شهد المغرب خلال الأيام الأخيرة موجة احتجاجات شعبية في شوارع جل مدن البلاد، هي الأقوى من نوعها منذ الحراك الشعبي الذي تزامن مع انتفاضات الربيع العربي خلال عام 2011، إثر واقعة طحن تاجر سمك كان يسمى قيد حياته محسن فكري، بواسطة شاحنة النفايات بعد محاولته استرجاع كمية السمك الذي احتجزته له السلطات، بدعوى أن نوع سمك أبو سيف الذي كان بحوزة البائع الموزع، (الراحل محسن فكري)، يمنع صيده خلال الفترة الأخيرة من السنة.

وما إن تسرب الحادث المفجع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حتى خرجت مسيرات احتجاجية عفوية في مدينة الحسيمة، والتي تعتبر عاصمة منطقة الريف ذات الغالبية الأمازيغية، (تبعد عن العاصمة الرباط نحو 300 كيلومتر شمال المغرب)، إضافة إلى المدن المجاورة مثل وجدة عاصمة شرق المملكة المغربية، وتطوان وطنجة في أقصى الشمال، قبل أن تنتقل الاحتجاجات غداة يوم الفاجعة الذي تزامن مع ليلة يوم الجمعة 28 تشرين الأول الماضي، إلى ربوع البلد خلال الأيام الموالية.

عدم احترام القانون

يعود السبب الرئيسي في خروج المواطنين المغاربة للتظاهر احتجاجا على مقتل بائع السمك، الشاب محسن فكري (33 عاما)، إلى أمرين اثنين أولهما، الطريقة المأساوية التي لقي بها الراحل حتفه مطحونا في شاحنة النفايات، وثانيا عدم احترام القانون في مصادرة سلعة التاجر محسن فكري، والتي اتسمت بنوع من "الشطط في استعمال السلطة" من طرف رجال الشرطة الإدارية، وكذا موظفي المندوبية الجهوية للصيد البحري بمدينة الحسيمة.

ومن الناحية القانونية فإن عملية إتلاف السلع الغير الشرعية أو الفاسدة تتخذ مسطرة محددة، ففي حالة بائع السمك محسن فكري، يتعين على موظفي مصالح مندوبية وزارة الصيد البحري، القيام بمعاينة بيطرية للسلعة أولا، ثم التحري حول كيفية إخراجها من الميناء، وإذا تبين أنها فاسدة أو تم شحنها بطريقة غير شرعية، فإنه يتعين على المصالح المختصة تحرير محضر رسمي يقضي بإتلافها، على أن يتم حجزها مؤقتا في مخزن تبريد قبل التخلص منها بالطرق المعتمدة، غير أن هذه الإجراءات لم تحترم في عملية حجز سمك أبو سيف الذي وجد في سيارة محسن فكري.

عجرفة إدارية

وفي تفسيرات ما حدث، فإن أحد العوامل التي كانت سببا في وصول حادثة حجز سلعة بائع السمك إلى النهاية المأساوية، والتي راح ضحيتها أحد المواطنين العزل بدم بارد، ترتبط بأسلوب اشتغال موظفي الإدارة في المغرب، والذي يستمد مقوماته من فصول قانونية "استثنائية" تنطوي على كثير من "التمييز" حسب كثير من المراقبين، مثل الفصل الذي يحمل رقم "263" من القانون الجنائي المغربي.

وينص هذا الفصل في أحد بنوده على أنه "يعاقب بالحبس من شهر إلى سنة واحدة، وغرامة مالية تصل إلى خمسة آلاف درهم مغربية، (حوالي 550 دولار)، كل من أهان أحد من الموظفين العموميين أو من رجال القضاء أو من رؤساء أو رجال القوة العامة، أثناء قيامهم بوظائفهم، أو بسبب قيامهم بها، بأقوال أو إشارات أو تهديدات، أو إرسال أشياء أو وضعها، وذلك بقصد المساس بشرفهم أو بشعورهم أو الاحترام الواجب لسلطتهم".

وأعادت حادثة وفاة محسن فكري الحديث عن المظاهر السلبية للبيروقراطية في الإدارة المغربية إلى واجهة النقاش العمومي، ففي الوقت الذي نالت هذه الممارسة القسط الوافر من الشجب والإدانة من طرف المتظاهرين في شوارع البلاد، فإنها في نفس الوقت جرت عليها انتقادات كتاب ومفكرين مرموقين بالمغرب مثل العلامة المقاصدي الدكتور أحمد الريسوني، الذي نشر مقالة له في عدة منابر إعلامية محلية، ينتقد "عجرفة رجل الإدارة"، حيث "أن الموظف أو المسؤول الحكومي يقف دوما موقف القوي المتغلب المستعلي، فيما يقف المواطن «الأعزل» موقف الضعيف المغلوب المستجدي لحقه، الخائف على نفسه وحاجته".

وعاب الريسوني في مقالته "الهيبة الزائدة" التي يحضى بها الموظفون الحكوميون، قائلا "في الوقت الذي الوقت الذي يُحصي فيه الفصل 263 من القانون الجنائي على المواطن الأعزل أنفاسه وكلَّ ما يتصوره من الحركات والإشارات العفوية والنوايا المفترضة والأشياء ويضعها تحت طائلة السجن والغرامة، بتهمة "إهانة الموظف والمس بشرفه أو حتى بشعوره"، بالمقابل، لا يوجد في هذا الفصل القانوني ولا في غيره، أي شيء عن إهانة الموظفين للمواطنين العزل، سواء بنفس تلك الإشارات والرسوم والأشياء، أو بما هو صريح صارخ من أشكال الإهانة والاستفزاز والتهديدات اللفظية والمعنوية".

تطور الاحتجاجات

أخذت الاحتجاجات الشعبية على بعد أسبوع من دفن "شهيد لقمة العيش"، حسبما ما صار يعرف إعلاميا في المغرب، منحى سياسيا بعد أن كانت في البداية تعبيرا عفويا عن الحزن والغضب على الطريقة المأساوية التي لقي بها الراحل حتفه، ففي المسيرات التي تواصلت بمختلف المدن المغربية في الأيام الموالية رفع المتظاهرون لافتات مشفوعة برسائل سياسية صرفة، مثل "باراكا من الحكرة" (أي كفي من أسلوب احتقاري متعجرف في معامةل المواطن)، و"أين الثروة؟"، في إحالة على السؤال الذي كان قد طرحه العاهل المغربي الملك محمد السادس في إحدى خطبه الأخيرة بمناسبة ذكرى عيد العرش، وعناوين أخرى مثل "الفوسفاط وجوج بحورا وعاشين مقهورين"، ومعناه (رغم وجود مادة الفوسفات الثمينة بالمغرب وتوفره على واجهتين بحريتين إلا أن هذه الإمكانات لا تنعكس على مستوى عيش المواطن).

وحسب كثير من المتتبعين للشأن السياسي المغربي، فإن استمرار الاحتجاجات رغم الإجراءات الحكومية المعلن عنها، ينطوي على وعي المواطن المغربي بجوهر التناقض السياسي والفساد الاقتصادي، وبالتالي استثماره لمناخ الغضب الشعبي للتذكير بمطالب الإصلاحات السياسية، والتي كانت أهم مطالب الشارع المغربي بعد هبوب رياح الربيع العربي عليه، والتي تمخض عنها إجراء تعديلات دستورية وانتخابات مبكرة، أسفرت لاول مرة عن ولادة حكومة من صناديق الاقتراع ذات امتداد شعبي، وتجددت مرة أخرى خلال الانتخابات التشريعية الأخيرة، التي جرت في السابع من أكتوبر - تشرين الأول الماضي.

أكباش فداء

على الرغم من إعلان وزارة الداخلية المغربية فتح تحقيق بأمر من عاهل البلاد الملك محمد السادس، إلا أن هذه الخطوة لم تشفع لها في استجابة المواطنين بالمكوث في منازلهم وترقب ما ستسفر عنه نتائج التحقيق القضائي، ويعزي مراقبون هذا الموقف لكوت الرأي العام الشعبي المغربي لا يثق في نزاهة السلطة القضائية مائة بالمائة، إذ كلما حدثت فاجعة من الفواجع التي تهز المجتمع المغربي، يتم تقديم أكباش فداء من صغار المسؤولين لإخماد غضب الشارع، ولا تستكمل إجراءات التحقيق أو هكذا يبدو ثم يطوى الملف وينسى.

وفي السنوات الخمس الماضية فقط يتذكر المغاربة عددا من القضايا التي أعلنت الدولة، عن فتح تحقيقات بشأنها وتعهدت بمتابعة المسؤولين عنها وإنفاذ القانون عليهم، إلا انه بعد مرور مدة طويلة من ذلك لم يتم الإعلان عن نتائجها ولا عن الجزاءات المترتبة على من ثبت مسؤوليتهم في التجاوزات أو التقصير، ومن أمثلة ذلك "فاجعة احتراق حافلة للتلاميذ بمدينة طانطان"، و "فياضانات شهدها جنوب البلاد أودت بحياة عشرات المواطنين" وغيرها من القضايا، مما خلق قناعة لدى فئة عريضة من المجتمع المغربي، بأن المحاسبة لا تشمل إلا على الطرف الأضعف في حلقة السلطة ولا يطال الرؤوس الكبيرة.

من صاحب المركب؟

في نازلة حجز السلعة لبائع السمك محسن فكري والتي اعترتها خروقات قانونية سافرة، حسب منتدى الكرامة لحقوق الإنسان، وذلك على مستوى المسطرة الجنائية، والقانون التنظيمي للصيد البحري، ومدونة السير على الطرق، وقانون السلامة الصحية للمنتجات الغذائية، فإن النيابة العامة قررت متابعة ثمانية أشخاص فقط هم؛ مندوب وزارة الصيد البحري بالمدينة، وطبيب بيطري بنفس المندوبية، ورئيس مصلحة بها، ورجل سلطة برتبة قائد في جهاز الإدارة الترابية التابع لوزارة الداخلية، وأربعة مستخدمين بشاحنة النظافة التي شهدت عملية إتلاف الأسماك.

وبينما استحسن المواطنون المغاربة تسريع مسطرة التحقيق مع المشتبه فيهم، إلا أنهم ما يزالون ينتظرون استدعاء صاحب مركب الصيد الذي اصطاد سمك أبو سيف، والذي تمنع السلطات صيد خلال هذه الفترة من السنة، مما جعل كثيرا من المتتبعين يعتقدون أن أطوار التحقيق مشوبا ب "التمييز بين المواطنين"، وفي هذا السياق أطلق نشطاء سياسيون حملة على مواقع التواصل الاجتماعي تحت وسم #شكون_مول_الباطو أي (من هو صاحب مركب الصيد؟)، والذي ترجح مصادر محلية أنه يعود لوزير نافذ في الدولة.

معضلة اقتصاد الريع

من بين القضايا التي فتحت واقعة مقتل بائع سمك "أبو سيف" بمدينة الحسيم الحديث عنها، هي قضية "الفساد المستشري في قطاع الصيد البحري"، والذي يندرج في إطار معضلة كبيرة يعاني منها المغرب، تتمثل اقتصاد الريع أي نوع من النشاط الاقتصادي قائم على غياب الحكامة والشفافية في الاستفادة من الامتيازات، وهو ما يؤدي إلى التوزيع الغير العادل للثروة ويخلف الفوارق الاجتماعية بين المواطنين.

وقد كان إقدام السلطات على إتلاف السمك الذي كان في حوزة محسن فكري، تحت ادعاء أنها أسماك "ممنوع صيدها"، وقودا لإثارة أسئلة حرجة حول من يمنح التراخيص للمراكب التي تصطاد هذا النوع من السمك؟ وكيف يتم إخراج المنتوجات البحرية من الميناء إلى الأسواق؟ ولفهم جزء من الجواب فإن أسعار الأسماك عرفت انخفاضا كبيرا بعد الحادث المفجع، في عدد من المدن إثر اختفاء السماسرة والمضاربين من الموانئ.