لقد جرت العملية الانتخابية في العراق، وما زالت فصولها تُكتَب؛ فنحن أمام وضع يجمع كثيراً من التناقضات، ويمكن تلخيصه بأنه: احتلال أمريكي، وسيطرة إيرانية، وديمقراطية شكلية هدفها الأساس إضفاء الصبغة القانونية على كل ما أفرزته العملية (الأمريكية - الإيرانية) المشتركة لإسقاط النظام في العراق، وعلى رأسها استعباد أهل السُّنة؛ فقد كان إشراكهم في السلطة والعملية السياسية من البداية مرحلةً مؤقتة؛ فمُمثِّل السُّنة في مجلس الحكم الانتقالي هو الوحيد الذي وضع الجنود الأمريكان أحذيتهم على رقبته، وممثلو السُّنة في الرئاسة - سواء كانوا عرباً أو أكراداً - لم يُستَشَاروا، ولم يُلتَفَت إلى رأيهم في قَتْل الرئيس السابق صدام حسين، بل وقَّع نوري المالكي أمر إعدامه، وسلَّمه الأمريكان إلى أتباع الصدر الذين قتلوه في يوم عيد الأضحى في موقعٍ كان يُستخدَم لمواجهة النفوذ الإيراني.

إنها رموزٌ ودلالاتٌ على أن تنحية السُّنة عن الواجهة في العراق الحالي أصبحت مسألة وقت فقط؛ ففي هذه الدورة الانتخابية تحالف السُّنة مع إياد علاوي في ما يسمى: القائمة العراقية وتعرَّض السياسيون السُّنة إلى عملية تسمى: القتل السياسي؛ فقد مُنِع أكثر من خمسمائة شخصية من المشاركة في الانتخابات بدعوى علاقتهم بالبعث، ومع ذلك استمرت العملية.

ومِنْ أبرز الذين تجري محاولة إزاحتهم عن الساحة السياسية (إبراهيم المطلق)، وهو مرشح سُني من قائمة العراقية، ومن بين المشمولين بالقرار الذي اتخذته الهيئة الانتخابية القضائية لصالح هيئة المساءلة والعدالة التي تُعنَى بتصفية الدوائر الحكومية ممن تقول: إنهم مرتبطون بحزب البعث المحظور؛ وذلك على الرغم من أنه كان عضواً في البرلمان السابق، وبقي السُّنة يمثِّلهم علاوي (الشيعي) الذي جاء مع الاحتلال المشترك.

أما عضو مجلس الرئاسة المحسوب على السُّنة الذي دخل الانتخابات مع علاوي؛ فقد يعود إلى معسكر المالكي من جديد؛ إذ قد دعا السفير الإيراني في العراق (حسن كاظمي قمي) إلى تشكيل حكومةِ وحدةٍ وطنية في العراق تضمُّ السُّنة.

وبعده قال المالكي في تصريحات صحفية: « إن القائمة العراقية جمعت في داخلها أغلب ممثلي المكون العربي السُّني؛ إذن لا بد أن يكون لهم من شراكة في تشكيل الحكومة على اعتبار أن هذا المكوِّن لا بد أن يمثَّل ».

وأضاف: « إن المطلوب هو تشكيل (حكومة شراكة وطنية) لضمان الاستقرار بعد سنوات من الحرب »، معتبراً أنه من المبكر للغاية بالنسبة للعراق أن يدار بحكومةِ أغلبيةٍ.

نعم! لم يحن الوقت لِأَن تنفرد الأغلبية (الشيعة) بالحكم، وحتى مجيء ذلك الوقت يجب أن يعيش العراق بعيداً عن تأثيرات وتدخُّلات قوى خارجية يرى المالكي أنها تمثل خطراً على مستقبل العراق، وذلك في هجومه على محاولة علاوي تدويل الانتخابات، ودعوته إلى تشكيل حكومة مؤقتة تحت إشرافٍ دوليٍّ، ودعا علاوي أيضاً الجامعة العربية إلى التدخُّل لدى الأمم المتحدة، وهي محاولات بائسة اضطر بعدها إلى الدخول في القفص.

وأرسل وُفدَه متأخراً إلى طهران؛ إذ تتابعت الوفود الشيعية والكردية إلى طهران بُعَيد الانتخابات للاجتماع بالمسئولين الإيرانيين في خطوة انتقدها المالكي الذي ينتقد التدخلات الإقليمية والدولية في شؤون العراق؛ إذن الملف السياسي العراقي كلُّه في اليد الإيرانية؛ وحتى أمريكا لم تستطع أن توقف قرار إبعاد السياسيين؛ فقد زار نائبُ الرئيس الأمريكي المالكي ولم يتمكن من إقناعه بالعدول عن القرار؛ فأمريكا تحتل العراق، ولكنها سلَّمت الشأن السياسي لطهران.

إن السُّنة حالياً بين مطرقة المالكي (الإيراني - الأمريكي)، وسندان علاوي ( الأمريكي - الإيراني)، وإن ما يجري حالياً في العراق يُذَكِّرنا بسابقة تاريخية عندما أُطلِقت يد سوريا في لبنان مقابل مشاركتها الفعالة في تصفية المنظمات الفلسطينية لحساب إسرائيل؛ وكما كان لبنان الصغير يقدِّم فروضَ الطاعة في دمشق فإن لبنان الكبير (العراق) يقدِّم حالياً فروض الطاعة في طهران؛ وذلك مقابل قيام إيران بدفع الحساب.

:: البيان تنشر - مـلـف خـاص- (الـخـطـر الإيـرانـي يـتـمـدد)