ينظر العالم إلى المملكة العربية السعودية على أنها محور ارتكاز في منطقة الخليج، أي بمعنى آخر لا يوجد استقرار للخليج دونها، لعدة اعتبارات أهمها: المكانة الدينية للمملكة، وتأثيرها الإقليمي والدولي، وقوتها الاقتصادية الضخمة، وباعتبارها خزاناً بشرياً ضخماً مقارنة بالمملكات والمشيخات الخليجية الأخرى.  وفقاً لهذه المحاور تتحرك المملكة العربية السعودية في الساحة الخليجية، ومن خلال الجولة التي قام بها الملك سلمان بن عبد العزيز بين عدة عواصم خليجية كان آخرها المنامة حيث تعقد القمة 37 لبلدان مجلس التعاون الخليجي، أوصل رسالة مفادها: أن وحدة الخليج واتحاده أمام التحديات الكبيرة التي تحيط به أمر بالغ الأهمية، ولا تراجع عنه.

فالقمة التي من المفترض أن تحدد التوجهات السياسية والأمنية والاقتصادية لبلدان مجلس التعاون، سيكون عليها التحضير لسيناريو التعاطي مع عدة تحديات أمامها، أبرزها الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب الذي ينظر إليها نظرة طامع يريد استنزافها اقتصاديا، بالإضافة إلى تحدي الجماعات المتطرفة التي بدأت تضغط أمنياً خلال العقد الأخير عليها، وكان آخر ما أعلنته المملكة العربية السعودية الأسبوع الجاري، إصدار أحكام بحق 32 شخصاً متهمين بالتجسس لصالح إيران. المملكة العربية السعودية تمثل الخط الدفاعي الأول لبلدان مجلس التعاون الخليجي، فهي التي قادت الحرب ضد نظام الرئيس العراقي صدام حسين حينما هاجم الكويت، وهي التي أخمدت التمرد الشيعي في البحرين عام 2011، وتحارب ميليشيات الحوثي في اليمن وتدعم الثورةَ السورية التي تعتبرها جزءاً من معركتها الحقيقية مع النظام الإرهابي في إيران.

تحاول المملكة العربية السعودية في هذه الآونة تهيئة مقدراتها والخليج لتحديات أمنية كبيرة لا سيما في ظل أزمة تلوح في الأفق مع واشنطن في ظل رئيس يميني متطرف يؤمن بفوقية العرق الأبيض ويتطلع إلى عزل أمريكا عن العالم وينظر إلى البلدان الإسلامية على أنها منابع "إرهاب"، ورغم أن حرب اليمن أثبتت قدرة المملكة على الاعتماد على نفسها عسكرياً إلا أن الأزمة الاقتصادية التي سببتها حركة أسعار النفط والتي جميع التكهنات تشير إلى أنها قد تستمر عاماً آخر في ظل عدم توافق مجموعة أوبك على حلول لخفض الإنتاج، تستدعي أن تحاول دول مجلس التعاون أن تضع حلولاً طارئة للتعاطي مع هذه القضية، ولا سيما أن الخطر الإيراني يحيط بها من اليمن والعراق، كذلك في ظل حالة الارتباك التي تشهدها السياسيات الخارجية المصرية، كون القاهرة حليفاً بارزاً لبلدان مجلس التعاون الخليجي، بالإضافة إلى وجود علاقة صداقة بين تركيا ومنظومة الخليج إلى هذه اللحظة لم تختبرها الظروف، باستثناء التقاء المصالح بين الطرفين في الملف السوري، فإن بلدان مجلس التعاون الخليجي مطالبة بوضع استراتيجية جديدة تتناول سبل اتحادها وتعزيز استقرار منظومتها الاقتصادية وكذلك التعاطي بجدية وعمق مع المشاكل الأمنية التي تمثل خطراً كبيراً على مستقبلها، لأن ارتباط ووحدة مصيرها لم يعد أمراً محط اختبار أو اختيار بقدر ما هو ضرورة ملحة تحتمها الظروف التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط، وهذا الأمر الذي شدد عليه الملك سلمان بن عبد العزيز في افتتاح القمة الـ 37 في المنامة. ويبرز مع انعقاد هذه القمة والخطوات الأخيرة على الصعيد الأمني والسياسي التي اتخذتها بعض دول الخليج أن هذه القمة تحاول وضع أسس لتطوير التعاون العسكري بين بلدان الخليج بشكل أكبر من السابق ولا سيما أن حرب اليمن أثبتت أن الرهان على الحلفاء وقت الشدائد خاسر.