مع كل واقعة تثير، من قريب أو بعيد، مسألة التشيع في مصر، عليك أن تنتظر ردود الأفعال التي ستعقبها؛ فإنها لن تمر دون أن تحدث جلبة صاخبة، بل قد يتطور الأمر ليبلغ العنفَ المادي، ولا أدل على ذلك ما وقع في إحدى ضواحي محافظة الجيزة في يونيو/ حزيران 2013، مع القيادي الشيعي حسن شحاتة، الذي نال عبر إحدى قنوات التلفزة المصرية من أم المؤمنين عائشة، رضي الله عنها؛ فقد ثار عليه سكان منطقته ثورةً عنيفةً، واقتحموا مسكنه، وقتلوه مع ثلاثة أشخاص من أقربائه[1].

في ذات البعد، أثارت لوحات إعلانية حملت صورة المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، علي خامنئي، جدلاً كبيراً في أوساط النخب المصرية، مع انتشارها في بعض شوارع القاهرة، أواخر أكتوبر/ تشرين أول من العام الجاري 2016، وعاد معها الحديث عن التقارب بين مصر وإيران، وكيف أنها ما إن تضع قدميها في بلد عربي، حتى يتمزق نسيجه، وتفرض نفوذها فيه، عبر أذرعها المسلحة، ولعل شواهد ذلك واضحة في ظل ما تمر به، اليوم، بعض الدول العربية، التي أضحت الجماعات الشيعية فيها مالكة السلطة والقرار.

برغم ما تطرحه الحكومة من أطر وقواعد للتقارب بين مصر وإيران، إلا أن صوت الرفض الشعبي يرتفع دائماً عبر المنابر الدينية والإعلامية والثقافية، كالصوت السلفي الذي بات واسع الانتشار والتأثير، ثم يليه أصوات فاعلة في الأزهر، تعبر في أغلب الأحوال عن موقفها الشخصي، وعن موقف عموم المصريين؛ مثل مفتي مصر السابق الدكتور علي جمعة، الذي حذر في أكتوبر/ تشرين الأول 2012 الساسة الإيرانيين بقوله: "اتقوا الله فينا وفي أنفسكم"[2] ، أما مثال الصوت السلفي؛ فموقف الشيخ إبي إسحاق الحويني، الذي حذر الرئيس الأسبق محمد مرسي من تسلل التشيع عبر بوابة السياحة، حين حاولت إيران إغراء نظامه بتفويج آلاف السياح الإيرانيين؛ فكان مما قاله الحويني إن "مصر تمثل الجائزة الكبرى بالنسبة لإيران"[3].

يبدو أن مبعث التوجس من إيران؛ محاولاتُها المتكررة، نظاماً ومراجع شيعية، ومعها جماعات شيعية أخرى من دول عربية، اختراقَ منظومتي المجتمع والسلطة في مصر، مع كل تحول سياسي تمر به، بواسطة هجمات ناعمة تستهدف أبعاداً معينة من أبعاد أمنها القومي، كالبعد الاقتصادي، أو الثقافي، أو الفكري، أو العسكري، أو كلها دون استثناء. وقد لمس ذلك مع ظهور ما عرف بـ "التقريب بين المذاهب الإسلامية" عام 1946؛ حيث رعى الأزهر وبعض المراجع الشيعية من خارج مصر، تأسيس هيئة أطلق عليها "جماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية"، كما أنشئ باسمها دار لتكون مقراً لها، وصدر عنها مجلة "رسالة الإسلام" التي طبع عددها الأول في يناير/ كانون الثاني 1949[4] ، وعين في منصب سكرتير الجماعة الشيخ الشيعي محمد تقي الدين القُمِّي، بوصفه أحد أبرز الداعين إلى هذه الفكرة[5].

كما نشط نفوذ التشيع خلال العشر سنوات التي تلت نكسة يونيه/ حزيران 1967، من خلال تحرك بعض عناصره، كالعالِم الشيعي العراقي طالب الحسيني، الذي أقام بمصر خلال الفترة 1969-1985، وكوَّن علاقاتٍ واسعة، التقى بموجبها بالرئيسين عبدالناصر والسادات، الذي كلفه بالصلاة على جنازة الشاه محمد رضا بهلوي عام 1980؛ حيث كان الرفاعي يوصَف بإمام شيعة مصر [6]. وكان الرجل قد تمكن في أغسطس/ آب 1973 من تأسيس جمعية آل البيت[7] ، معتمداً على فتوى شيخ الأزهر الشيخ محمود شلتوت، التي أصدرها عام 1959، مجيزاً فيها التعبد بالمذهب الجعفري (الإمامي الإثنا عشري) كسائر المذاهب السنية[8].

مع دخول إيران في نظام ولاية الفقيه، بعد ثورة فبراير/ شباط 1979، وقطع علاقتها مع مصر تأثر نشاط التشيع[9] ؛ نتيجة الإجراءات التي اتخذتها الحكومة المصرية؛ كقيامها عام 1979 بإلحاق مسجد آل البيت بالمساجد التي تشرف عليها[10] ، وقيامها في ديسمبر/ كانون أول من العام نفسه، بإيقاف نشاط جمعية آل البيت، بموجب قرار حكومي؛ نظراً لما شكلته من خطورة على عقائد الناس ووحدة صفوفهم، وإثارتها أفكاراً غريبة ضد الإسلام، وتأييدها الفكر الشيعي، بإعادة طباعة ونشر الكتب الشيعية، التي من بينها: المراجعات، وعلي لا سواه، والتشيع ظاهرة طبيعية في إطار الدعوة الإسلامية[11].

بعد خروج السيد طالب الرفاعي من مصر في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، في عهد الرئيس مبارك، ركبت موجةَ التشيع شخصياتٌ مصرية مثيرة للجدل؛ كصالح الورداني، الذي يقول عن نفسه إنه "أول من بذروا بذرة التشيع في مصر"؛ حيث أسس عام 1998 دار نشر شيعية أطلق عليها دار الهدف، وأصدر عام 2006 مجلة آل البيت، التي كانت توزع مجاناً، كما ألف كتباً عديدة عن التشيع. وقد تعرض للملاحقة الأمنية؛ بسبب نشاطه التشيعي وارتباطه بإيران[12]. كما زاحمه في هذه الموجة الطبيب والأكاديمي بجامعة المنصورة، أحمد راسم النفيس، الذي أُعلن عن تشيعه أواخر ثمانينيات القرن الماضي، وألف عدداً من الكتب عن التشيع، وتعرض للاعتقال على خلفية نشاطه فيه[13] وارتباطه بدوائر تمويل شيعية عراقية وإيرانية[14].

خلال السنوات العشر الأخيرة، كُشِف النقاب عن عدد من الجماعات الشيعية، مثل: العصبة الهاشمية، وتنظيم الطلائع الشيعي، والتنظيم الشيعي الإيراني. كما رُصدَت تجمعات للشيعة في حي المعادي بالقاهرة، والزقازيق، والمنصورة، وأسوان، رافقه حضور لافت لطائفة البهرة (الباطنية) التي برز نشاطها منذ أكثر من ثلاثة عقود، مع افتتاح الرئيس السادات عام 1980 جامع الأنور(الحاكم بأمر الله) بالقاهرة، الذي جرى صيانته على نفقتها، كما أقامت إلى جواره داراً للمناسبات، وداراً أخرى بحي المهندسين، وبَنَت المقصورتين الذهبيتين لضريح الرأس المنسوب للحسين وضريح السيدة زينب، رضي الله عنهما[15] ، وتحاول السلطات المصرية، حتى الآن، التعامل مع طائفة في حدود حرية المعتقد التي تراعي الأمن القومي المصري.

هذا، ومع مرور سبعة عقود من محاولات التشيع اختراق مصر، ثمة آراء مختلفة يمكن الاعتماد عليها في تقدير ما أثمرته هذه المحاولات؛ منها ما كشفه التقرير الدولي للحرية الدينية الصادر عن وزارة الخارجية الأميريكية لعام 2005، الذي قدر نسبة الشيعة المصريين بأقل من 1%، إلا أن شخصيات مصرية متشيعة، زعمت أن النسبة تعادل 1%، أي: أن عدد الشيعة يتجاوز 750 ألف شخص من إجمالي سكان مصر، غير أن الكثير يبدي تَقيّة في تشيعه[16] ، بينما يرى البعض أن هنالك التباساً حاصلاً في هذا التقدير؛ فالنسبة تضم الصوفيين، أما الشيعة فلا يتعدون بضعة آلاف[17].

في ذات الاتجاه، يمكن القول إن إيران والأذرع الأخرى المرتبطة بها، لم تستطع الحفاظ على نقطة ارتكاز مادية واحدة من تلك التي أرسيت للتشيع بمصر؛ فحتى الآن لا يوجد قاعدة جماهيرية أو سياسية، ولا مؤسسة دينية شيعية ترتبط بإيران[18]. كما أن مما يثار حول كثير ممن تشيعوا، أن دوافعهم نفعية مادية، دون اعتناق واقتناع حقيقي، بقطع النظر عن حالات معدودة وقعت في ذلك؛ بفعل عاملي الجهل والفقر معاً؛ لأن نفسية وذهنية عامة المصريين، كما وصفها أحد الباحثين، "لفظت التشيع منذ زمن، ولا يمكن أن تتقبله مرة أخرى"، أما انبهار المصريين بالثورة الإيرانية وتبنيها مواجهة الغطرسة الأميريكية، فتراجع كثيراً؛ لأن المطامع الإيرانية في مصر باتت مكشوفة، وقد مثّل تحالف إيران مع الأميريكيين في احتلال العراق عام 2003، آخر أوراق التوت التي سقطت منها[19].

كما يبدو للمتابع والمهتم بمسألة التشيع الديني أو السياسي في مصر، أن انبهار المصريين ببعض الزعامات الشيعية العربية، لم يعد كما كان؛ فشخصية، كأمين عام حزب الله اللبناني، حسن نصر الله، لم تعد بتلك الحظوة في نفوسهم كحاله عام 2006، مع الجلبة الإعلامية التي أثيرت أثناء المواجهة التي دارت بين مقاتلية وجيش الاحتلال الصهيوني على الحدود اللبناية[20] ، ويمكن تفسير جانب من هذا التراجع بتورط حزبه في أعمال تخريبية استهدفت الأمن القومي المصري، كـما حصل من "خلية حزب الله" التي وقعت في قبضة الأمن في نوفمبر/ كانون أول 2008، وهو ما عزز، كذلك، النظر إلى حزب الله بوصفه ذراعاً إيرانية في محور الهلال الشيعي الذي يحاول اختراق مصر من أي عتبة.


 


[1] ) إزاء هذه الجريمة، ألقت سلطات الأمن المصرية القبض على الجناة، وقضت محكمة جنايات الجيزة بمعاقبة 23 متهماً بالسجن 14 عاماً. ينظر حول هذه الواقعة في الموقع:

  http://www.elwatannews.com/news/details/208595  [22\10\2016]

[2] ) عوض الله، محسن. (2016). "إيران تسعى إلى مد أذرعها عبر نشر التشيع في مصر". جريدة العرب (21 سبتمبر/ أيلول 2016) العدد: 10401

[3] ) من تسجيل مرئي للشيخ السلفي إبي إسحاق الحويني، متاح على الموقع:

https://www.google.com.eg/url?sa=tgsource=web&rct=j&url=%23&ved=0ahUKEwjRy-Tz-[18/10/2016]

[4] ) المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية: أهدافه ومناهجه ومنجزاته (2006) طهران: المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب، ص10.

[5] ) الورداني، صالح. (1994). الشيعة في مصر. من الإمام علي إلى الإمام الخميني، القاهرة: مكتبة مدبول، ص143.

[6] ) قناة العربية، برنامج إضاءات، تركي الدخيل، مقابلة متلفزة مع طالب الرفاعي، في 14/9/2012، 

[7] ) الورداني، مرجع سايق، ص163

[8] ) المؤسسات الشيعية في مصر، متاح على الموقع:

  http://www.altanweer.net/articles.aspx?id=201030017&selected_id=-10217&page_size=5&links=True

[9] ) مقابلة صحافية مع صالح الورداني، متاحة على الموقع:

  http://www.altanweer.net/articles.aspx?id=201030018&selected_id=-10066&page_size=5&links=true

[10] ) الورداني، مرجع سابق، ص165

[11] ) الورداني، مرجع سابق، ص164

[12] ) إسماعيل، محمد. (2015). مقابلة صحافية مع المتشيع صالح الورداني، جريدة اليوم السابع (3/10/2013)، متاح على الموقع:

m.youm7.com/story/2015/10/3/ [23\10\2016].

[13] ) بي بي سي، برنامج بلا قيود، أذيع يوم 1/4/ 2013 متاح على الموقع

[23\10\2016] : https://www.youtube.com/watch?v=YI2OyRAw5aQ [23\10\2016].  

[14] ) عوض الله، محسن. (2016). مرجع سابق.

[15] )  العويمر، أحمد ، خطر على أرض الكنانة، متاح على الموقع:  http://www.altanweer.net/articles.aspx?id=201030019&selected_id=-10133&page_size=5&links=True [22\10\2016].

[16] ) حوار مع المتشيع صالح الورداني، متاح على الرابط:

 http://www.altanweer.net/articles.aspx?id=201030018&selected_id=-10066&page_size=5&links=true[28\10\2016].

[17] ) حوار مع المفكر الإسلامي جمال سلطان، متاح على الموقع:

 http://www.altanweer.net/articles.aspx?id=201030018&selected_id=-10063&page_size=5&links=true [23\10\2016].

[18] ) الورداني، صالح (1995). مصر وإيران. صراع الأمن والسياسة، القاهرة: مكتبة نرجس، ص110

[19] ) مستقبل الفكر الشيعي في مصر، متاح على الموقع:

http://www.altanweer.net/articles.aspx?id=201030025&selected_id=-10180&page_size=5&links=True

[20] ) حوار مع المفكر الإسلامي جمال سلطان، مرجع سابق.