ثمة ما يدعو إلى الاعتقاد بأن مستويات التقارب الحذر التي شهدتها العلاقات الخليجية العراقية مؤخراً، جاءت مرهونة بذلك الهاجس الأمني المصاحب لتفشي سرطان الإرهاب الذي يهدد الجميع، كما أن خروج نور المالكي من الحياة السياسية العراقية دلل هو الأخر من تلك العراقيل التي اعترضت أي محاولات سابقة في هذا الشأن، لكن مع توفر هذه العوامل التي يمكن إعتبارها دافعاً لأي تقارب محتمل بين الجانبين، إلا أن النفوذ الإيراني في العراق وموقف حكومة العبادي من أهل السُنة هناك، يستدعي طرح العديد من الأسئلة، أهمها يكمن في موقف دول مجلس التعاون من الوجود الإيراني هناك، وهل بإمكانها تلافي أو تأجيل ذلك المحدد الأهم في علاقاتها مع العراق؟ أم إن ما تفرضه المرحلة الحرجة ومقتضياتها يجعلها أكثر مرونة في التعامل مع الملف العراقي برمته؟

رغم خروجه من عباءة حزب الدعوة المقرب لرئيس الوزراء سيء الذكر نور المالكي، لم تتوانى دول الخليج العربية وعلى رأسها السعودية في إرسال التهاني لرئيس الوزراء "حيدر العبادي"، وما صاحبها من ترحيب خليجي بحكومته، والحديث أيضاً عن إمكانية استقباله على الأراضي السعودية، لكن العبادي سرعان ما تناسى خلال زيارته الأخيرة للبيت الأبيض في إبريل الماضي هموم العراق والمذابح التي تقترفها المليشيا الشيعية بحق السُنة وتمدد تنظيم الدولة "داعش" مركزاً فقط على الدور السعودي في اليمن ومعبراً عن قلقه حيال تدخل السعودية وما تقوم به من دور غير متعاون في وقف إطلاق النار على حد زعمه.

تلك التصريحات غير المبشرة أو المشابهة لمواقف سلفه، لم تنسف ذلك الترحيب الخليجي الذي ربما كان يتجه إلى الترفع عن الصغائر ومن تم فتح صفحة جديدة مع العراق، لأن الإرث السلبي الثقيل الذي خلفه المالكي يحتاج لحكمه وجهد مضاعف من دول مجلس التعاون التي باتت تنظر بعين الريبة والقلق لمصير أهل السُنة هناك والمنطقة برمتها.

في هذه الأثناء أدركت دول مجلس التعاون خطورة استنساخ مالكي جديد لا يؤمن إلا بالسياسة الأمنية القائمة على القتال والاعتقال، دون الأخذ بعين الاعتبار تلك العوامل التي أدت إلى استفحال ظاهرة الإرهاب، بفعل ترسيخ الأفكار الطائفية وما يترتب عليها من دوافع الانتقام التي أسست لدولة المليشيات المسلحة المنتشرة في البلاد، وربما بدأت تتعزز لدى دول الخليج قناعات مختلفة تجاه النظام العراقي، أو على الأقل بدأت تتعامل مع خلافاتها تجاه الحكومة العراقية وفقاً للمعطيات الجديدة التي فرضتها طبيعة المرحلة، خاصةً وأن الاتفاق النووي مع الغرب قد اعترف بالدور الإيراني في المنطقة، لذلك ربما كانت المقاربة الخليجية قائمة على تفويت الفرصة على إيران للتفرد وحدها بالساحة العراقية.

لذلك عمدت دول مجلس التعاون الخليجي إلى اتخاذ خطوة إلى الأمام، كانت كفيلة بإعادة العلاقات الدبلوماسية عبر فتح سفاراتها في العراق بالتزامن مع بعض الزيارات المتبادلة، حتى أن الأمر قد وصل في بعض الأحيان إلى توقيع اتفاقيات تجارية وأمنية، ناهيك عن استعداد دولة الإمارات العربية لتمويل بعض الصفقات العسكرية لدعم الجيش العراقي في محاربة الإرهاب، وهذا يؤكد حجم التحديات الإقليمية التي كانت كفيلة بإزاحة الكثير من نقاط الخلاف رغم الخلاف الأيديولوجي الواضح، لاسيما بعد تنامي نفوذ تنظيم الدولة داعش في العراق، الأمر الذي جعل من التهديد الإرهابي الذي حرك الخلافات سابقاً حافزاً مهماً للتقارب.

 ولا ريب في أن إذكاء النزاعات الطائفية الذي يشكل خدمة لإيران وبعض الأطراف الإقليمية والدولية، قد كان كفيلاً أيضاً بدفع دول الخليج نحو استخدام سياسة تبريد الصراع على حدودها مع العراق، لأن أولوياتها في الوقت الراهن مركزة على الساحة اليمنية المحتدمة التي ما تزال تحتاج إلى طاقات كبيرة، كما أنها في غنى عن فتح جبهات أخرى مع إيران وحلفاؤها في المنطقة.

وعليه فإن الحديث عن إمكانية تقارب حقيقي يبقى بحاجة للكثير من الوقت والكثير من التحولات التي يمكن أن تفرض نفسها على المستوىين المتوسط والبعيد، لأن الحالة السياسية والأمنية على الساحة العراقية ما تزال في طور التغيير ولم تصل إلى مرحلة واضحة من الاستقرار السياسي، حينها يمكن الحديث بشكل أدق عن مستوى ما من التقارب، لأن تطوير العلاقات الآن بشكل إيجابي سيبقى مرهون بمباركة إيرانية، وهذا ما تؤكده الأحداث والتحركات الجارية، فنتائج  الاجتماع الثلاثي في 22 إبريل الماضي الذي عُقد في العاصمة طهران بين مساعد وزير الخارجية الايراني ونظراءه السوري والعراقي، كانت موجهة لتلك التهديدات التي تمثلها السعودية على حد وصفهم ودور إيران المؤثر في وقف عاصفة الحزم وتهديداتهم المستمرة التي أكدت على استعداد إيران لمواجهة أي إجراءات تعقد الأوضاع في المنطقة، وهي رسالة واضحة لدول الخليج والعالم السُني كان القصد منها التأكيد على متانة الهلال الشيعي الذي تقوده طهران، وإفشال أي مساعي خليجية للتقارب مع العراق.

وهذا يؤكد أن تصريحات العبادي في 31 مايو الماضي الذي أشار خلالها إلى أن العراق ليس طرفاً في الصراع السعودي الإيراني، لم يكن لها محل من الإعراب بالنسبة لدول الخليج التي تدرك أن مثل هذه التصريحات لا تنسجم مع ما يجري على أرض الواقع، خاصةً وأن العراق سيبقى بوابة لإيران تنطلق من خلالها لتعزيز نفوذها في المنطقة على حساب العالم السُني، فالمليشيات الشيعية يجري تدريبها في إيران ويتم نقلها إلى سوريا عبر البوابة العراقية، ما يدل على حالة التناقض في مواقف الحكومة العراقية تجاه العالم السُني.

وهنا ينبغي الإشارة إلى ملاحظتين مهمتين حول عودة العلاقات الدبلوماسية الخليجية العراقية:

الأولى: هي أن دول مجلس التعاون لا ترغب في وجود دولة طائفية في العراق تستخدمها إيران في صراعها الأيديولوجي مع العالم السُني، وفي نفس الوقت تتخوف من تنامي تنظيم الدولة "داعش" على حدوها الشمالية ما يمثل تحديا إضافياً أمام السياسة الخارجية لدول مجلس التعاون التي لا ترغب في رؤية تنظيمات جهادية متطرفة على حدودها .

الثانية: دوافع دول الخليج مجتمعة للتقارب مع العراق ربما كانت مختلفة عن دوافع المملكة العربية السعودية، فبعض دول الخليج يحظى بعلاقات جيده إلى حد ما مع إيران، ولغة المصالح في هذا الصدد تتفوق على العامل الأيديولوجي، لكن الوضع بالنسبة إلى المملكة العربية السعودية يبدو مختلف، لذلك نجدها تتعامل مع العراق بحذر شديد، كما أن تقاربها معه ربما يأتي في سياق حرصها على إعطاء صورة نمطية واحده لدول مجلس التعاون الخليجي، لأن رفضها لإعادة التقارب بشكل منفرد سيبدو لدى البعض وكأنها تغرد خارج السرب الخليجي، خاصة وأنها بحاجة لكل الطاقات والجهود الخليجية والعربية لوقف التغول الشيعي المستمر.

لذلك أزعُم أن محاولات إعادة الدفء في العلاقات الخليجية العراقية، كان الهدف منها إحداث نوع من الإختراق للملعب الإيراني ومنعها من اللعب منفردة على الساحة العراقية، وفي ذات الوقت أصبحت دول الخليج مهتمة أكثر من أي وقت مضى بإحتواء النظام العراقي الذي لعب دور كبير في تصدير التطرف مؤخراً، والبحث عن تعاون أمني مشترك يضع حداً للأرهاب الذي خلفته سياسة حكومة المالكي الطائفية، من أجل حماية أهل السُنة هناك ومنع تمدد التطرف لدول الخليج.