باراك أوباما

رئيس الولايات المتحدة الأمريكية

نيويورك تايمز ـ 8 يناير 2011 م

 

http://www.nytimes.com/2011/01/09/opinion/09obama.html?_r=1January 8, 2011

 

 

 

   ليس كل جيل يمكن أن يعطى الفرصة لقلب صفحة الماضي وكتابة فصل جديد في التاريخ. ولكن اليوم، وبعد خمسين عامًا من الحروب الأهلية التي حصدت أرواح مليونين من البشر وحولت ملايين آخرين إلى لاجئين، فإن الفرصة قد حانت أمام شعب جنوب السودان.

ففي يوم الأحد توجه ملايين السودانيين الجنوبيين إلى التصويت سواء بأن يظلوا جزءًا من السودان أو يشكلون دولتهم المستقلة. وتلك العملية، إضافة إلى قرارات القادة السودانيين، سوف تساعد في تحديد إذا ما كان أولئك الناس ـ الذين واجهوا معاناة كبيرة ـ سوف يتحركون باتجاه السلام والرخاء، أم سينزلقون إلى الوراء مرة ثانية إلى حمامات الدماء، فذلك سيكون له تداعياته ليس على السودان فقط، ولكن على دول جنوب الصحراء وعلى العالم أيضًا.

وهذا التصويت التاريخي جزءًا من عملية تقرير المصير، وهي عملية طويلة الأمد، كما أنها جزء هام من اتفاقية السلام لعام 2005 التي أنهت الحرب الأهلية في السودان. ولكن حتى أشهر قليلة، لم نكن متأكدين إذا كان ذلك الاستفتاء سوف من الأساس، ولهذا اجتمعتُ مع قادة من السودان ومن حول العالم في سبتمبر الماضي، لأوضح لهم أن المجتمع الدولي يجمع على أن ذلك الاستفتاء يجب أن يتم، وأن رغبة شعب جنوب السودان يجب أن تحترم، بصرف النظر عن النتائج.

وللمضي قدمًا إلى الأمام، فإن القادة من من الشمال والجنوب السوداني ، تدعمهم أكثر من 40 دولة والمنظمات الدولية، وافقوا على العمل معًا لضمان أن يتم التصويت في ميعاده بسلام وبحرية وبمصداقية، وسوف يعكس رغبة الشعب السوداني. ويرجع الفضل في إنجاز ذلك التصويت في موعده إلى القادة في السودان الذين التزموا بتعهداتهم، وقد صرحت حكومة السودان مؤخرًا أنها ستكون أول من يعترف بالجنوب إذا صوت من أجل الاستقلال.

والآن، فإن العالم كله يراقب ويتحد في عزمه تصميمه من أجل ضمان التزام كافة الأطراف في السودان بتعهداتها. ومع تواصل الاستفتاء، يجب على الناخبين أن يسمح لهم بالوصول إلى مراكز الاقتراع، ويجب أن يكونوا قادرين على الإدلاء بأصواتهم بحرية وبدون ترويع أو إكراه. كما يجب على كافة الأطراف أن تنأى عن الخطب التحريضية أو الأفعال الاستفزازية التي يمكن أن تزيد التوتر أو تمنع الناخبين من التعبير عن رغبتهم.

ومع استمرار فرز الأصوات، يجب على كافة الأطراف أن تعمل من أجل عدم تزوير النتائج، فلكي تكون النتائج ذات مصداقية، يجب على اللجنة التي سوف تراقب الاستفتاء أن تكون بعيدة عن الضغوط والتدخلات. وفي الأيام المقبلة سوف يكون القادة من الشمال والجنوب بحاجة إلى العمل معًا لمنع العنف ولضمان أن الحوادث المنفصلة لا تنتشر لتتحول إلى عملية عدم استقرار واسعة النطاق، ولا يجب أن يستخدم أي طرف تحت أي ظرف استغلال القوات الموالية له بأن تحاول الحصول على مزايا أثناء انتظارنا لإعلان النتائج النهائية.

والتصويت الناجح سوف يكون مدعاة للاحتفال، وسوف يكون خطوة ملهمة للأمام في طريق إفريقيا الطويل باتجاه الديموقراطية والعدالة. كما سيتطلب السلام الدائم في السودان أكثر من مجرد استفتاء نزيه، فيجب أن يتم تطبيق اتفاقية سلام 2005 بكاملها، وهو الهدف الذي سيتطلب حلولاً توافقية، فالنزاعات المنتشرة ووضعية إقليم إبيي، الذي يمتد شمالاً وجنوبًا، يجب أن يتم حلها سلميًا، ويجب حماية أمن المواطنين السودانيين جميعهم، من الشمال والجنوب وبخاصة الأقليات ـ الجنوبيون في الشمال والشماليون في الجنوب ـ، كما يجب عمل ترتيبات من أجل التوزيع العادل والنزيه لعائدات النفط والتي يمكن أن تساهم في التنمية، كما يجب إدارة عملية عودة اللاجئين بعناية فائقة لمنع وقوع كارثة إنسانية أخرى.

وإذا ما اختار الجنوبيون الاستقلال، سوف يكون لدى المجتمع الدولي، بما في ذلك الولايات المتحدة، مصالح في ضمان أن الدولتين اللتين سوف يظهران بعد ذلك الاستفتاء ينجحان كجارتين مستقرتين وفاعلتين من الناحية الاقتصادية، لأن حدودهما سوف تكون مشتركة. فالسودان الجنوبي بصفة خاصة سوف يكون بحاجة إلى شركاء على المدى البعيد من أجل تحقيق الطموحات السياسية والاقتصادية لشعبه.

وفي النهاية، فلن يكون هناك سلام دائم في السودان بدون سلام دائم في إقليم دارفور بغرب السودان. فمصرع مئات الآلاف من أبناء دارفور الأبرياء ـ ومحنة اللاجئين مثل أولئك الذين التقيتهم في معسكر في تشاد المجاورة منذ خمس سنوات ـ لا يجب أن ننساها، وهنا أيضًا فإن العالم كله يراقب، فيجب على حكومة السودان أن تلتزم بتعهداتها الدولية، ويجب أن تتوقف الهجمات على المدنيين، كما يجب أن يتم السماح لقوات حفظ السلام الأممية وعمال الإغاثة أن يصلوا بحرية إلى أولئك الذين هم في احتياج إليهم.

وكما أخبرت القادة السودانيين في سبتمبر، فإن الولايات المتحدة لن تترك شعب دارفور، فسوف نستمر في جهودنا الدبلوماسية لإنهاء الأزمة هناك وإلى الأبد، ويجب أن تستخدم الدول الأخرى نفوذها لجمع كافة الأطراف على مائدة الحوار وضمان أن تجري مفاوضاتهم بنوايا طيبة. وسوف نستمر في إصرارنا على أن السلام الدائم في دارفور يجب أن يشتمل على محاسبة أولئك الذين ارتكبوا جرائم، بما في ذلك جرائم التطهير العرقي.

وإلى جانب شركائنا الدوليين، فإن الولايات المتحدة سوف تستمر في لعب دور القيادة في مساعدة الشعب السوداني في تحقيق السلام والتقدم الذي يستحقونه، واليوم فإنني أكرر عرضي لقادة السودان: إذا التزمتم بتعهداتكم واخترتم السلام، فسوف يكون هناك طريق لعلاقات طبيعية مع الولايات المتحدة، بما في ذلك رفع العقوبات الاقتصادية والبدء في عملية إزالة السودان من قائمة الدول التي ترعى الإرهاب، طبقًا لقانون الولايات المتحدة. وفي المقابل فإن أولئك الذين يخرقون تعهداتهم الدولية سوف يواجهون مزيدًا من الضغوط والعزلة.

واليوم سيشق ملايين السودانيين طريقهم لصناديق الاقتراع لتحديد مصيرهم، ذلك المصير الذي سيتحقق عندما يقود الزعماء الشجعان وأصحاب الرؤية شعوبهم ليوم أفضل، وأولئك الذين سيتخذون القرار الصحيح سوف يتذكرهم التاريخ، وسوف يكون لهم أيضًا شركاء دائمين في الولايات المتحدة الأمريكية.