من بين أصعب القرارات وأشدها ألماً للنفس قرار يستدعي الطرف الأقوى تسليحاً وعدداً للوقوف معلناً أنه قد ذاق مرارة الهزيمة، وأنه بسبيل الإذعان لمطالب العدو أو حتى بعض مما كانت تتأبى عليه كرامته أن يقبل بمجرد التفكير بالتفاوض حولها.

فقبل ثمانية عشر عاماً كانت الصواريخ تنهمر على عاصمتي إيران و العراق؛ كلٌّ ترد للأخرى « الهدية بأحسن منها »، وكل منهما كانت قد طورت أنظمتها الصاروخية بحيث أصبحتا تنشران الرعب جوار المؤسسات والمنشآت السيادية في طهران و بغداد فضلاً عن بث الرعب بين مواطني الدولتين.

استمرت الصواريخ تسقط، وبدأت مرحلة عض الأصابع بين العاصمتين تدخل مرحلتها الأخيرة، وعلاوة على انتكاسات عسكرية مني بها الجانب الإيراني في الفاو وغيرها، واتساع رقعة الصراع ليمتد إلى ناقلات النفط، ويجرها إلى حلبة الصراع فيما عرف بحرب الناقلات التي سمحت للولايات المتحدة بالتدخل المباشر في الخليج العربي؛ فقد كان لزاماً على هذه الحرب المجنونة أن تتوقف..

وتوقفت بعد أن حملت « حرب المدن » الزعيم الإيراني الخميني على الإذعان لنداءات وقف الحرب.

وقف الخميني - فيما كان وطيس الحرب حامياً - ليعلن بكل أسى: « إنني أتجرع السم؛ وأوافق على وقف النار ». كان السم وقتها يعني التوقف عن مقتل مئات الآلاف من الطرفين إضافة إلى أضعافهم من المعوقين والمشردين.

وكان العامل الأقوى في الصراع هو تلك الصواريخ التي أحالت طهران جحيماً لا يطاق.

والصواريخ مثلما عرفتها الاستراتيجية العسكرية سلاح قد لا يوقع أعداداً كبيرة من القتلى، لكنه قادر على أن ينشر الرعب والهلع لأكثر من مداه.

في حروب العراق والولايات المتحدة، وفي سباق التسلح الباكستاني / الهندي يجري الحديث عن صواريخ بمدى طويل لطبيعة أرض المعارك وضرورة امتداد المدى في كثير من الأحيان لبضعة آلاف من الكيلو مترات، لكن ما الظن بمعركة لا يمتد طول قطر دائرة صراعاتها عن عشرات الكيلو مترات أو بضع مئات منها؟

إن جرى الحديث عن فلسطين ومعجزاتها الصاروخية فإننا نستطيع أن نقول كلاماً يتجاوز بدائية ومحدودية الصناعة الصاروخية للمقاومة الواعدة إلى الفكرة الخلاقة وضخامة الأثر، وهكذا دائماً يتجه الحديث العسكري إلى تأثيرية الفعل لا إلى قوته المجردة.

ومن ثم فإن الحرب الدائرة الآن في قطاع غزة المحتل ترغم الكاميرا على الالتفات بعيداً عن العراق وثورته المائجة قليلاً لتسجل روعة الفعل المقاوم حين يصنع من أنابيب وسكر وكحول سلاحاً استراتيجياً فعَّالاً يقلب الموازين، ويلتقط بخفة السلاح من يد الخصم.

في الآونة الأخيرة أطلقت عشرات من صواريخ المقاومة الفلسطينية على مغتصبات صهيونية متعددة وبعض من الآليات العسكرية المتوغلة في المدن والبلدات الفلسطينية؛ فقد أطلقت كتائب عز الدين القسام صواريخ من طرازي القسام وناصر (المتطور) خلال الأيام القليلة الماضية على بلدة سديروت الواقعة في جنوب الكيان الصهيوني، فقتلت شخصين، وأصابت 14 آخرين على الأقل وفقاً لإذاعة إسرائيل ناشيونال نيوز (28/6/2004م)، وسقط صاروخان بالقرب من رئيس الوزراء الصهيوني آرييل شارون أثناء زيارته لسديروت (على بعد مائتي متر فقط) برغم أن الزيارة كانت سرية للغاية.

وأطلقت كتائب القسام عدداً من صواريخ القسام قرب طريق كيسوفيم الاستيطانية جنوبي غزة (يلاحظ هنا التنوع ما بين جنوب وشمال غزة)، كما أصيب مستوطن صهيوني إثر انفجار قذيفة هاون أطلقها مقاومون فلسطينيون على مغتصبة (نيفي ديكاليم) في تجمع جوش قطيف الاستيطاني الصهيوني جنوبي قطاع غزة (يلاحظ هنا التنوع ما بين الصواريخ والهاون)، كما قصفت المقاومة الفلسطينية منطقة كريات تشينوتش الصهيونية بصواريخ القسام، واعترف جيش الاحتلال الصهيوني بإطلاق مقاومين فلسطينيين صاروخين مضادين للدبابات لدى مرور رتل عسكري صهيوني في شوارع بيت حانون خلال الأسبوع الأول من شهر يوليو (يلاحظ استهداف أهداف متحركة أيضاً)، كما أطلق مقاتلون تابعون لسرايا القدس صاروخين من نوع سرايا (9/7/2004م) على الموقع العسكري الصهيوني المقام داخل مغتصبة (نيفي ديكاليم) الذي يضم مقر قيادة الاحتلال في المنطقة الجنوبية غرب خان يونس، كما أتبعتها كتائب القسام بقذائف هاون في اليوم التالي.

كل هذه الهجمات المتتابعة أعطت بُعداً مغايراً للصراع الإسلامي / اليهودي في فلسطين مرده أن هذا السلاح الذي بدأت حماس في استخدامه منذ سنوات قد غدا بحق أحد أهم عناصر الضغط على الكيان الصهيوني، وبدلت طرفي المعادلة بعد أن ظن اليهود والمرجفون أن استشهاد قادة حماس وتأخرها في الرد على اغتيالهم داعٍ إلى الحسبان بأن حركة حماس فقيرة إلى رد موجع يعيد إليها زمام المبادرة العسكرية في طريق التحرير.

* صاروخا ناصر والقسام:

مثل كل البدايات « العصامية » كانت تجربة حماس التي بدأتها قبل ثلاثة أعوام مع السلاح الصاروخي (تحديداً في إبريل 2001م حين أطلقت أول صاروخ نحو مغتصبة سديروت): صاروخ بدائي من صنع محلي لا يتوافر على قدر كبير من التصويب الحاذق، فلم تكن إصاباته دقيقة، وأخطأ أكثر مما أصاب أهدافه، وقدر الله أن تكون هذه هي البداية لكي لا يستحوذ على الاستراتيجية العسكرية الصهيونية.

كانت التجربة بحد ذاتها جد مثيرة: مطاردون مطلوبون ليل نهار، مناط بهم أن يحموا قادتهم، ويحموا البنى السياسية والاجتماعية لحركتهم ولشعبهم. في الوقت ذاته الذي يطلب منهم أن يردوا على العدو عدوانه، ويحدُّوا من غلوائه. في هذا الوقت بالذات وفي وقت غدت العمليات الاستشهادية عزيزة بفعل التضييق الأمني الشديد كان على كماة حماس أن يبحثوا عن سبيل آخر لمناجزة أعدائهم الصهاينة؛ وكان الطريق الصعب هو الأنجع، وكان التحدي.

بالفعل يصعب أن تنجح التجربة من أول مرة، لكن النجاح الأكبر والتحدي الشاق هو كيف تتوافر لدى كتائب عز الدين القسام الذراع العسكري لحماس صواريخ تثير في الصهاينة الرعب؟ (ربما شجعت مشاهد الرعب الذي أحدثته صواريخ سكود العراقية إبان حرب الخليج الثانية الفلسطينيين على تكرار التجربة العراقية). وعليه فقد قام مهندسو الكتائب بتصميم أول نموذج لصاروخ القسام، ونجحت تجربته الأولى.

ولم يكن مهندسو كتائب عز الدين القسام بانتظار مكافآت مجزية أو رفع لرواتبهم « الافتراضية » فليس لهم من ذلك نصيب؛ بل حسبهم أن يأتي الرفع لمنزلتهم دون الحطام، وهذه هي البيئة الروحانية الوحيدة التي يمكن من خلالها إحداث تطوير للصواريخ؛ إذ أن لعلعة الرصاص لا تخطئها المسامع، والعمل يجري على قدم وساق.

بعد (قسام 1) نجحت كتائب عز الدين القسام في تطويره تحت اسم ( قسام 2)، وبعد أن تخففت الكتائب من عبء توفير الحماية الشخصية لعدد من رموز الحركة ارتقوا إلى السماء تمكنت الكتائب من تطوير صاروخ جديد يعد الجيل الثالث من صواريخها أسمته (ناصر 3) نسبة إلى القائد الإسلامي العظيم الناصر صلاح الدين الأيوبي، وهو صاروخ تقول عنه القناة السابعة الصهيونية:

« إن الصاروخ ناصر 3 يحمل رأساً متفجراً يزن ثلاثة عشر كيلو جراماً، وهو ما لم يكن موجوداً في الصاروخين السابقين (قسام 1)، و (قسام 2)، ويزيد مداه عن 15 كيلو متراً. « ناقلة عن خبراء صهاينة قولهم إن المادة التي صنعت منها الرأس الحربية هي نفسها التي يستخدمها القائمون بالعمليات التفجيرية ».

أما صاروخ القسام ذاته فيقول عنه الخبير العسكري الصهيوني « عمير ربابورت » في مقال نُشر له في صحيفة « معاريف » الصهيونية (2/7/2004م):

« طوله متر ونصف، وزنه 30 كغ، أما المادة المتفجرة التي تطلقه فيعدونها على نحو مرتجل داخل قِدر مع الكثير من السكر، هو أيضاً بدائي جداً وغير دقيق جداً، ومع ذلك كله أحدث خلال الأسابيع الماضية الكثير من الإحباط للقادة في جيش الاحتلال الذين سألوا: ماذا نفعل مع القسام؟ ».

وتقول عنه شبكة التلفزة الأمريكية (CNN): « هو عبارة عن قذيفة طولها 6 أقدام (180 سم تقريباً)، مصنعة من مزيج من السكر، الزيت، الكحول، والأسمدة العضوية. ينطلق الصاروخ من أنبوبة طولها حوالي متر، وقطرها 120 ملم، ويستخدم من 4 إلى 6 كجم متفجرات لإطلاقه، ويتم ضبطه من بُعد، وهو ما يحمي المقاتلين من رد فعل صهيوني على موقع الانطلاق ».

وبقدر ما تقف الاستراتيجية الصهيونية عاجزة حتى الآن عن التصدي للقسام؛ بقدر ما يتحرك ذراع حماس العسكري باتجاه مزيد من الإنجازات التصنيعية العسكرية، وفي هذا الصدد يبدو أن ألوية الناصر صلاح الدين التابعة لحركة حماس والمسؤولة عن تطوير الصاروخ (ناصر 3) لا يتوقف سقف طموحها عند مدى 15 كيلو متراً الذي وصل إليها الصاروخ الجديد؛ فلقد صرح الناطق باسم الألوية « أبو عبير » في مطلع هذا الشهر (3/7/2004م) بأن الصاروخ « من تصنيع الأيدي الإسلامية المتوضئة، وصنع في فلسطين وفي داخل قطاع غزة من مواد بسيطة، وليس كما يزعم العدو الصهيوني يأتي عبر الأنفاق. متعهداً في ذات الوقت بأن يواصل مهندسو الألوية بتطوير هذه الصواريخ كي تصل إلى أبعد مدى، والصاروخ القادم سيكون مداه 45 كيلو متراً بإذن الله ».

* كاتيوشا حزب الله، وقسام حماس:

قد تكون صواريخ كاتيوشا اللبنانية التي أطلقها حزب الله أزعجت الكيان الصهيوني، لكنها لم ترغمه على الانسحاب من الجنوب اللبناني؛ فبين هذا وذاك بون شاسع تتشابك في ساحته العديد من العوامل والمصالح الاستراتيجية والسياسية والدينية لكلا الطرفين ما لا يجعل صواريخ كاتيوشا الحزبية هي أفعل مؤثر في الانسحاب الصهيوني من الجنوب اللبناني. بيد أن المشهد الفلسطيني يغاير كثيراً ما جرى في الجنوب اللبناني؛ فما يحمل الصهاينة على الانسحاب من جزء ركين من دولتهم المزعومة هو الفعل العسكري الأيديولوجي، وفي قلبه العمليات الاستشهادية وعمليات إطلاق الصواريخ القسامية. وإذ خفت الأولى كثيراً؛ فقد ازداد ألق الأخيرة، وتلك تتحدث عنها صحيفة معاريف الصهيونية (28/6/2004م) قائلة:

« إن ما حدث في جنوب لبنان يحدث الآن في غزة؛ فبينما كان مقاتلو حزب الله يقومون بإطلاق النيران على الجيش حتى بعد إعلان انسحابه فإن الفلسطينيين يقومون بنفس الأمر لكن على نطاق أوسع وأقوى ». (وهذا يومئ إلى أن صواريخ كاتيوشا في الجنوب اللبناني قد حظيت باهتمام إعلامي عالمي أكبر بكثير من حجم فعاليتها الاستراتيجية مقارنة بصواريخ قسام 1، 2 وناصر 3).

على أية حال فإن (قسام وناصر) قد أحدثا شرخاً عميقاً في الاستراتيجية الصهيونية العسكرية حدت بها أن تفكر في تكرار تجربة « الحزام الأمني » في الجنوب اللبناني بكل ما تستجلبه من مرارة وألم، وسرعان ما أثارت الخطة الأمنية التي أقرتها حكومة شارون بإقامة ما يسمى بحزام أمني بعمق 8 كيلو مترات يطوق قطاع غزة مخاوف العسكريين الصهاينة من تكرار ما جرى في الجنوب اللبناني، فقد نقلت إذاعة جيش الاحتلال الصهيوني عن بعض القادة العسكريين مخاوفهم من تكرار ما وصفوه بخزي لبنان في قطاع غزة، واستشهدت بتصريح لأحد الضباط الصهاينة الذي لم يُكشف عن هويته جاء فيه: « الحزام الأمني المزمع التصويت على إقامته عند مدينة بيت حانون الفلسطينية قد يكون كارثياً على الجيش الإسرائيلي »، مؤكداً أن « الحزام الأمني سيتطلب وجود أعداد كبيرة من الجنود في المنطقة الواقعة بين مستوطنة سديروت وبيت حانون وهو ما سيسهل للفلسطينيين إلقاء صواريخ القسام عليهم بدلاً من قصفها على عسقلان وسديروت »، وثنَّت بتساؤل لضابط آخر: « هل يريد شارون و موفاز تكرار أخطاء باراك في الجنوب اللبناني؟ الحزام الأمني ليس أمراً جيداً لإجبار الفلسطينيين على عدم إطلاق صواريخ القسام ».

هذا إذن يصور بدقة كيف أن القسام يُطِير صواب القادة العسكريين الصهاينة، ويذكرهم بالجنوب اللبناني، لا بل بالتأكيد بأكثر بكثير من الجنوب اللبناني؛ لا لشهادة العسكريين الصهاينة أعينهم، وإنما للرقعة المتسعة التي تتجاوز بها الصواريخ القسامية بمراحل تهديدات الكاتيوشا اللبنانية، وللأهمية الاستراتيجية للأهداف الصهيونية المستهدفة بلدات رئيسة ومغتصبات عديدة في الضفة والقطاع وحتى داخل فلسطين 48، وحتى أماكن سيادية واستراتيجية حساسة في العمق الصهيوني.

* الأثر النفسي لصواريخ القسام:

« كم هي رهيبة دائرة القسام هذه »، إلى هذا خلص (إيتان هابر) مدير مكتب رئيس الوزراء الصهيوني الأسبق إسحاق رابين في مقال نشر له في جريدة يديعوت أحرونوت العبرية (1/7/2004م) معتبراً أن « القضاء على المقاومة الفلسطينية التي تتصاعد شيئاً فشيئاً في عملياتها، وتطوير قدراتها القتالية أمر مستحيل التحقيق ».

اليأس لدى الجانب « الإسرائيلي » لا شك أنه أول نتائج القصف الصاروخي القسامي وأكثرها فتكاً، وهو ما يستشف من كلمات المسؤول السابق الذي استخف بكل محاولات النيْل من صواريخ القسام بقوله: « إنهم يقصفون الآن المخارط التي استُخدمت لتصنيع صواريخ القسام؛ رغم أنني لست مطلعاً على المعلومات السرية المتوفرة لدى جهاز الأمن العام [الشاباك] حول عدد المخارط القائمة في قطاع غزة، وأشك بوجود من يعرف عددها؛ فأنا مستعد لوضع يدي في النار، والادعاء بأنهم حتى إذا قصفوا كل المخارط، وظهر رئيس الحكومة ووزير الدفاع بتأثر، وقالوا أمام عدسات الكاميرات اللامعة: إنه لم يعد أي وجود للمخارط في مخيم جباليا وحتى مخيم الشابورة في القطاع، عندها أيضاً سيجد الفلسطينيون طريقة للمس بنا؛ لقد بدأ الفلسطينيون بعمليات طعن بالسكين، وإلى هذه العمليات سيعودون، هل يوجد بيننا من نسي أيام الرعب في شوارع تل أبيب عندما كنا نعتقد أن كل شخص يسير خلفنا هو منفذ عملية يحمل سكيناً لطعننا؟ هل نسينا طلبة (حولون) الذين طُعنوا بقسوة وهم في طريقهم إلى حفل البوريم؟ المسلح الذي يعتبر نفسه مناضلاً من أجل الحرية وليس لديه ما يخسره سيحارب بكل ما يمتلكه من وسائل:

بالحجارة، بكل ما في متناول يده، كل ما يخيف ويهدد الخصم، أما نحن فنستخدم في ردنا طائرات إف 16، وأرتال الدبابات، عيون مئات المجندين والمجندات تتابع ليلاً ونهاراً امرأة عربية تحمل سلة، أو طفلاً قد يحيط جسده بحزام ناسف.

إننا ننمي هذه الأيام الجيل المقبل من المسلحين؛ فهل سيستغرق ذلك سنة.. خمس سنوات... عشر سنوات.. إن لديهم كل ما يتوفر في العالم من وقت، كم هي رهيبة دائرة القسام هذه ».

اليأس نفسه تجده عند المغتصب العادي في مغتصبات سديروت التي أُمطرت الأسبوع الماضي بصواريخ القسام وناصر، فوفقاً لتقرير لكتائب عز الدين القسام فإن « صواريخ القسام تثير الخوف لدى سكان سديروت؛ فالآباء يخشون إرسال أبنائهم إلى المدارس، والعائلات تخشى الجلوس على الشرفات، ويعمل العاملون الاجتماعيون والاختصاصيون النفسيون هذه الأيام ساعات إضافية في محاولة لإعادة الحياة إلى طبيعتها، وقد وصل القلق ذروته عندما سقط صاروخ قسام داخل مدرسة في المدينة قبل وقت قصير من انتهاء الاستراحة، وبدؤوا يتحدثون في سديروت علناً عن أن عائلات لم تستطع الصمود أكثر، وغادرت ».

* التحرك السياسي ضد القسام:

عقب العمليات الفائقة التي نفذتها مجموعة « تلاميذ يحيى عياش » التي انبثقت بصورة مؤقتة عن كتائب القسام في أعقاب اغتياله أواسط تسعينيات القرن الماضي استدعت الولايات المتحدة الأمريكية دول الطوق في منتجع عربي، وأوعزت بضغط عربي إلى ياسر عرفات رئيس السلطة الفلسطينية التحرك لقمع حركة حماس لا سيما ذراعها العسكري الذي ضاقت « إسرائيل » به ذرعاً.

الآن، قواعد اللعبة برمتها قد تغيرت، وأصبحت السلطة الفلسطينية أضعف من أن تؤثر في حماس، كما أن العرب غير مسموعي الصوت لدى حركة حماس التي أتت رياح الاغتيال التي نفذت بحق قياداتها بما لا تشتهي السفن الصهيونية والعربية، فصارت لا يثقلها وجود سياسي، ووجدت نفسها متحررة من أي ضغوط من الممكن أن تمارس ضدها.

وحين تطايرت صواريخ القسام فوق رؤوس مغتصبي سديروت لم يجد الكيان الصهيوني من سبيل سوى التحرك باتجاهين سياسيين في غياب نجاعة الاتجاه العسكري الذي مني بإخفاق ذريع:

الاتجاه الأول: كان باتجاه مصر؛ إذ زعمت صحيفة يديعوت أحرونوت الصهيونية (5/7/2004م) أن رئيس جهاز المخابرات المصري اللواء عمر سليمان أعلن لدى لقائه بالقاهرة بأعضاء حركة « ياحد » الصهيونية أن مصر تجري اتصالات مع حركتي حماس و الجهاد الإسلامي في محاولة لوقف إطلاق صواريخ القسام باتجاه المغتصبات. لكن حركة المقاومة الإسلامية حماس قالت:

إن صواريخ القسام التي يطلقها جناحها العسكري هي إحدى وسائل المقاومة لمواجهة العدوان الصهيوني، رافضة أي ضغوط لوقف إطلاقها.

والثابت أن الناطق الإعلامي باسم حماس سامي أبو زُهري كان سياسياً فوق العادة حين نفى من خلال موقع الحركة أن تكون هناك أي اتصالات عربية بالحركة لوقف إطلاق هذه الصواريخ قاطعاً بذلك الطريق أمام أي ضغوط قد تمارس ضد الحركة معلناً أن « المشكلة في الاحتلال وليس في المقاومة، وإن أي جهود يجب أن تنصبّ لإنهاء الاحتلال، وليس للضغط على المقاومة »؛ مما أجبر الكيان الصهيوني على تلمس اتجاه آخر للضغط على حماس بهذا الخصوص.

الاتجاه الثاني: كان باتجاه الحركة نفسها، تحديداً عبر الشيخ حسن يوسف أحد قادة حركة حماس المعتقلين في سجون الصهاينة منذ أكثر من عامين، والذي أماطت الحركة اللثام عن محاولات صهيونية للتفاوض معها عن طريق الشيخ الأسير؛ حيث نقل من سجن بئر السبع إلى سجن عوفر الذي يتواجد به كبار ضباط الاستخبارات الصهاينة الذين حاولوا عبثاً أن يدفعوه للقبول بالتفاوض معهم للوصول إلى حل يعيد الهدوء للمنطقة.

وقد تزامنت هذه المحاولة (28/6/2004م) مع القصف المتقطع على مغتصبة سديروت بصواريخ قسام وناصر؛ وهو ما يشير لاحتمالية ارتباطهما معاً لجهة اشتعال الصهاينة غيظاً لعجزهم عن إيقاف قذائف الرعب الحماسية.

ولا نشك أن القطاع بعد هذه الهجمات قد صار مزعجاً على نحو لم يسبق له مثيل؛ مما جعل الكيان الصهيوني يبحث بكل سبيل عن حل يضمن تحييد القطاع ولو استدعى الأمر التفريط بشيء من « السيادة الصهيونية » المزعومة التي تفرض على الصهاينة عدم التفريط في مراقبة حدودها، وهو الأمر الذي بدت « إسرائيل » غير ممتنعة عن بحثه خلال زيارة قالت معاريف العبرية الأسبوع الأول من يوليو إن الجنرال المتقاعد عاموس جلعاد أبرز مستشاري وزير الدفاع شاؤول موفاز قد قام بها إلى مصر، والتقى خلالها وزير المخابرات المصرية الجنرال عمر سليمان، وناقشا موضوع تحييد « إسرائيل » عن السيطرة على المنطقة الحدودية بين قطاع غزة ومصر إذا تم الانسحاب.

* سلاح ردع استراتيجي وواقع جديد على الأرض:

ترسانة صاروخية أطلق منها إلى الآن أكثر من 350 صاروخاً، هي قمينة بأن تستحوذ على اهتمامات الباحثين في بلد يلفه الحصار من كل جانب.

والغريب أن الطرف المهيض أعني المسلمين هم الطرف الأقل اكتراثاً بإبداء الإعجاب بهذه العبقرية الفلسطينية الحربية، ولكي نضع أنفسنا في موضع أكثر تفهماً لقيمة هذا الإنجاز الذي حققته كتائب عز الدين القسام ينبغي أن نلحظ ما يلي:

- إن أنظمة صواريخ (قسام 1، 2 وناصر 3) استطاعت الالتفاف على جدار الفصل الصهيوني العنصري؛ فما أن أوشكت سلطات الاحتلال الصهيونية على إنجاز الجدار والتحرر نوعاً ما من عبء العمليات الاستشهادية حتى عاجلها كماة القسام بنجاحهم في إصابة أهداف أكثر خطورة وإلحاق أضرار فعلية بالمغتصبين الصهاينة.

- إن خفة وبدائية تصنيع هذه الصواريخ وسهولة الحصول على موادها الخام مكّن الكتائب من توفيرها في أماكن مختلفة من فلسطين؛ ففضلاً عن نجاح الذراع العسكري لحماس في إطلاق هذه الصواريخ من شمال وجنوب قطاع غزة استطاع أترابهم في الضفة الغربية إطلاق عدد منها وإن كان في هذه المرحلة يعد ضئيلاً قياساً بغزة؛ بسبب إحكام الصهاينة سيطرتهم على الضفة (تأمل كتائب القسام بعد رحيل جزء كبير من القوات الصهيونية في الضفة بعد إتمام بناء الجدار في وضع أكثر استقلالاً من الوضع الحالي، ومن ثم اتساع هامش التحرك باتجاه تصنيع وإطلاق صورايخ القسام).

والآن، ومع زيادة مدى الصواريخ القسامية إلى 15 كيلو متراً؛ فإن القدس و تل أبيب و العفولة و الخضيرة و بيسان و نتانيا إضافة إلى سديروت و غوش قطيف (على حدود غزة) و عسقلان وغيرها قد أضحت في مرمى الصواريخ القسامية، وإذا نجحت ألوية الناصر صلاح الدين في إطالة مدى الصاروخ ناصر 3 ليصل إلى 45 كيلو متراً فإن الأمر سيصبح بالغ الحرج بالنسبة إلى الكيان الصهيوني؛ إذ سيصبح معظم تراب فلسطين تحت « المظلة الصاروخية القسامية ».

- إن ما يحيط بصناعة وإطلاق صواريخ القسام من سرعة تصنيعها وقصر المدة المطلوبة لنصبها وإطلاقها (15 دقيقة) جعل كلفة رصدها باهظة، وجعل أصحابها ليسوا بحاجة إلى إنتاج العديد منها إلا « بحسب الطلب »، وهذا صعب من مهمة رصدها، ومكنها من أن تكون « سلاحاً استراتيجياً » يراوغ أعداءه.

إن خطر أنظمة الصواريخ القسامية قد ذهبت بألباب أعداء حماس في فلسطين وخارجها، فتطايرت تصريحاتهم المحذرة من ذلك؛ وجاءت كما يلي:

- « عمير ربابورت » الخبير العسكري الصهيوني حذر في مقالته التي نشرتها صحيفة « معاريف » الصهيونية (2/7/2004): « منذ يوم الإثنين أصبح هذا الصاروخ خطراً محسوساً، ومشكلة شبه استراتيجية، تزعزع فروضاً أساسية في طُرز عمل الجيش المحتل في القتال في المناطق ».

- مصدر عسكري صهيوني رفيع المستوى في قيادة جيش الاحتلال نقلت عنه الإذاعة الصهيونية قوله: « من الناحية العسكرية يصعب وقف إطلاق القذائف الصاروخية من طراز قسام؛ علماً بأنها أنشأت واقعاً جديداً في المنطقة ».

- رئيس بلدية مستعمرة سديروت « الإسرائيلية » إيلي موايل حذر أعضاء حكومة شارون من أن سكان مستعمرته يخططون للرحيل عنها نتيجة استمرار عمليات إطلاق صواريخ القسام نحوها من قِبَل المقاومين الفلسطينيين وفقاًَ للإذاعة ذاتها (4/7/2004م).

- « الراجمات البدائية تحولت إلى صواريخ اسمها القسام مداها أصبح أطول من السابق، الآن أصبح مدى القسام يصل حتى مزرعة شارون في النقب تقريباً، وما زال الإحراج الأكبر أمامنا ». الكاتب جدعون سامت بصحيفة ها آرتس (1/ 7/2004م).

- « تصفه (صحيفة) الـ (TIMES) البريطانية بأنه: الصاروخ البدائي الذي قد يغير الشرق الأوسط، و (تعتبره شبكة التلفزة الأمريكية) ( CNN) بأنه الورقة الشرسة في الشرق الأوسط. وتقول (عنه) مراسلة الـ ( CNN) بأن الأمر « غير واضح » كيف يمكن لهذه الصواريخ البدائية أن تؤثر في التوازن العسكري الصهيوني الفلسطيني، وتجعل هذه القوة العالية تقف عاجزة بلا حيلة. أما الـ (BBC) فتقول بأنه نقلة استراتيجية تنخر في القوة العسكرية الصهيونية الفائقة، أما (بن أليعازر) وزير الدفاع الصهيوني فيقول: « إنه مستوى جديد من التهديد ». (نقلاً عن موقع كتائب عز الدين القسام).

* والحل أيضا معضلة:

ذهبت « إسرائيل » لحل مشكلة العمليات الاستشهادية إلى بناء الجدار الخرساني العازل، فكرست نوعاً من الاستقلال الفلسطيني، وعمدت إلى إقامة الجدار الأمني « البشري » حول غزة بعمق 8 كيلو مترات، وهذا لن يزيدها إلا خساراً بتعريض ضباطها وجنودها لمزيد من الهجمات، فالحل بحد ذاته معضلة من جهة أخرى.

ومن يزر فلسطين اليوم يظن أنها قد احتُلت من شهور فقط لفرط ما يجد من حيوية المقاومة وفعاليتها وحماسة نشطائها المحتسبين } ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ{ ( فصلت: 12)، والذي يطل على جبل جنين يخال القسام حياً يقف يهتف بأنصاره كما فعل قبل 68 عاماً « موتوا في سبيل الله »، « وإنه لجهاد: نصر أو استشهاد ».

أيا قسام العز! عرفتك فلسطين الطاهرة خطيباً ومربياً، ثم مجاهداً فشهيداً، ثم استحال الجسد البار صاروخاً يرعب القطعان ويزلزل عمقهم الاستراتيجي، وتلك حكمة الله فيمن يحمل روحه رخيصة فوق راحته؛ يستمطر بها نصر الله أن يبقي الله من أثره لأعدائه ما يسوؤهم؛ بذا قضت حكمة المولى القدير.. } وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ { (يوسف: 21).

:: البيان تنشر - مـلـف خـاص- (الـخـطـر الإيـرانـي يـتـمـدد)