تشير المتابعة الأولية لتطور التصعيد الأمريكي ضد بعض تيارات الشيعة في العراق، إلى بواكير مواجهة، بين الإدارة الصهيونية الأمريكية من جهة، وبين نظام الحكم الشيعي القائم في إيران من جهة أخرى؛ فبالرغم من أن الأحداث بدت وكأنها تورط أمريكي جديد في العراق مع الشيعة، إلا أنه عند التدقيق في الأحداث يتبين عكس ذلك؛ حيث يظهر أن الشيعة في العراق ربما يستدرجون الآن، لتوصَل حبال استدراجهم بمَنْ خلفهم في إيران التي تواترت تصريحات المسؤولين الأمريكيين على أنها ستكون المحطة التالية بعد العراق، لتشهد مواجهة حقيقية، قد لا تكون عسكرية بالضرورة، ولكنها ستكون جذرية وشاملة.

وحكاية مقتدى الصدر وتياره المتنامي في العراق، تؤيد القول بذلك؛ فهذا الزعيم الشاب الذي لا يتعدى عمره الثلاثين عاماً، يريد أن يحتل مرتبة الصدارة من بين التيارات الشيعية المتنافسة في العراق، وتطلعاته في ذلك تتعدى الطموح إلى الجموح؛ فهو يتجاوز الآن المرجعيات الأكبر والأعلم في نظر الشيعة، ليطلق مبادرات وتصريحات تربك من حوله من الزعامات والرموز.

ويبدو أن الأمريكيين وجدوا ضالتهم في الفتى مقتدى، الذي تشير أسهم علاقاته وإمكاناته إلى أنه لا يتحرك من داخل العراق، وإنما من عمق إيران؛ فجيشه المثير للاستغراب، والذي أطلق عليه (جيش المهدي) تم تجهيزه في مدة قياسية، لا تزيد على عام واحد، ومع ذلك فقد وصل قوامه إلى ما بين عشرة آلاف إلى خمسة عشر ألف مقاتل، مدربين ومسلحين تسليحاً جيداً، ولا يمكن استبعاد الدور الإيراني في ذلك، سواء على الأرض الإيرانية أو العراقية، وسيكون أمراً مثيراً حقاً؛ أن تقوم إيران بالمساعدة في إنشاء جيش عقائدي منظم في العراق، ليحل محل الجيش النظامي الذي حلته الولايات المتحدة بعد الغزو، وسرحت أفراده وشردت كوادره؛ فهل قامت بذلك ليحل نفوذ أصحاب العمائم محل أصحاب رموز البعث؟.. بالطبع لا. ولكن الشيء الأكثر إثارة هو أن يتم ذلك بقدر غير قليل من التغاضي والتغافل الأمريكي؛ فهل يتصور أن يتم كل هذا الإعداد من وراء ظهر أمريكا وعملائها في العراق؟!

لقد صرَّح (جون أبي زيد) رئيس القيادة المركزية الأمريكية في العراق في حديث للمراسلين في وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون في 12 / 4 / 2004م) أن إيران و سوريا، ضالعتان في ممارسة أدوار مشبوهة، تؤثر على استقرار العراق، وأشار إلى وجود من يدعمون مقتدى الصدر داخل إيران، وذكر أن هناك عناصر معتدلة أيضاً تحاول تحجيم دوره.

إن وراء الأمر شيئاً، لا أظنه إلا استدراجاً مبكراً تضع فيه الولايات المتحدة في صناراتها طُعماً في سمكة صغيرة اسمها (مقتدى الصدر) لتجرَّ به من محيط منطقة الخليج الحوت الأكبر الباقي في (محور الشر) وهو النظام الحاكم في إيران.

 * فمن يكون مقتدى الصدر؟!

هو ابن المرجع الشيعي (محمد صادق الصدر) الذي قُتل على يد أعوان صدام حسين عام 1999م، وقد تبنته قوىً في إيران بعد وفاة والده، لتعده لما بعد عهد صدام، ولكن يبدو أن إمكاناته الشخصية أقل من الدور الذي رُسم له؛ فهو قليل الثقافة، ثقيل الكلام، فلا يستطيع أن يعبِّر عما يجول في خاطره بسهولة وتلقائية كشأن بقية رموز الشيعة العرب، وحداثة سنه تجعله يتصرف بقدر زائد من الثقة البالغة حد الغرور، وقلة علمه تجعله يتعلثم عندما يتعرض لشيء من دقائق الأمور. فكل إمكاناته فيما يبدو أنه ابن للمرجع الشيعي الكبير (محمد صادق الصدر) وعلاقات مقتدى ببقية رموز الشيعة تتراوح بين الفتور والنفور؛ فهناك خلاف بينه وبين السيستاني و جماعة الحكيم؛ فهما يمثلان شيعة العراق الذين يعتبرون أنفسهم الأصل بين الشيعة في العالم، فمنشأ الطائفة في العراق، وما يسمى بـ (عتباتها المقدسة) واقعة في مدن العراق بين الكوفة و النجف و كربلاء، وعلاقة الصدر بما يسمى بـ (المجلس الأعلى للثورة الإسلامية) يشوبها الكدر؛ فقد سئل في حوار له مع قناة الجزيرة الفضائية عن موقفه من ذلك المجلس، فقال: " ما أعرف شيء عنه، ما أعرف (شنو )، أهدافه، (شنو) نتائجه (شنو) اللي يريد، هل هو مأذون من " الحاكم الشرعي " اللي إحنا مأذونين منه، لا أنا ما أعرف، لم أتصل به، ولم أحاول ". وسئل عن مدى رضاه عن الدور الذي يقوم به ذلك المجلس فقال: " أي دور..؟ أنا لم أرَ منه دوراً ناشطاً، ولله الحمد، لم أره! فقال له المذيع في ذلك البرنامج الذي أذيع في 25 / 5 / 2003م: " لكن استقبال السيد محمد باقر الحكيم كان حاشداً عندما وصل إلى العراق " فرد عليه مقتدى الصدر: " وهذا تسميه دور..؟ هذا استقبال لعله ينظم بصورة أو أخرى "!

أما عن ما يعرف بـ (تيار الخوئي) في العراق، فتلك قضية أخرى، تدل على أن تيار الصدر، يذهب في خصوماته إلى حد التصفية الجسدية؛ فهناك مؤشرات قوية على أن له يداً في اغتيال شيخ هذا التيار (عبد المجيد الخوئي) لدى عودته إلى العراق بعد الاحتلال، وعندما سُئل عمَّا أثير حول مقتل الخوئي، وما تردد من اتهام تياره بذلك قال كلاماً كله تورية وتَقيَّة، ولكن خلاصته أن الخوئي جلب شخصاً مشبوهاً هو (حيدر كليدار) وهو كما يقول أحد أعضاء النظام السابق، فأدخله الخوئي " الحضرة الحسينية " بعد أن جاء هو - أي الخوئي - على ظهر دبابة بريطانية بعد الاحتلال وقال: " كانت للخوئي تصرفات شحنت الشعب العراقي " كله " ضده؛ لأن الشعب العراقي " كله " محب لـ (السيد الصدر) "! ثم قال: " بسبب هذا قُتل هو، وإن كان هو لا يُراد أولاً وبالذات، لكل مثل ما " ينقال ": يُراد ثانياً "!! [1]. وهنا يظهر أن التقية خانت مقتدى الصدر، فأدلى بما يشبه الاعتراف بأن الخوئي كان ينبغي أن يُقتل.

وقد صدر اتهام رسمي لمقتدى الصدر بالضلوع في قتل الخوئي، وبسببه طُلب للمحاكمة، ولكن الأمر جُمد، ولم يفعَّل إلا في الأحداث الأخيرة التي صُور فيها على أنه هو الذي أعلن الثورة على قوات الاحتلال، مع أن موقفه الحقيقي من الاحتلال مزرٍ من حيث المبدأ، حيث إنه ربط ذلك الموقف بصدور تصريح من (المرجعية) في إيران؛ فعندما سُئل في الحوار المذكور عن نظرته لقوات الاحتلال الأمريكية في العراق، وهل يعدها قوات احتلال أم تحرر؟ قال: " المهم إحنا موننظر إلى الاحتلال أو عدم الاحتلال، المهم عليَّ إنه الله بواسطتهم خلصنا من هذا الظلم الذي كان "! ثم لما سئل عن السبب في عدم تعامل الشيعة مع المحتل الأمريكي كما تعاملوا في الماضي مع المحتل البريطاني قال: " لعل الفقهاء أفتوا وقتها بمجابهتهم، وهم الآن (ماكو) أصلاً "، وحدد موقفه من قوات الاحتلال بقوله: " محايد.. لا مع، ولا ضد " وسئل سؤالاً أكثر تحديداً عن موقفه العملي، فقال: " ما عندي موقف أصلاً، ما إلي علاقة، سواء بقوا أو طلعوا، إنما يرجع هذا إلى فتوى الحاكم الشرعي " فسأله المذيع: " ألا توجد فتوى للحاكم الشرعي بخصوص القوات الأمريكية؟ فقال الصدر: " توجد فتوى بعدم الجهاد، وطبعاً هذا موجود " ثم صرح بما يترتب على هذه الفتوى فقال: " إن الجهاد في هذه الحالة يسقط، بل يحرم "!! ولكن يبدو أن (الفتوى) صدرت للصدر من إيران بعد عام كامل من الاحتلال، فأصدر مؤخراً تصريحاً بأن جيش المهدي هو الذي سيحرر العراق..!

* إيران.. " والحاكم الشرعي " لثورة الصدر:

المرجعية الدينية لتيار الصدر يمثلها كما قال مقتدى الصدر نفسه في مناسبات كثيرة هو المدعو: (آية الله العظمى كاظم الحائري )، وهو تلميذ والد مقتدى (محمد صادق الصدر )؛ فقد عايشه مدة طويلة، وتلقى عنه علوم الشيعة، فاستخلفه في المرجعية بعده، وهو ذو أصول إيرانية ومقرب من مرشد الثورة الإيرانية (علي خامنئي) ومُقيم الآن في مدينة قم بإيران، وله مكاتب في سوريا، و لبنان، إضافة إلى مكتب مقتدى الصدر الذي يدير شؤون تلك المرجعية في العراق، وقد دمرته قوات الاحتلال مؤخراً.

وعلى هذا يبدو جلياً أن الخيوط التي تمسك بأطراف مقتدى الصدر وتحركه على المسرح العراقي، تنسدل من قم الإيرانية مباشرة، بما يرشح لدور خطير منتظر لإيران في العراق ربما يستثمر ضدها، وقد بدأت بواكيره في أحداث النجف و الكوفة وغيرها من المدن الشيعية في الفترة الأخيرة. وقد سئل مقتدى الصدر، في حديث قناة الجزيرة المذكور سؤالاً عن إيران، بدا مستفزاً له، حيث قال له المذيع (ياسر أبو هلالة): " لماذا انتقدت إيران في إحدى خطب الجمعة؟ " فرد قائلاً: " انتقدت..؟! بالعكس، ما يعتبر نقد، وإنما نتوقع منها الأكثر، كل ما كانت الدولة أقرب، نتوقع منها أكثر، مساعدات مادية، أو مساعدات معنوية ".

وما يذكره مقتدى الصدر عن المساعدات والإعانات الإيرانية لتيار الصدر وغيره ليس من باب التمنيات أو المطالب، ولكنه واقع حقيقي، تجسده المؤسسات التابعة لهم في العراق التي أنشأتها ودعمتها إيران؛ فقد صرح المسؤول السابق عن الملف العراقي في إيران في حديث له إلى صحيفة الشرق الأوسط في 3 / 4 / 2004م، بأن المخابرات الإيرانية بتنظيماتها المتعددة، قد أنشأت في العراق 18 مكتباً، تحت واجهات خيرية لمساعدة الفقراء، وتوزيع الإعانات الطبية والغذائية والمالية، وقال: إن مخصصات تلك المكاتب تزيد عن سبعين مليون دولار، منها 5 ملايين يتصرف بها رجال الدين من الشيعة الموالين لإيران.

وقد نتج عن مساعي التغلغل الإيرانية، القديمة والحديثة أن أصبح لها حضور مباشر في العراق سياسياً، واقتصادياً، وأمنياً، وهي تسعى من خلال ذلك إلى إقامة جسور مع مختلف القوى في الساحة العراقية، وتوظف نفوذها التقليدي على بعض (الحوزات) العلمية الشيعية للنفاذ إلى توجيه السياسات هناك بما يخدم مصالحها.

وإذا كانت مصالح إيران كبيرة في العراق منذ اندلاع الثورة الإيرانية، باعتبار أن العراق هو (الوطن الأم) للشيعة في العالم؛ فإن تلك المصالح قد اكتسبت أبعاداً أكبر وأخطر بعد الغزو الأمريكي للعراق؛ فهي لم تعد مجرد مصالح، بل أصبحت خطوط خطر استراتيجي حمراء، ولهذا أصبح التغلغل، بل التدخل الإيراني في العراق مسألة حياة أو موت.

وقد تحرك الإيرانيون في الآونة الأخيرة، من خلال نفوذهم على (تيار الصدر) للتحريض ضد الوجود الأمريكي في العراق، بل تجاوزوا ذلك التحريض إلى دور ميداني، ترافق مع قرار سلطات الاحتلال بإبعاد القائم بالأعمال الإيراني في العراق (حسن كاظمي قمي )، وهو ضابط في الحرس الثوري الإيراني، سبق أن عمل في لبنان.

وتحاول إيران الاستفادة مما يحدث في الفلوجة، ويرى بعض المراقبين أن الإيرانيين قد لا يكونون بعيدين عن دعم استمرار حالة التوتر هناك، لإشغال أهل السنة من جهة، وإشعال المقاومة بالنيابة ضد الأمريكيين لإلهائهم عن الرقابة الصارمة المضروبة على التغلغل الإيراني في بقية أنحاء العراق، ولعل مما يؤيد ذلك؛ قيام مقتدى الصدر، بزيارة للفلوجة لحث الناس هناك على مزيد من المقاومة.

 * أمريكا: هل تُستدرَج أم تَستدرِِِج؟

يثير تغافل الولايات المتحدة عن إعداد جيش قوامه عشرة آلاف أو خمسة عشر ألف مقاتل، في ظروف احتلال عسكري علامات استفهام وتعجب لا يمكن تجاوزها، كما أن ضرب الأمريكان على أشد الأوتار حساسية لدى الطائفة الشيعية في العراق، لا ينبغي أن يمر أيضاً مرور الكرام؛ فتحدي الأمريكيين المعلن لـ (رجل دين) يقود تياراً دينياً كاملاً، واتهامه بالقتل، وإغلاق الصحيفة الناطقة باسم طائفته، وإصرارهم على تسليم نفسه طوعاً، أو القبض عليه كرهاً، واعتقالهم بالفعل لرئيس مكتبه (مصطفى اليعقوبي) وعرض صور حية مهينة له وهو في معتقله، ثم حصار ذلك (الزعيم) وهو معتصم في مسجد من أقدس المساجد لدى الشيعة في الكوفة، ثم الصدام العسكري مع أنصاره وقتل العديد منهم، والتعهد العلني بالقضاء على ما يسمى بـ (جيش المهدي) المليء من خلال تسميته بالإيحاءات والمضامين الدينية الشيعية، ثم التعهد العلني بقتل أو اعتقال الصدر كل هذا يصب في خانة التصرفات الاستدراجية، التي تضرب على وتر الفعل المتعمد، بانتظار رد الفعل المتوقع.. فأمريكيون محتلون يصعِّدون، وشيعة عراقيون يتحدون، ثم شيعة إيرانيون يتحمسون كما فعل رفسنجاني. ثم يتصايحون بالتنديد والوعيد، فيعطون الأمريكيين بذلك ما يريدونه تماماً، من الضلع الثاني في (محور الشر) في نظر بوش، الذي تعهدت عصابته بالقضاء عليه حرقاً أو خنقاً.

 * هل هي حرب خليج رابعة؟!

أعرف أن الحديث عن ذلك مبكر جداً، ولكن أرجو ألا يكون إدراكنا لجديته متأخراً جداً فمنذ أن أعلن الرئيس الأمريكي جورج بوش في خطاب الاتحاد الشهير في 9 / 1 / 2002م، بأن إيران هي أحد دول (محور الشر) الذي يضم بالإضافة إليها العراق (قبل الغزو) و كوريا الشمالية، منذ ذلك الحين، وتصريحات كبار المسؤولين في الإدارة الأمريكية يتطاير شررها كل حين بتوعد إيران بالدرجة نفسها التي تُوعدت بها العراق ثم نُفذ فيها الوعيد. وقد تولى كِبَر هذه التحريضات فريق من يهود الإدارة المنتشرين كالسرطان في أطرافها، وبخاصة في وزارتي الدفاع والخارجية، وهم المعروفون إعلامياً بـ (المحافظين الجدد ). وعلى الرغم من أن إيران دولة شيعية، تدخل بالنظر الإسلامي الصحيح في عداد الكيانات البدعية الغليظة في بدعتها، إلا أن ذلك لا يعني شيئاً عند الأمريكيين، ولا يغير من عداوة الصهيونية العالمية، يهودية ونصرانية، تلك التي تريد السيطرة على العالم الإسلامي، بجميع طوائفه، بل تستغل بعضهم في ضرب بعض.

إن الجميع في النهاية كما يقولون (محمديون) ينبغي القضاء على أية قوة لهم، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو عسكرية، وبالرغم أيضاً مما قام به النظام الإيراني، من إجراءات لتسهيل غزو أفغانستان، وتثبيت احتلال العراق، فإن كل ذلك لم يشفع ولن يشفع لتلك الدولة كي يخرجوها عن دائرة التربص؛ فإضافة إلى احتلال إيران الآن لموقع الصدارة في (محور الشر) بعد سقوط نظام العراق، فإنها مصنفة منذ سنوات عديدة ضمن الدول الداعمة لما يُسمّى بـ (الإرهاب) بتأييدها للعلويين في سوريا والشيعة في لبنان ودول الخليج.

لقد كتب كبار رموز المحافظين الجدد، بالاشتراك مع أعضاء اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة كتابات عديدة وأدلوا بتصريحات كثيرة تكشف عن مواقف متشددة، يزمع الأمريكيون اتخاذها ضد الحكومة الإيرانية، ويعزمون على أن يجعلوا من إيران هدفاً تالياً للعراق، في مسلسل (الإصلاح) الصهيوني، لدول الشرق الأوسط الكبير، الداخل ضمن مشروع (القرن الأمريكي الجديد) الذي يتبناه العتاة من يهود أمريكا المسمين بـ (المحافظين الجدد) الذين يحكمون أمريكا اليوم بالتقاسم مع تيار الأصولية الإنجيلية المعروف بالصهيونية المسيحية. لقد صرح المحافظون الجدد على لسان زعيمهم اليهودي (وليام كريستول) رئيس مشروع (القرن الأمريكي الجديد) بأن المعركة الكبرى القادمة ستكون ضد إيران، وألقى (موري آميني) المدير التنفيذي السابق للجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (إيباك) ونائب رئيس المعهد اليهودي بشؤون الأمن القومي محاضرة في الفترة الأخيرة في مقر المعهد، كشف فيها عن تأسيس منظمة إيرانية معارضة أطلق عليها اسم: (التحالف من أجل الديمقراطية في إيران) تضم إيرانيين يحملون الجنسية الأمريكية، تعدهم الولايات المتحدة لمرحلة ما بعد حكم (الآيات) في إيران، وقد أقنع فوز (المحافظين) الأكثر تشدداً في الانتخابات الأخيرة في إيران الولايات المتحدة بضرورة وضع نهاية لنظام الحكم القائم هناك.

إن المحافظين اليهود الجدد الذين أكثروا من الزعيق والنعيق لخراب العراق يكررون الدور نفسه الآن لخراب إيران، وهم يعدون كل حرب ضد أي بلد إسلامي (حرب تحرير )؛ فكل بلد يدخلها الأمريكيون منذ " تحرير " الكويت، هي بلد " محرر "، وسوف لا يتأخرون عن تطبيق الخطوات نفسها التي طبقت خلال إدارة المعركة ضد العراق، مع البلد المستهدف الجديد.

بعد حرب العراق؛ نشر زعيم المحافظين الجدد (وليام كريستول) مقالاً بعنوان (نهاية البداية) في مجلة (ويكلي ستاندرا) وصف فيه انتصار أمريكا في حربها على العراق بأنه النهاية لبداية الحرب الكبرى في الساحة الكبرى، وهي الشرق الأوسط، أما الساحات الأخرى، فإن الخطر فيها (محتمل) ويمكن تأجيله أو احتواؤه. لقد قال: " إن كوريا الشمالية تمثل خطراً أيضاً، ولكنه يمكن احتواؤه، وخطرها الحقيقي - أي كوريا - هو إمداد " الإرهابيين " الشرق أوسطيين أفراداً وجماعات بالأسلحة الفتاكة " وذكر كريستول، أن حرب " تحرير "  العراق كانت أكبر المعارك من أجل مستقبل الشرق الأوسط، واعتبر أن المعركة الأكبر ستكون من أجل " تحرير إيران "، مؤكداً على أن النظام القائم في العراق، يمثل خطراً على مستقبل (العراق الحر )، ولهذا.. " ينبغي نقل المعركة إلى إيران نفسها ".

وقال ذلك اليهودي النافذ في عصابة المحافظين الجدد: " إن ذهاب النظام في إيران، سوف يتبعه بسهولة تغييرات إيجابية في سوريا و السعودية، بما ينعكس إيجابياً على فرص التسوية الفلسطينية الإسرائيلية ".

وقال في مقال آخر في مجلة (ويكلي ستاندرد): " إن تحرير العراق، كان المعركة العظيمة الأولى من أجل مستقبل الشرق الأوسط، إلا أن المعركة الكبرى التالية - ونأمل ألا تكون عسكرية - ستكون في إيران، إننا مستعدون لقتال مستميت ضد إيران من أجل مستقبل العراق، وإن المنظرين الدينيين القائمين على السلطة في إيران، يفهمون أن التحدي الآن مضاعف، ولا شيء سوف يمكِّنهم من البقاء في السلطة إذا أعاقوا التعددية اللادينية في إيران ".

فتغيير الأوضاع في إيران من حكم ديني شيعي، إلى حكم علماني ليبرالي موالٍ للولايات المتحدة، يبدو أنه قرار لا رجعة فيه عند الأمريكيين سلماً أو حرباً. وقد نُشر مقال مطول لأحد منظري المحافظين الجدد، وهو (رويل مير) في شهر أغسطس 2002م دعا فيه إلى تحويل دول الشرق الأوسط إلى نمط العلمانية التركية التي لا تسمح للدين بأن يتدخل في السياسة.

وفي سياق تسخين الحملات العدائية ضد إيران، عقد معهد (أمريكا أنترابرايز) وهو أهم مؤسسات المحافظين الجدد، وملتقى رموزهم، عقد مؤتمراً في 6 / 5 / 2003م، بعنوان: (مستقبل إيران) ركز المؤتمرون فيه على الدعوة إلى إحلال (المبادئ الديمقراطية) في إيران بدفع من الخارج، وقال أحد خبراء السياسة الخارجية بالمعهد (مايكل لادين) وهو من رموز المحافظين الجدد: " إن النظام الإيراني الآن حالة مثل حال النظام السوفييتي قبل انهياره، يحتاج فقط إلى عوامل مساعدة خارجية لكي يسقط "، وقد شارك في ذلك المؤتمر السيناتور الجمهوري (سام برونياك) عضو لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، وكشف عن تفاصيل مساندة الأمريكيين لجماعات إيرانية (أمريكية) معارضة لنظام الحكم في إيران، وقال في تصريح شبيه بما كان يقال عن العراق: " إن إيران تمثل خطراً حقيقياً على الولايات المتحدة الأمريكية "، وذكر أن من الأسباب التي تزيد من هذا الخطر، أن النظام الإيراني سيحرص على الاستفادة من سقوط النظام العراقي، وتكون إيران بذلك أكبر مساند للإرهاب في الشرق الأوسط، لكي تبسط سيطرتها وتمد إمبراطوريتها الشيعية، بمساندة الشيعة في كل من العراق وأفغانستان ودول الخليج ".

وفي الإطار نفسه دعا نائب المعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي في كلمة ألقاها أمام المؤتمر إلى نفض اليد من دعاوى الإصلاح والتغيير في إيران [2]، وقال: لا بد أن تضع الحكومة الأمريكية تغيير النظام في إيران على رأس أولوياتها في المرحلة القادمة ".

أما ما يسمى بـ (التحالف من أجل الديمقراطية في إيران) المرموز له بـ (CDI) فقد أنشأ موقعاً له بتلك الأحرف على شبكة الإنترنت، وذكروا في ذلك الموقع قائمة بأسماء أبرز المؤيدين لحركتهم في الإدارة الأمريكية، وتبين من المعلومات المنشورة أن شخصاً يدعى (روب سوبهاني) أو " سبحاني "  وهو أمريكي من أصل إيراني، يراهن عليه الأمريكيون لمرحلة ما بعد خامنئي.

 وقد صرح ذلك المعارض الإيراني بأن سقوط نظام الحكم في إيران سيكون نهاية لتجرية (نظام الحكم الإسلامي) التي تغاضى عنها الغرب لفترة، وسوف يوفر هذا السقوط فرصاً عظيمة للأمريكيين للاستثمار في إيران التي يبلغ عدد سكانها 70 مليون نسمة، وسوف يفتح منطقة وسط آسيا بثرواتها العظيمة أمام أمريكا والغرب، وسوف يساعد الأمريكيين على القفز بخطى كبيرة في حربها ضد الإرهاب، وسوف يساعد في إحلال السلام بين العرب وبقية المسلمين وبين " إسرائيل "، وسوف يحد من مخاطر انتشار أسلحة الدمار الشامل التي تحوم الشكوك حول إمكانية حيازة الإيرانيين لها، من خلال برنامجهم النووي.

 * إيران وذرائع السلاح النووي:

في لهجة شبيهة بما كان يردده الرئيس الأمريكي وأبوه من التحذيرات الموجهة ضد العراق؛ أعلن جورج بوش الابن في 18 / 6 / 2002م بأن تطوير إيران لبرنامجها النووي خط أحمر لا يمكن تجاوزه، وقال: " لن نتساهل مع قيام إيران بإنتاج سلاح نووي ".

وكعادتها، سارعت المنظمات الدولية، وعلى الأخص الوكالة الدولية للطاقة النووية، إلى ترديد صدى ما يصرح به الأمريكيون من تحذيرات، وربما تهديدات، فقد اتهم (محمد البرادعي) مدير تلك الوكالة، إيران علناً بغموض برنامجها النووي في مرات عديدة، كان آخرها في يناير 2004م، بل صرح بأنها تخفي أجزاء من ذلك البرنامج، وتدخلت دول الاتحاد الأوروبي إلى جانب الولايات المتحدة و الأمم المتحدة في الضغط على إيران، فطالبت الحكومة الإيرانية بأن توافق فوراً، ومن دون شروط على التوقيع على ملحق معاهدة انتشار الأسلحة النووية وأن تسمح بعمليات تفتيش مفاجئة لمواقعها النووية.

 ويبدو أن الحكومة الإيرانية، استشعرت جدية الخطر المحدق بها من جراء ذلك التربص، ففضلت أن تنحني للعاصفة، فوافقت على التوقيع على ملحق معاهدة حظر انتشار السلاح النووي، وسمحت بدخول المفتشين الدوليين لمنشآتها النووية، بل إن الرئيس الإيراني محمد خاتمي، صرح في حديث أدلى به في اجتماع أمام مجلس الكنائس العالمي في (12 / 12 / 2003م) بأن بلاده لن تصنع أسلحة نووية؛ لأن " تطوير الأسلحة النووية لا يتفق مع تعاليم الدين الإسلامي "!

ولكن تصريحات محمد خاتمي لن تنهي المواجهة بين إيران وبين الولايات المتحدة بشأن أسلحة الدمار الشامل، سواء كان نووياً أو كيمياوياً أو بيولوجياً، فالأمريكيون يُبقون على هذا الملف حياً، لاستخراجه في الوقت المناسب؛ فإيران كان لديها بالفعل ما يحملها على الشروع في تطوير برنامجها النووي قبل غزو العراق، وقد تضاعفت حاجتها لذلك بعد أن أحكم الأمريكيون الخناق حولها من أفغانستان شرقاً ومن العراق غرباً، ومن الخليج جنوباً، إلا أن الظروف ليست مواتية لأي تصلب في المواقف، وقد تضطر إيران تحت الضغوط إلى أن تسير على درب ليبيا، والعراق قبلها، وتسلك طريق التجرد الذاتي من كل ما تبقى من نية في إنتاج أسلحة نووية، أو حتى كيمياوية، أو بيولوجية، ولكن ذلك سيعني أن إيران (الثورة) قد سلمت رقبتها بلا ثمن كما فعل صدام لعدو لن يتنازل عن تسلم السلطة فيها، ليعطيها لعملاء خُلَّص، يكفونه (صداع) الثورات والشعارات.

ولكن: هل هناك بالفعل خطر إيراني يمكن أن يهدد الأمن القومي للولايات المتحدة كما تلهج بذلك رموز بارزة في الإدارة الأمريكية؟! إن قصة اهتمام الإيرانيين بحيازة النووي طويلة، وهي وإن كانت اليوم قد توقفت، أو بسبيلها إلى التوقف، إلا أن في ثناياها ما يجعل من يريدون الصيد في الماء العكر يتفاءلون، بأن إيران كانت لها في يوم من الأيام " نوايا نووية "، وقد كان أحد الأسباب على رأي المتحدث باسم الخارجية الأمريكية (آري فليشر) في أن تشن الولايات المتحدة الأمريكية حربها على العراق؛ فقد سئل هذا المسؤول في مقابلة صحفية في 9 / 4 / 2004م، عن سبب ضرب العراق مع ما ظهر من خلوه من أسلحة الدمار الشامل، فقال: " لقد ثبت لدينا أنه كانت لديهم " النية " في إنتاج وتطوير هذه الأسلحة ". فالنية النووية لدى إيران كانت موجودة بالفعل، وهذا لا يضير ولا يعيب إيران ولا غيرها من حيث المبدأ؛ فكل دولة يتهددها خطر اليهود و النصارى المتترسين في إجرامهم بهذا السلاح، من حقها، بل من أوجب الواجبات الجهادية عليها أن تحوز ما تردع به عدو الله وعدوها، وإلا.. فما الذي جرَّأ كلاب الأرض وخنازير العالم أن يتداعوا على قصعة العالم الإسلامي، قطعة قطعة، لولا افتقار هذا العالم إلى ما يحمي به نفسه من الأعداء الجبناء الذين يهددون بحرق الشعوب وهي حية، وهم آمنون من ردود رادعة؟!

إيران، مثلها مثل العراق، ومثل ليبيا، وربما مثل مصر وسوريا، كانت لديها نوايا لحيازة أسلحة رادعة، ولكن الوقت أدرك الإيرانيين، ربما في الساعات الأخيرة؛ فبرنامجها قديم حتى قبل اندلاع الثورة الإيرانية؛ فقد قررت إيران إطلاق برنامج للأبحاث النووية في عهد الشاه السابق، وكانت وقتها شريكاً رئيساً للولايات المتحدة في حربها الباردة ضد الاتحاد السوفييتي السابق الذي تحاذيه إيران من جهته الجنوبية، ولهذا لم تعارض أمريكا هذا البرنامج، بل ساعدت فيه، ولكن هذا البرنامج توقف مع انطلاق الثورة الشيعية، حتى اندلعت حرب الخليج الأولى بين إيران والعراق؛ فعندها، وفي عام 1982م قررت إيران إعادة النظر في إمكانية تطوير برنامجها النووي، لمواجهة خطر العراق، الذي كانت التقارير تحذر من تطويره هو الآخر لبرنامج نووي، مع حيازته الفعلية للأسلحة الكيمياوية واستعماله لها، إضافة إلى أن إيران كانت محاطة بدول قريبة تحوز أسلحة نووية، أو تعمل على حيازتها، كروسيا و إسرائيل و الهند و باكستان.

لست الآن بصدد المدح أو القدح في نوايا الإيرانيين وهم يعيدون النظر في تطوير برامجهم النووية، ولكن الحاصل، أن البرنامج انطلق في تلك الأثناء لأغراض عسكرية، رغم توقيع إيران على اتفاقية الحد من انتشار أسلحة الدمار الشامل، ولكن هذا البرنامج عاد إلى التباطؤ في عهد خاتمي، الذي وصل إلى السلطة عام 1997م؛ حيث بدا أن الخطر الأهم في نظر الإيرانيين الإصلاحيين قد زال، أو هو في طريقه إلى الزوال بعد حرب الخليج الثانية التي ضُربت فيها قوة العراق العسكرية، والتي استمرت فرق التفتيش الدولية لسنوات بعدها تدمر ما لدى العراق من أسلحة دمار شامل، بلغت في بعض التقديرات ما قيمته 9 مليارات دولار.

وانصرفت إيران بعد ذلك إلى الاهتمام ببناء قوة اقتصادية، ظنت أنها ستغنيها عن القوة العسكرية، ولكن هذا لا يعني أن المساعي الإيرانية لحيازة السلاح النووي توقفت بالكامل، وإنما أخذت إيقاعاً بطيئاً.

وبالرغم من أن ذلك التباطؤ تحول إلى مزيد من الحيطة والحذر بعد تداعيات حرب الخليج الثالثة، فإن الضغوط بدأت تتوالى على الحكومة الإيرانية، لتجد نفسها تعامل بمثل ما كان يعامل به العراق، فقد صدر في 6 / 6 / 2002م، تقرير من الوكالة الدولية للطاقة، انتقدت فيه الحكومة الإيرانية، لتسترها على جزء من برنامجها النووي، بما يعد خرقاً كما قالت الوكالة لمعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية التي وقعت عليها إيران. ومن الغريب أن فرنسا التي يفترض أنها الحليف الغربي الباقي لإيران، قد ساعدت في تقديم معلومات تدعم هذا الاتهام! والتقطت الولايات المتحدة الخيط، فادعت أن إيران ستتمكن خلال عام من إنتاج سلاح نووي إذا استمرت في برنامجها، وقال كولن باول في تصريحات أدلى بها لشبكة سي. إن. إن في شهر مارس 2003م معلقاً على تحذيرات البرادعي المتكررة: " هذا أكبر برهان على أن أي دولة تصمم على تطوير السلاح النووي، في إمكانها أن تحافظ على سرية برامجها، حتى عبر المفتشين والمراقبين الدوليين ".

الحرب على العراق أوجدت معطيات جديدة، مثلت خطراً على إيران، أكثر مما كان يمثله صدام حسين قبل حرب الخليج الثالثة، بل قبل حرب الخليج الثانية، فأمريكا قد حطت رحالها العسكرية على طول الحدود الغربية لإيران، بعد احتلال العراق، وكذلك فإن الحكم الذاتي الذي استقل به الأكراد، والذي قد يتطور إلى دولة مستقلة في حال التقسيم، سيغري أكراد إيران بالسعي للاستقلال أسوة بأكراد العراق، وأيضاً فإن الوضع المتردي الذي صارت إليه أفغانستان، والذي شاركت إيران في صنعه بوقوف حكومتها الظالم مع تحالف الشمال الجائر، سينعكس سلباً على الاستقرار في المناطق الحدودية بين إيران وأفغانستان التي تخضع هي الأخرى للاحتلال الأمريكي، ويضاف إلى ذلك أن دولة اليهود (إسرائيل) قد نقلت إيران إلى خانة العداء الأول بعد سقوط نظام صدام، وبدأت تتعامل معها كعدو بديل وند جديد، لدرجة أن شارون هدد بضرب المفاعل النووي الإيراني، مثلما ضرب سلفه في الإجرام (مناحيم بيجن) المفاعل النووي العراقي.

إن كل هذه الضغوط جعلت إيران في وضع ضعف غير مسبوق، ولا يقال هنا في رأيي الخاص إن إيران بدأت في تحريك أمثال جيش مقتدى الصدر لإزعاج الأمريكيين في العراق، ومنازلتهم على أرضه من موقع قوة بل الأوضح والأوقع أن الأمريكيين هم الذين بدؤوا في استدراج إيران عن طريق فتى جنوب العراق (مقتدى الصدر) كما تستدرج (إسرائيل) سوريا من خلال فتى جنوب لبنان (حسن نصر الله) بحيث يسير طريق الاستدراج لإيران على محورين أيهما أقرب: محور الاستدراج بالملف النووي، ومحور الاستدراج بالملف الشيعي؛ بحيث يقود أحدهما إلى مواجهة لا راد لها إلا الله، إما عن طريق غزو خارجي، أو عن طريق تفكيك داخلي، وما قد يبدو من هدوء على صعيد التصعيد الأمريكي ضد مقتدى الصدر وجيشه الغامض؛ إنما هو الهدوء الذي يسبق العاصفة، والخوف هنا ليس من العاصفة، بل مما سيعقب العاصفة.

ولكن السؤال هنا هو.. هل بوسع الأمريكيين أن يدخلوا حرباً جديدة أو يهيئوا الأجواء لها والانتخابات الأمريكية على الأبواب، ومصداقية بوش على المحك، وفي وضع دفاع ضعيف...؟! أقول... هذا بالذات ما قد يغري بالمغامرة أكثر نحو تصعيد أكبر، قد لا يكون حرباً الآن بالمعنى الشامل كما حدث في العراق، ولكن التهديد الشديد بها من باب إشعار الأمريكيين أنهم يعيشون أجواء حرب جديدة، تتطلب فترة رئاسية جديدة، وتحتاج إلى المحافظة على فريق المحافظين اليهود الجدد، والمحافظين النصارى التقليديين، بقيادة الزعيم (الفلتة) جورج بوش!

أما إيران، فهي بالحرب أو بغيرها، تحت المواجهة والنيران، نيران التغيير القادم، الذي لا مكان فيه لعمامة سوداء أو بيضاء، إلا أن يشاء الله شيئاً.

- هل آن الأوان لشيعة إيران أن يشايعوا إخوان القبلة من أهل السنة داخل إيران وخارجها، ضد العدو المشترك، بدلاً من إضاعة مزيد من الأوقات في الخلافات والمنازعات التاريخية والمذهبية التي كثيراً ما تتطور إلى مواجهات وصدامات لا يستفيد بها إلا أعداء الأمة كما حدث في أفغانستان والعراق؟!

- هل آن الأوان لهؤلاء أن يضعوا أيديهم في أيدي المجاهدين على أرض الرافدين، فيضحوا معهم، بدلاً من أن يضحوا بهم على العتبات المنجسة لقوى التحالف على الإسلام.

- هل آن لهم أن يعوا أن أرض العراق التي فتحها عمر الفاروق - رضي الله - عنه ليحكم فيها أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه - هي اليوم بيد عباد الصليب الذين لن يكتفوا بها عن غيرها، ولن يتركوها حتى يسلموها لقردة آل صهيون، ينزون فيها ويقفزون منها إلى إيران وإلى ما بعد إيران، ليحكموها باسم " المحافظين الجدد " من الإيرانيين و الإسرائيليين و الأمريكيين؟!

- هل يدرك المحافظون والإصلاحيون في إيران قبل فوات الأوان أن استمرار سقوط بغداد، هو مقدمة لسقوط طهران، وأن سقوطهما يعني تهديد بقية ما حولهما من البلدان؟!

نحن نعلم أن من الشيعة من يرجعون إلى الحق، وإلى طريقه يعدلون، وما لهم لا يرجعون } وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ{ (الأعراف: 159 ).

إنهم إن يرجعوا يرجعوا إلى صواب، وإن يعدلوا يعدلوا إلى حق، دلت عليه آي الكتاب، وصحيح السنة وصريح العقل، وأما إذا رفضوا الحق مع الرافضين؛ فإن العدو سينفرد بهم وبنا أجمعين.

لقد أمر الله أهل الإسلام أن يقولوا لغير المحاربين من أهل الكتاب: } تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّه { (آل عمران: 64 )، أليس أهل القبلة أوْلى بذلك التنادي اليوم فيما بينهم، أكثر من تناديهم لأهل الكتاب بأن يجتمعوا معهم عى كلمة سواء؟

إن الطوفان قادم، ولا أمل إلا في الاعتصام بحبل الله جميعاً، دون أن نكون من الذين قال الله تعالى فيهم: } إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ { (الأنعام: 159 ).

:: البيان تنشر - مـلـف خـاص- (الـخـطـر الإيـرانـي يـتـمـدد)


 (1) من حديث لقناة الجزيرة، وهو منشور بكامله على موقعها في الإنترنت، برنامج (لقاء اليوم).

(2) هذا قبل أن يفوز المحافظون المتشددون في الانتخابات الأخيرة في إيران على الإصلاحيين المعتدلين!.