إيران:

نجحت إيران في اختراق المقاومة العراقية والتشويش عليها عن طريق القاعدة.

والاختراق لا يعني بالضرورة صرف الجماعة المُخترَقة عن تنفيذ أهدافها الخاصة وَفْقَ رؤيتها، ولكنه قد يتضمن تحقيق قَدْر من التوجيه في ما يتعلق بـ ( التوقيت أو اختيار الأهداف) إن أدوات الاختراق معروفة وتشمل: التمويل، والإيواء، وسائر أنواع الدعم اللوجستي؛ وليس بالضرورة أن يكون الاختراق شاملاً لكل المستويات القيادية، أو أن يصل إلى مستوى إصدار تكليفات مباشرة.

وتحتاج إيران إلى أطرافٍ يمكنها أن تؤثِّرَ في الأوضاع وتستهدفَ القوى العراقية دون أن يكون هناك ما يربطهم بها تاريخياً أو دينياً أو سياسياً، بل يمكنها أن تنفي بقوة أي ارتباط بها بسبب التنافر العقدي في حالة القاعدة.

ويمكن - ضمن الاستراتيجية الإيرانية - ملاحظة أن الإيرانيين يتقنون استخدام أطرافٍ يجري حرقها لاحقاً؛ بمعنى أنه يمكن التضحية بهم في أي وقت، أو رفع الدعم عنهم، أو كشفهم.

وقد نفذت طهران هذه السياسة على المستوى الشيعي مع التيار الصدري وجيشه (جيش المهدي) الذي اخترقته طولاً وعرضاً وضحَّت به على مذبح المجلس الأعلى تارة، ثم على مذبح نوري المالكي تارة أخرى، ثم قدَّمت لزعيم التيار بكلِّ بساطة الملجأ والمأوى وطلب العلم.

والأمر نفسه مارسته إيران - إجمالاً - مع القاعدة؛ حيث كان ثمة تَواصُل مقنَّن يعقبه توجيه مبرمَج ثم تضحية مؤكَّدة؛ ولعل قَتْل زعيمَي القاعدة مؤخراً قد تم بناءً على دعمٍ استخباراتيٍّ إيراني.

إن خطورة الاختراق الإيراني للقاعدة يمكن إدراكها مِنْ توقُّع ما سيحدث إذا انسحبت قوات الاحتلال من العراق؛ حيث أغلب جماعات المقاومة سوف تلقي سلاحها وتنصرف إلى شؤونها، لكن القاعدة لن تفعل ذلك، وسيبقى سلاحها مرفوعاً لخوض معارك وهمية جديدة ضد العراقيين بتوقيع إيراني.

أمريكا:

تعتمد بعض تطبيقات السياسة الأمريكية على وجود طرف غير خاضع للسيطرة قادر على الإيذاء، يمكن نصبه عدواً قومياً، ويجري استخدام هذا العدو في أغراض متعددةٍ، منها: إعادة ترتيب الأوراق في بعض الدول المستهدَفة مثل ( العراق)، ومنها تجييش الرأي العام (المحلي والعالمي)، ومنها أيضاً تمرير ميزانيات عسكرية واستخباراتية هائلة، وكذلك تنفيذ أهداف سياسية استراتيجية تتعلق بالأجندة الأمريكية في العالم.

وفي العراق قدَّمت القاعدة بسبب استراتيجيتها العنيفة، مسوغاً لبقاء القوات الأمريكية، كما أنها أتاحت للاحتلال أن يعيد ترتيب البيت السُّني من الداخل، أو بتعبير أدق: (أن يعيد تفكيكه)؛ فدخلت قِطاعاتٌ عريضة من العرب السُّنة في دائرة غير متناهية من العنف؛ فالقاعدة تتعاون مع العشائر أولاً، ثم تختلف معها ويجري تكوين مجالس الصحوة التي تدخل في صراع دموي مع القاعدة، ثم تنشأ مشكلة أتباع الصحوات وإدماجهم في الجيش والشرطة، ثم تحين مرحلة انتقام القاعدة من قيادات الصحوة وعناصرها الذين تُركوا بدون حماية، وهكذا دوامة لا تنقطع من الدماء المهدرة بدون فائدة.

ويُخطئ من يعتقد أن أمريكا تحتاج إلى مكاسب مطلقة أو إلى نصرٍ نهائيٍّ في جميع الحالات؛ ذلك أن الثقافة السياسية الأمريكية مبنيَّة في جانب كبير منها على مفهوم: « استمراريةُ الصراعات قد يكون أكثر نفعاً من إنهائها »؛ لذلك لا يتم إنهاء الصراع العربي الفلسطيني، بل إدارته، وهي عندما دخلت في صراع مع القاعدة لم تستهدف إنهاء الصراع، بل إدارته... وتفريعاً على ذلك: قد لا يكون خطأً القول بأن أمريكا إذا لم تخسر بدرجة كافية، لأوقعت بنفسها الخسارة.

وهذا ينقلنا إلى القول بأن إدارة الصراع بين دولة، مثل (إيران، أو أمريكا) وتنظيمٍ معادٍ لها مثل (القاعدة) عملية معقدة؛ فهناك ثلاثة مستويات لتعامُل الدولة ( إيران، أو أمريكا) مع ذلك التنظيم:

المستوى الأول: معادلة قوة التنظيم وتهميشها ثم التفوق عليها وتدميرها ... وهذه طريقة مباشرة لا تناسب الأجندتين (الأمريكية والإيرانية) في العراق.

المستوى الثاني: احتواء قوة التنظيم وتحويلُها إلى قوة مضافة، كيف ذلك؟ انطلاقاً من مفهوم « السعي الأمريكي للخسارة المقننة » فإنه لا بد من وجود عدوٍّ قادر على إيقاع هذه الخسارة، وعندما لا يتوفر مثل هذا العدو، يجري التخطيط لإيقاعها ذاتياً عن طريق عمليات سريَّة، كما حدث في الحرب الأمريكية الإسبانية، وفي معركة بيرل هاربور.

أما في حالة العراق، فإن القاعدة (أو دولة العراق الإسلامية) تلعب هذا الدور في الاستراتيجية الأمريكية، وكما تذكر تقارير إخبارية فإن بعض أجهزة الاستخبارات الأجنبية في العراق تقوم بتفخيخ سيارات مدنية دون علم أصحابها وتجعلهم يقودونها إلى أماكن معيَّنة؛ حيث يجري تفجيرها؛ ليبدو الأمر وكأن القاعدة هي من فعلت ذلك، دون أن يملك الرأي العام المقدرة على التفريق بين عمليات القاعدة أو عمليات الاستخبارات.

إذن عندما تتباطئ عمليات القاعدة مؤقتاً، تتدخل الاستخبارات لتسدَّ النقص؛ وهذا هو مكمن الاحتواء؛ أي: أن يصبح جزء كبير من عمل القاعدة في العراق على نسق واحد مع تطبيقات الاستراتيجية الأمريكية.

المستوى الثالث لإدارة الصراع: اختراق التنظيم وإنشاء حالةِ تَمَاثُلٍ (جزئية) بين أهدافه وأهداف الدولة؛ ليتحول التنظيم بذلك إلى أداة غير مباشرة لتنفيذ أهداف تلك الدولة، وهذا ما نجحت فيه طهران مع تنظيم القاعدة.

وفي المحصلة: تُراوِحُ القاعدة في العراق بين (احتوائها استراتيجياً) من أمريكا، وبين (اختراقها تكتيكياً) من إيران.

والضحية في جميع الأحوال هم العرب السُّنة الذين باتوا هدفاً للجميع: (الاحتلال - إيران - القاعدة).

إن من الشواهد المحيِّرة، أنه على الرغم من تواتر المعلومات عن تقديم طهران دعماً لمجموعات القاعدة، إلا أنه يجري التغاضي عنها في حملات الدعاية الغربية ضد النظام الإيراني، رغم أن التعاون مع القاعدة كان أحد أسباب غزو العراق.

فهل يمكن القول: إن الولايات المتحدة تعلم أنه لن يمكن للقاعدة الاستمرار في العراق - وربما في مناطق أخرى - دون تلقِّي دعمٍ من إيران؟

:: البيان تنشر - مـلـف خـاص- (الـخـطـر الإيـرانـي يـتـمـدد)