قرطبة مدينة عريقة، تقع على سفح جبل قرطبة الجنوبي، المعروف بجبل العروس، على منحنى الضفة الشمالية، لنهر الوادي الكبير[1]. واسم قرطبة القديم كان (كردبا) وهو الذي مازالت تعرف به في اللغة الأسبانية. وأول ما نعرفه بالتحقيق عن قرطبة، هو أن الأمبراطور الروماني (مارسيليوس) أحتلها، في سنة 152ق.م، وأنه جعل منها عاصمة أسبانيا السفلى. وظلت المدينة تابعة للدولة الرومانية، إلى أن أحتلتها قبائل الوندال، ثم أصبحت تابعة للأمبراطورية البيزنطية، فترة من الزمن، إلى أن أحتلها الملك الفيزيقوطي (لوفيجليد) في سنة 571م، واخذت المدينة، تفقد بعد ذلك من أهميتها، وأصبحت تابعة لطليطلة، عاصمة القوط[2]. وكانت قرطبة من أوائل المدن الإسبانية التي دخلها الإسلام، فقد افتتحها مغيث الرومي، سنة 93هـ/ 711م، وفي حوالي سنة 98هـ، اتخذها المسلمون حاضرة للأندلس. ومع ابتداء ولاية السمح بن مالك الخولاني، سنة 100هـ، بدأت عهدا جديدا،لم تعهده من قبل. قال المقري: ذكر ابن حيان والرازي والحجاري أن أكتبيان، ثاني قياصرة الروم... قبل ميلاد المسيح عليه السلام، بثمانٍ وثلاثين سنة، أمر ببناء المدن العظيمة بالأندلس، فبنيت في مدته قرطبة وإشبيلية وماردة وسرقسطة.. وذكروا أنه قد تداولت على قرطبة ولاة الروم الأخيرة.. إلى أن انتزعها من أيديهم القوط.. إلى أن أخذها منهم المسلمون، ولم تكن في الجاهلية سريرا لسلطنة الأندلس، بل كرسيا لخاص مملكتها، وسعدت في الإسلام، فصارت سريرا للسلطنة العظمى الشاملة، وقطبا للخلافة المروانية، وصارت إشبيلية وطليطلة تبعا لها، بعدما كان الأمر بالعكس[3].

وثمة حيثيات وآراء مختلفة، تتعلق باتخاذ قرطبة حاضرة للأندلس في العصر الإسلامي، فقد كان المسلمون، منذ بداية ولاية عبد العزيز بن موسى بن نصير، الوالي الأول للأندلس، آخر سنة 95هـ، قد استقروا على اتخاذ أشبيلية، قاعدة لأندلس المسلمين، بدلا من طليطلة حاضرة القوط: لأنهم وإن كانوا وجدوها، أي طليطلة، متوسطة بالنسبة إلى إسبانيا، فلم يجدوها متوسطة بالنسبة للقوة العربية، وكانوا لا يقدرون أن يبتعدوا كثيرا عن أفريقية، فلذلك جعلوا مركز الإمارة في إشبيلية[4]، في بداية الأمر. وكانت أشبيلية: "أعظم مدائن الأندلس شأنا، وأعجبها بنيانا، وأكثرها آثارا، وكانت دار الملك قبل القوطيين، فلما غلب القوطيون على ملك الأندلس، حولوا السلطان إلى طليطلة، وبقي رؤساء الدين فيها، أعني أشبيلية [5]". لكن الوالي أيوب بن حبيب اللخمي، الذي تولى مقاليد الأمور في الأندلس بعد مقتل عبد العزيز في رجب سنة 97هـ،لم يستسغ البقاء فيها، نتيجة لموقعها المتطرف نحو الغرب، على مقربة من المحيط الأطلسي، مما يجعلها عرضة لأي غزو بحري يأتيها من قبله. وهذا بالفعل ما حدث بعد ذلك وتحديدا في سنة 230هـ/ 844م، على أيدي النورمانديين[6]. وربما للابتعاد عن جماعات العرب والبربر، التي استقرت فيها، فكان أن تحول عنها، بعد حادثة إغتيال عبد العزيز، وبعد مشاورة أهل الرأي، إلى قرطبة "فدخل إليها بهم". وعندما أقيم الحر بن عبد الرحمن الثقفي، واليا على الأندلس، من قبل محمد بن يزيد، عامل أفريقية، أقر هذا الاختيار، وانتقلت العاصمة الأندلسية، رسميا، من أشبيلية إلى قرطبة، على يديه[7]. وهذا هو الثابت في أكثر مصادر المؤرخين. ويذكر العلاّمة ابن خلدون في تاريخه أن اتخاذ قرطبة حاضرة للأندلس كان عن أمر موسى بن نصير، وهو يقول، متحدثا عما قام به موسى من أعمال قُبيل رحيله : وقفل عن الأندلس، بعد أن أنزل الرابطة والحامية بثغورها، واستعمل ابنه عبد العزيز لغزوها، وجهاد أعدائها، وأنزله بقرطبة، فاتخذها دار إمارة[8]".

وأما القلقشندي ‏(-1418م‏)، فقال في ‏(صبح الأعشى في صناعة الإنشا‏) ، حين الحديث عن دخول موسى بن نصير إلى الأندلس: وأقام موسى فيها سنتين ثم أنصرف إلى القيروان، واستخلف عليها ابنه عبد العزيز، فنزل قرطبة، واتخذها دار إمارة لهم[9].

وليس كما قال ابن خلدون ولا كما قال القلقشندي، والصحيح ما تقدم، وهو أن أشبيلة هي التي كانت حاضرة الأندلس، في ولاية عبد العزيز بن موسى بن نصير، وبها قُتل، وهذا معلوم تماما. قال ابن القوطية، وهو أدرى بالحقيقة، لأنه من أهل البلد، وكان أقرب عهدا بالفتح وما تلاه، وإن لم يكن هذا ضرورة ملزمة: وشدّ موسى بن نصبر، حصون الأندلس، وأستخلف ابنه عبد العزيز وأسكنه أشبيلية، وخلف معه حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع الفهري[10]". وأما عمل موسى بن نصير في قرطبة فقد اقتصر على أختطاط قصرها الكبير، كمقر لعامل المدينة، كما سيأتي.

ويذكر المؤرخ المعاصر الدكتور شاكر مصطفى في كتابه (الأندلس في التاريخ)، أن السمح بن مالك الخولاني، هو الذي نقل دار الإمارة من أشبيلية إلى قرطبة، ونصه: " وكان مقر واليها، أي الأندلس، في أشبيلية، ولكن السمح بن مالك الخولاني، رابع الولاة، نقل دار الإمارة إلى قرطبة[11]. وذهب إلى هذا الرأي أيضا، الدكتور شوقي أبو خليل، في كتابه (بلاط الشهداء)، فقال، حين الحديث عن السمح بن مالك الخولاني: فنقل مركز الخلافة، يقصد الإمارة، إلى قرطبة.. (ثم علق في الهامش:) كانت العاصمة طليطلة، ثم أصبحت أشبيلية، زمن عبد العزيز بن موسى، ونقلها السمح إلى قرطبة، التي استمرت عاصمة الأندلس، حتى نهاية الدولة الأموية في الأندلس[12]. وقد يفهم ذلك أيضا من كلام المؤرخ محمود شاكر ، فقد ذكر أن السمح بن مالك الخولاني "اتخذ قرطبة قاعدة له[13]". وتتفق هذه الآراء ضمنيا مع قول المراكشي: ولما استقر أمر المسلمين بالأندلس في غرة المائة الثانية تخيروا مدينة قرطبة فجعلوها كرسي المملكة، ومقر الإمارة، فلم تزل على ذلك إلى أن انقرضت دولة بني أمية بالأندلس[14].


 


[1] عنان: الآثار الأندلسية الباقية، مكتبة الخانجي– القاهرة، ط2، 1417هـ/ 1997، ص19.

[2] أحمد فكري: قرطبة، ص168.

[3] المقري: نفح الطيب (1/481).

[4] أرسلان: الحلل السندسية (1/264).

[5] ابن حيان، برواية المقري: نفح الطيب (1/269).

[6] للمزيد حول غزو النورمانديين لأشبيلية وتدميرهم لها، انظرالعبادي: مرجع سابق، ص 139.

[7] عبد العزيز سالم: قرطبة (1/31) ، المقري: نفح الطيب (3/14).

[8] ابن خلدون: العبر وديوان المبتدأ والخبر، ط. بيت الأفكار الدولية- عَمان، دون تاريخ، ص975.

[9] القلقشندي: صبح الأعشى (5/233).

[10] انظر، ابن القوطية: مرجع سابق، ص36 ، 37.

[11] شاكر مصطفى: الأندلس، ص27.

[12] شوقي أبو خليل: بلاط الشهداء، ص12.

[13] محمود شاكر: التاريخ الإسلامي (4/224) حاشية.

[14] المراكشي: المعجب، ص31.