أَبْشِرْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِبُشْرَى اللَّهِ لَكَ مِنْ صُحْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدَمٍ فِي الْإِسْلَامِ مَا قَدْ عَلِمْتَ ثُمَّ وَلِيتَ فَعَدَلْتَ ثُمَّ شَهَادَةٌ. قَالَ: وَدِدْتُ أَنَّ ذَلِكَ كَفَافٌ لَا عَلَيَّ وَلَا لِي...» [البخاري 3479].

فانظر رحمني الله وإياك إلى هذا الجيل الفريد، يمدح بأعمال حقيقية عملها ولم يدعها وهو أولى بتلك البشارات في سكرات الموت ليحسن ظنه بربه، ولكنه يأبى في مثل عجيب ويتمنى وهو الصادق البار أن يخرج منها كفافًا، وأحدنا الآن لصلاة ركعات وصيام أيام يظن نفسه في أعلى الدرجات وأرفع المنازل فتواضعوا يا أهل الخير وانظروا في صفحات أعمال السلف الصالح تعرفوا قيمة أنفسكم وتصيروا إلى حال أحسن من حالكم بتوفيق الله تبارك وتعالى.

وهذا مثل آخر طيب فريد رواه الإمام البخاري في صحيحه عن ابن لعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال: «أُتِيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمًا بِطَعَامِهِ -وكان صائمًا- فَقَالَ: قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَكَانَ خَيْرًا مِنِّي، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ إِلَّا بُرْدَةٌ، وَقُتِلَ حَمْزَةُ أَوْ رَجُلٌ آخَرُ خَيْرٌ مِنِّي؛ فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ إِلَّا بُرْدَةٌ، لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ قَدْ عُجِّلَتْ لَنَا طَيِّبَاتُنَا فِي حَيَاتِنَا الدُّنْيَا ثُمَّ جَعَلَ يَبْكِي) حتى رفع الطعام عندما تذكر إخوة له صالحين سبقوه إلى الله تعالى ولحسن ظنه بهم وإزرائه على نفسه فقد فضلهم على نفسه وهو خير منهما بإجماع المسلمين فعبد الرحمن بن عوف من العشرة المبشرين بالجنة، وهو أفضل من حمزة ومصب رضي الله عنهم جميعًا.

وهذا صحابي جليل قد لا يتذكر اسمه منا القليل سابع سبعة في الإسلام، روى الإمام مسلم في صحيحه عَنْ خَالِدِ بْنِ عُمَيْرٍ الْعَدَوِىِّ قَالَ: خَطَبَنَا عُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ آذَنَتْ بِصُرْمٍ، وَوَلَّتْ حَذَّاءَ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلاَّ صُبَابَةٌ كَصُبَابَةِ الإِنَاءِ يَتَصَابُّهَا صَاحِبُهَا، وَإِنَّكُمْ مُنْتَقِلُونَ مِنْهَا إِلَى دَارٍ لاَ زَوَالَ لَهَا؛ فَانْتَقِلُوا بِخَيْرِ مَا بِحَضْرَتِكُمْ؛ فَإِنَّهُ قَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ الْحَجَرَ يُلْقَى مِنْ شَفَةِ جَهَنَّمَ؛ فَيَهْوِى فِيهَا سَبْعِينَ عَامًا لاَ يُدْرِكُ لَهَا قَعْرًا، وَوَاللَّهِ لَتُمْلأَنَّ، أَفَعَجِبْتُمْ وَلَقَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ مَا بَيْنَ مِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ مَسِيرَةُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَلَيَأْتِيَنَّ عَلَيْهَا يَوْمٌ وَهُوَ كَظِيظٌ مِنَ الزِّحَامِ، وَلَقَدْ رَأَيْتُنِي سَابِعَ سَبْعَةٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مَا لَنَا طَعَامٌ إِلاَّ وَرَقُ الشَّجَرِ، حَتَّى قَرِحَتْ أَشْدَاقُنَا فَالْتَقَطْتُ بُرْدَةً فَشَقَقْتُهَا بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ، فَاتَّزَرْتُ بِنِصْفِهَا وَاتَّزَرَ سَعْدٌ بِنِصْفِهَا؛ فَمَا أَصْبَحَ الْيَوْمَ مِنَّا أَحَدٌ إِلاَّ أَصْبَحَ أَمِيرًا عَلَى مِصْرٍ مِنَ الأَمْصَارِ وَإِنِّي أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ فِي نَفْسِي عَظِيمًا وَعِنْدَ اللَّهِ صَغِيرًا، وَإِنَّهَا لَمْ تَكُنْ نُبُوَّةٌ قَطُّ إِلاَّ تَنَاسَخَتْ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَاقِبَتِهَا مُلْكًا فَسَتَخْبُرُونَ وَتُجَرِّبُونَ الأُمَرَاءَ بَعْدَنَا. [مسلم 2967].

يقول: وإني أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيمًا وعند اله صغيرًا وهو سابع سبعة في الإسلام رضي الله عن عتبة بن غزوان، ولنتعلم أن رؤية النفس والعجب بالعمل أصل كل بلية ومجمع الرزايا.

وهذا ضوء آخر على الطريق ينير للأنفس المحرومة من الخير والفضل قيمة العمل والجد مع التواضع وعدم رؤية النفس، فعن عقبة بن صبهان الهنائى قال: سألت عائشة عن قول الله تعالى: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمَنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ} [فاطر: 32]، فقالت لي: يا بني، كل هؤلاء في الجنة، فأما السابق بالخيرات فمن مضى على عهد رسول الله يشهد له رسول الله بالخيرة والرزق، وأما المقتصد فمن تبع أثره من أصحابه حتى لحق به، وأَما الظالم لنفسه فمثلى ومثلك. قال: فجعلت نفسها معنا.[الطبراني في المعجم الأوسط 6/167].

وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله مع عبادته ومكانته العلمية كان متواضعًا هاضمًا لنفسه، منكرًا لذاته، يقول ابن القيم: «كان كثيرًا ما يقول: ما لي شيء ولا مني شيء ولا فيّ شيء»، وإن مدحه أحد في وجهه قال: «والله إني إلى الآن أجدد إسلامي كل وقت، وما أسلمت بعدُ إسلامًا جيدًا». وكان ينشد:

أنا المكدي وابن المكدي

            وهكذا كان أبي و جدي

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية محذرًا من العجب بالعمل: «وكثيرًا ما يقرن الرياء بالعجب، فالرياء من باب الإشراك بالخلق، العجب من باب الإشراك بالنفس، وهذا حال المستكبر؛ فالمرائي لا يحقق قوله {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} والمعجب لا يحقق قوله:{وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، فمن حقق قوله {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} خرج عن الرياء، ومن حقق قوله: {وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} خرج عن الإعجاب». [مجموع الفتاوى 10/277]

وقال ابن القيم - رحمه الله – موضحًا علاقة الصالحين مع ربهم: «والمقصود أن العبد يقوى إخلاصه لله وصدق معاملته، حتى لا يحب أن يطلع أحد من الخلق على حاله مع الله ومقامه معه؛ فهو يُخفي أحواله غيرةً عليها من أن تشوبها شائبة الأغيار، ويخفي أنفاسه خوفًا عليها من الداخلة، وكان بعضهم إذا غلبه البكاء وعجز عن دفعه يقول: لا إله إلا الله ما أمر الزكام». [مدارج السالكين 3/422].

وقال أيضا رحمه الله في وصف الصالحين وأعمالهم: «فإن العبد الصادق لا يرى نفسه إلا مقصرًا، والموجب له لهذه الرؤية: استعظام مطلوبه، واستصغار نفسه ومعرفته بعيوبها، وقلة زاده في عينه، فمن عرف الله وعرف نفسه، لم يرَ نفسه إلا بعين النقصان». [مدارج السالكين 2/293].

وقال ابن دينار رحمه الله: «الخوف على العمل أن لا يتقبل أشد من العمل» [الحلية:2/378].

وقال عبد العزيز بن أبي روَّاد: «أدركتهم يجتهدون في العمل الصالح فإذا فعلوه، وقع عليهم الهمُّ أيقبل منهم أم لا»[اللطائف:375].

الوقفة الثالثة: علامة القبول:

إن حاجة العبد لعبادة الله أكيدة وهو لا يستغني عن ربه طرفة عين، قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: « في القلب فاقة عظيمة وضرورة تامة وحاجة شديدة لا يسدها إلا فوزه بحصول الغنى بحب الله الذي إن حصل للعبد؛ حصل له كل شيء، وإن فاته؛ فاته كل شيء فكما أنه سبحانه الغني على الحقيقة، ولا غني سواه، فالغنى به وبحبه هو الغنى في الحقيقة ولا غنى بغيره ألبتة، فمن لم يستغن به عما سواه تقطعت نفسه حسرات، ومن استغنى به زالت عنه كل حسرة وحضره كل سرور وفرح والله المستعان. [طريق الهجرتين ص34].

 وقال رحمه الله مبينًا حال الصالحين الصادقين المداومين على الطاعة: «ومن علامات الصادقين: التحبب إلى الله بالنوافل والإخلاص في نصيحة الأمة، والأنس بالخلوة والصبر على مقاساة الأحكام، والإيثار لأمر الله، والحياء من نظره، والتعرض لكل سبب يوصل إليه والقناعة بالخمول..» [مدارج السالكين 2/380].

وعليه فإن أبيَن علامةٍ على القبول هي استمرارُ العبد على الخير والعمل الصالح بعد رمضان. قال بعضهم: «ثوابُ الحسنةِ الحسنةُ بعدها، فمن عمل حسنة ثم أتبعها بحسنة بعدها كان ذلك علامة على قبول الحسنةِ الأولى، كما أن من عمل حسنة ثم أتبعها بسيئة كان ذلك علامة رد الحسنة وعدم قبولها».

إن مقابلة نعمة إدراك رمضان، والتوفيق لصيامه وقيامه بارتكاب المعاصي بعده لمِن فِعلِ من بدل نعمة الله كفرًا. فإن كان قد عزم في صيامه على معاودة المعاصي بعد انقضاء الصيام فصيامه من القبول في شكك، إلا أن يعجّل بتوبة نصوح.

ما أحسن الحسنة بعد السيئة تمحوها، وأحسنُ منها الحسنةُ بعد الحسنة تعقبها! وما أقبح السيئة بعد الحسنة تمحقها وتعفوها! فلا ترجع أخي إلى المعصية بعد رمضان، واصبر عن لذة الهوى بحلاوة الإيمان، واصبر لله تعالى يعوضك خيرًا، قال الله تعالى: {إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الأنفال:70].

  قيل لبشر الحافي: «إن قومًا يتعبدون ويجتهدون في رمضان. فقال: بئس القوم قوم لا يعرفون الله حقًّا إلا في شهر رمضان، إن الصالح الذي يتعبد ويجتهد السنة كلها» [لطائف المعرف:396].

وتلك قاعدة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل» [متفق عليه]، قالت عائشة رضي الله عنها: «وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه» [رواه البخاري:43].

أما يستحي قوم من ربهم إذا انقضى رمضان عطَّلوا المساجد والقرآن، وعادوا إلى الحرام، نعوذ بالله أن نكون منهم. هذا هو الحديث لمن قضوا رمضان في طاعة الله تعالى، ولمن كان رمضان مناسبة لتوبتهم، وميلادًا جديدًا لهم.

إن استدامة الطاعة والمداومة على الأعمال الصالحة لهي في الحقيقة من عوامل الثبات على دين الله وشرعه، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [الأحقاف: 13]. وإن ترك المحرمات والعمل بما يوعظ به المرء من قِبل خالقه ومولاه لأمر يحتاج إلى ترويض ومجاهدة من أجل الحصول على العاقبة الحميدة وحسن المغبة.

الوقفة الرابعة: بماذا نختم شهرنا؟

أمر الله عباده أن يختموا أعمالهم العظيمة بالاستغفار والتوبة، فبعد كل صلاة استغفار، عَنْ ثَوْبَانَ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلاَتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلاَثًا، وَقَالَ «اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلاَمُ وَمِنْكَ السَّلاَمُ تَبَارَكْتَ ذَا الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ ». قَالَ الْوَلِيدُ فَقُلْتُ لِلأَوْزَاعِيِّ: كَيْفَ الاِسْتِغْفَارُ؟ قَالَ: تَقُولُ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ.[مسلم 591].

والحاج بعد نزوله من عرفة يلزم الاستغفار قال الله تعالى {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [البقرة: 199]، بل إن الله تبارك وتعالى أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يختم عمره المبارك بالاستغفار، فقال جل وعلا: { إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر: 1-3]. وعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ. [متفق عليه].

وإن العبد ليتحسر على تفريطه، فبالأمس كنا ننتظر رمضان، وها نحن الآن نودعه، فهذه آخر جمعة من رمضان، وهكذا تمضي الأعمار، وإنما العبد جملة من أيام، كلما ذهب يوم ذهب بعضه. هذا رمضان يمضي، كما كان بالأمس يأتي، فسبحان من قلب الليل والنهار، وأجرى الدهور والأعوام، وفي ذلك معتبر للمعتبرين، وموعظة للمتقين.

هذا رمضان تلك السنة يشيع، تطوى صحائفه بأعمال العباد، ولا تنشر إلا يوم القيامة والحساب، ولا ندري أندرك رمضان القابل أم لا، فالله المستعان؟

فحق لرمضان أن يبكى له و يبكى عليه، كيف لا يبكي المؤمن رمضان وفيه تفتح أبواب الجنان؟ وكيف لا يبكي المذنب ذهابه، وفيه تغلق أبواب النيران؟ كيف لا يبكى على وقت تسلسل فيه الشياطين. فيا لوعة الخاشعين على فقدانه، ويا حرقة المتقين على ذهابه.

كتب عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى إلى الأمصار يأمرهم بختم شهر رمضان بالاستغفار والصدقة - صدقة الفطر - فإن صدقة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، والاستغفار يرقع ما تخرق من الصيام باللغو والرفث؛ ولهذا قال بعض المتقدمين: «إن صدقة الفطر للصائم كسجدتي السهو للصلاة».

وقال عمر بن عبد العزيز في كتابه: ( قولوا كما قال أبوكم آدم: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف:23] وقولوا كما قال نوح عليه السلام: وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ [هود:47] وقولوا كما قال إبراهيم عليه السلام: وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ [الشعراء:83] وقولوا كما قال موسى عليه السلام: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي [القصص:16] وقولوا كما قال ذو النون عليه السلام: لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:87] ) [اللطائف:387].

الوقفة الخامسة: أعمال ليلة العيد:

لما كانت المغفرة والعتق من النار، كل منهما مرتبًا على صيام رمضان وقيامه؛ أمر الله سبحانه وتعالى عند إكمال العدة بتكبيره وشكره فقال سبحانه: {وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة:185] فشكرُ من أنعم على عباده بتوفيقهم للصيام، وإعانتهم عليه، ومغفرته لهم به، وعتقهم من النار: أن يذكروه ويشكروه ويتقوه حق تقاته. و قد فسر ابن مسعود تقواه حق تقاته: «بأن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر» [تفسير ابن أبي حاتم:2/446 وهو صحيح موقوف].

والتكبير مشروع من غروب الشمس يوم العيد إلى صلاة العيد، يجهر به الرجال في المساجد والأسواق والبيوت كما كان السلف يفعلون.

ومن السنة: أن يأكل قبل الخروج إلى الصلاة في عيد الفطر تمــرات وترًا، ثلاثًا، أو خمسًا، أو أكثر من ذلك. يقطعها على وتر؛ لقول أنس ابن مالك رضي الله عنه: «كان رسول الله لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات ويأكلهن وترًا» [البخاري:953].

ويخرج النساء لصلاة العيد غير متبرجات بزينة ولا متعطرات، يحضرن الصلاة والذكر.

ومما يلزم التنبيه عليه أن بعض الناس يهمل أهله وبناته في لباسهن، فيكون فيه مخالفاتٌ شرعية، يخرجن يوم العيد يفتّن الناس، وسيسأل عن إهماله هذا يوم القيامة، فيجب على من استرعاه الله نساء أن يطّلع على لباسهن للعيد، فإن كان موافقًا للشرع وإلا منعهن من لبسه؛ حماية لهن من الوقوع في الإثم، وأداءً للأمانة التي حمَّله الله إياها.

ثم إن كثيرًا من الناس بمجرد إعلان العيد يخرجون للأسواق، فتضيع ليلة العيد في التجوال في الأسواق مع ما تعج به من منكرات، فلا يسلم روادها من الوقوع في الإثم والمنكر. وما هكذا يشكر الله تعالى في ليلة العيد التي ينبغي أن يكثر فيها من الاستغفار والذكر حتى يختم الشهر بخاتمة حسنة.

نداء لمن أساء في رمضان:

يا من أساء في رمضان وفرَّط وضيَّع إياك أن تيأس فإن رب رمضان هو رب سائر الأيام، ومتى رجعت إليه تائبًا نادمًا قبلك، ولم يردك، فلا يغرنك الشيطان بأنك أضعت مواسم الخير، واعلم أن ربك واسع المغفرة لمن تاب وآمن وعمل عملاً صالحًا.

أسأل الله العلي القدير أن يتقبلنا بقبول حسن وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا، وأن يعيد رمضان علينا باليمن والخير والبركات، إنه سميع مجيب والحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.