عانى اليمن في الفترة الأخيرة كثيرًا من المشكلات التي تسببت له فيما يشبه الصداع المزمن؛ فمن تمرد الحوثيين، إلى الوضع الاقتصادي المتدهور... إلا أن الحالة الجديدة التي يواجهها اليمن نقلته من الصداع إلى التصدع؛ فقد تصاعدت في الآونة الأخيرة كثير من الفعاليات تطالب بانفصال الجنوب عن اليمن الموحد.

وتبنَّى ما يُعرف بـ (الحَرَاك الجنوبي) شعار فك الارتباط، وأحدث إعلان علي سالم البيض (نائب الرئيس اليمني في اليمن الموحد ورئيس اليمن الجنوبي سابقًا) تبنِّيه لدعاوى الانفصال نقلةً نوعية للحَرَاك الجنوبي في رحلة نحو الانفصال عن الوطن الأم.

ولعل المشهد اليمني مفعم بالتعقيدات الداخلية والخارجية.

وإذا فككنا الداخل اليمني، فسنجد الحوثيين من جهة، والتيار الإسلامي بأطيافه كافة (الجهادي والسلفي والإخواني) من جهة أخرى إلى جانب الأحزاب السياسية الرئيسة، ناهيك عن التيار الجنوبي نفسه بتنوعاته المختلفة: (القبلية والحزبية والإسلامية) هذا بالإضافة إلى الأطراف الخارجية (الدولية والإقليمية والعربية).

لكننا سنلقي الضوء على لاعب مؤثر وفاعل متربص ينتظر الفرصة لينقضَّ على فريسته، وهو الأخطبوط الإيراني وذراعه الحوثي وأثره في دعاوى انفصال الجنوب اليمني.

العلاقات (اليمنية - الإيرانية):

إذا استعرضنا العلاقات (اليمنية - الإيرانية) في العصر الحديث، فسنجد أنها مرت بعدة مراحل:

أولاً: على مدى سنوات الحرب الثماني بين العراق وإيران دعم اليمن العراق في حربه مع إيران سياسيًا وعسكريًا، بل قاتل آلاف العسكريين والمتطوعين اليمنيين ضمن ما كان يسمى بألوية العروبة، وكان الرئيس اليمني علي عبد الله صالح من ضمن زعماء قلائل زاروا جبهة القتال.

أما بالنسبة للسيناريو الإيراني في تلك المرحلة، فقد سُجلت بعض النشاطات الإيرانية المحدودة لتصدير الثورة الإسلامية إلى اليمن، هدفت في مجملها إلى دعم أوساط وشخصيات شيعية يمنية هي اليوم تصنَّف على أنها أقرب إلى المذهب الجعفري الاثني عشري السائد في إيران منها إلى المذهب الزيدي الذي يتبعه جزء من سكان شمالي اليمن.

ثانيًا: مع نهاية حرب الخليج الثانية، وفي النصف الثاني من التسعينيات الميلادية من القرن الماضي؛ بدأت علاقات اليمن مع إيران تتحسن. وهذا التحسن استمر حتى بدايات عام 2004م.

وقد استغلت إيران تلك الفترة لعقد كثير من الاتفاقيات صبَّت في مجملها في الجانب الثقافي والتعليمي لتتمكن من التغلغل في المجالات المهمة التي تستطيع عن طريقها الترويج لمذهبها الشيعي وإيجاد قنوات حوار مع حلفائها في اليمن من الحوثيين وغيرهم.

كما تمثل التدخل الإيراني أيضًا في استخدام شيعة العراق العرب الذين كان مرحَّبًا بهم في اليمن بحكم العلاقة القوية التي تربط صنعاء ببغداد، والذين أتوا إلى اليمن وشكلوا عددًا كبيرًا طوال مرحلة التسعينيات الميلادية من القرن الماضي نتيجة الحصار الاقتصادي الظالم على العراق، وقد توغل هؤلاء العراقيون في كثير من الأجهزة الحكومية التربوية والصحية مستغلين الثقة الممنوحة لهم من قِبَل الحكومة اليمنية في نشر المبادئ والأفكار الاثني عشرية، وخاصة في أوساط التجمعات الزيدية، وكذلك لوحظ التزايد الشديد للمكتبات الشيعية والتسجيلات التي تدعو إلى الفكر الشيعي، وذلك بفعل الأموال الإيرانية الكبيرة التي تدعم مثل هذه الأنشطة.

ثالثًا: مع بدايات صيف العام 2004م اشتعلت أول مواجهة بين القوات اليمنية وتيار الحوثي، والتي انتهت بمصرع زعيم هذا التيار حسين بدر الدين الحوثي في العام نفسه بعد ثلاثة أشهر من القتال.

جذور التيار الحوثي ونشأته:

تعود جذور هذا التيار إلى الثمانينيات الميلادية من القرن الماضي؛ إذ بدأ أول تحرك تنظيمي مدروس لهذا التيار في عام 1982م على يد الشيخ (صلاح أحمد فليته) الذي أنشأ في عام 1986م بدعم إيراني (اتحاد الشباب) وكان مما يُدرَّس لأعضاء هذا الاتحاد مادة عن الثورة الإيرانية كان يقوم بتدريسها الأخ الأكبر لحسين بدر الدين الحوثي محمد بدر الدين.

ويرى كثير من الباحثين أن مبدأ تصدير الثورة الإيرانية هو وراء الحركة الحوثية، إضافة إلى العلاقة القوية التي تربط الثورة الإيرانية مع العائلة الحوثية في اليمن، والتي زادت بقوة عقب الإقامة القسرية لبدر الدين الحوثي في طهران وقم، والتي هاجر إليها بعد خلاف له مع عدد من علماء المذهب الزيدي حول مسألة قصر الإمامة والرئاسة في البطنين الهاشميين الحسن و الحسين دون غيرهما؛ إذ إنه في تلك الفترة كان بعض علماء الزيدية قد اجتهدوا في هذه المسألة التي كانت تمثل لهم حرجًا شديدًا مع حكام صنعاء الجمهوريين، ولتجاوز هذا الحرج خرجوا باجتهاد مفاده أن الرئاسة والولاية جائزة في كل مسلم قائم بحدود الله في خلقه، وأن مسألة البطنين مسألة زمنية لم يعد ثمة مسوِّغ لوجودها.

كان هذا الاجتهاد سبب مغادرة الحوثي اليمن متجهًا إلى طهران للإقامة فيها، ولم يعد إلى اليمن إلا عَقِب قيام الوحدة اليمنية بعد وساطة عدد من علماء الزيدية لدى الرئيس علي عبد الله صالح.

وتمثلت ملامح السيناريو الإيراني في اليمن في تلك المرحلة في حروب الحوثيين مع النظام اليمني، ووقتها شعرت الحكومة اليمنية بالخطر الإيراني ولم تعد قادرة على الصمت إزاء ما يجري على أراضيها، فقررت الحكومة اليمنية الخروج عن صمتها المعهود، مشيرة بأصابع الاتهام إلى إيران التي سارعت بنفي علاقتها بما يجري في صعدة، كما هي تصريحاتها دائمًا حول هذه القضية منذ بدايتها.

وعلى الرغم من هذا النفي الإيراني إلا أن إيران نفسها لم تعد تستطيع إخفاء تضامنها مع جماعة الحوثي، فقد تجمَّع مئات من علماء الدين في إيران أمام السفارة اليمنية في طهران إبان الجولة الثالثة من الحرب اليمنية على الحوثيين للتعبير عن احتجاجهم على ما أسموه بالمجازر التي تُرتكب ضد الشيعة في اليمن، وطالب المتظاهرون بطرد السفير اليمني في طهران، وتغيير اسم الشارع الذي تقع فيه السفارة اليمنية إلى اسم الحوثي.

ومن هنا تتضح حقيقة الدور الإيراني فيما يجري في اليمن، وأن هناك مخططًا تم إعداده بعناية، وأن إيران تسعى إلى إعادة مجدها الفارسي الذي كان له موطئ قدم على أرض اليمن.

التيار الحوثي ودعمه لانفصال الجنوب:

للتيار الشيعي في اليمن تاريخه في التحالف مع الحزب الاشتراكي؛ فقد تبادلوا التأييد والنصرة في قضاياهم؛ ففي حين ساند الاشتراكيون الملكيين في حربهم ضد الجمهورية، وقف الشيعة إلى جانب الحزب الاشتراكي في أزمة عام 1993م وحرب 1994م، وحملوا راية الدفاع عن الحوثية في حربها مع الدولة!

وعلى هذا الأساس؛ فإن الشيعة يساندون الحزب الاشتراكي في مخطط الانفصال؛ لعدة أسباب:

- لكونه سيضعف من قوة حكومة الرئيس علي عبد الله صالح، وهو الأمر الذي يمدُّهم بقدرة على التمرد واستمرار مشروع الثورة الشيعية في اليمن.

- لكونه سيقلل من نسبة التعداد السكاني للسُّنة لصالح المد الشيعي؛ فالجنوبيون جميعهم سُنة.

- لكونه سيعزز من مكانة حليفهم السياسي (الحزب الاشتراكي) ومن ثمَّ سيقوي الحلف القائم بينهما.

هذه الحقيقة تؤكدها مواقف الحزب الاشتراكي المدافعة عن تيار الحوثي ورؤيته للحرب في صعدة، وهي جميعًا تعكس تلاحمًا بين هذين التيارين.

كما كانت للحروب الحوثية الخمس ضد الدولة اليمنية آثار مدمرة؛ فقد كسرت خلالها هيبة الدولة والجيش وفتحت شهية الأطراف الانفصالية في الجنوب لكي تسرع خطوات إعادة البراميل، وتم لها نشر حالة تذمر عارمة في أوساط المواطنين، إضافة إلى الضريبة المادية العالية التي دفعتها اليمن خلال تلك الحروب وهو ما زاد من حالة الفقر والضعف الاقتصادي.

المطامع الإيرانية في خليج عدن:

لم تكتفِ إيران في استراتيجيتها تجاه اليمن باستخدام الحوثيين فقط، بل سعت إلى الالتفاف حول اليمن عن طريق وضع قدم لها في خليج عدن وإنشاء قاعدة عسكرية تمد أعوانها بالدعم اللوجستي والعكسري والتدخل الواضح إذا لزم الأمر.

فقد كشف العديد من التقارير الصحفية (بعضها عن مصادر في المعارضة الإريترية) عن اختراق إيراني لمنطقة القرن الإفريقي عبر البوابة الإريترية، وأشارت تلك التقارير إلى أن إيران تمكنت بسرية تامة من بناء قاعدة بحرية عسكرية على البحر الأحمر، وأنها نجحت خلال الأشهر الأخيرة في تحويل ميناء عصب الإريتري إلى قاعدة إيرانية.

وتشير التقارير إلى أن الفرع الإفريقي في قيادة فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني قد تولى هذه المهمة بالتعاون مع بحرية الحرس الثوري؛ حيث قامت السفن الإيرانية في البداية بنقل المعدات العسكرية والأسلحة الإيرانية إلى ميناء (عصب) بمشاركة ثلاث غواصات إيرانية، كما أرسلت طهران المئات من عناصر فيلق القدس وضباط البحرية والخبراء العسكريين في الحرس الثوري إلى إريتريا، وقامت بنصب العشرات من بطاريات الصواريخ المتوسطة وبعيدة المدى والصواريخ المضادة للطائرات والسفن في ميناء عصب.

وكل ذلك جرى بتعاون وثيق مع السلطات الإريترية وتحت غطاء اتفاقية تعاون رسمية عقدت بين الطرفين إثر محادثات رفيعة المستوى أجراها الرئيس الإريتري (أسياسي أفورقي) مع أحمدي نجاد أثناء زيارته لإيران في مايو 2008م وهي الزيارة التي أسفرت عن توقيع مذكرات تفاهم للتعاون الثنائي بين الجانبين في المجال الزراعي والاقتصادي والاستثمار المتبادل، وهو الأمر الذي فتح الطريق أمام إيران نحو إريتريا والقرن الإفريقي؛ لإنشاء قاعدة عسكرية بحرية إيرانية قبالة باب المندب و خليج عدن وستكون بذلك أحد أهم المواقع الاستراتيجية في منطقة جنوب شبه الجزيرة العربية، ويمكن أن تنطلق منها المطامع الفارسية شمالاً باتجاه الخليج.

ويرى الخبير المتخصص في الشئون الصهيونية (أحمد الغريب) في دراسة بعنوان: (النشاط العسكري الإيراني في القرن الإفريقي، وحقيقة المخاوف الإسرائيلية) نشرها موقع (الحملة العالمية لمقاومة العدوان) بأن التسلل الإيراني إلى القرن الإفريقي يعني في الوقت ذاته أن طهران تهدف إلى توسيع دائرة الحرب والتسلل مجددًا إلى هذه المنطقة التي تشهد حشودًا عسكرية مثيرة للشبهات تحت ذريعة محاربة القرصنة، مضيفًا بأن إيران تكون بذلك قد فرضت نفسها لاعبًا على مسرح الأحداث الدولية وبطريقة استباقية.

ويلفت الكاتب إلى أن الاختراق الإيراني الجديد لإريتريا قد تزامن مع تفعيل نشاطات الفرع الإفريقي لفيلق القدس في أكثر من دولة، حسبما تشير بعض التقارير التي ربط بعضها مؤخرًا بين القاعدة البحرية الإيرانية في ميناء عصب وبين خطة سرية أعدتها طهران لاختراق الجهة المقابلة؛ أي: اليمن، وتكشف هذه التقارير أن الأسابيع الأخيرة شهدت تحركات إيرانية في جنوب اليمن مشيرة إلى أن المخابرات الإيرانية التي كانت نشاطاتها في دعم جماعة « الحوثيين » في منطقة صعدة في الشمال مثيرة للجدل، باتت حاليًا موضع رصد ومراقبة بسبب ما يعدُّ محاولات اختراق بجنوب اليمن.

دعم إيران لانفصال الجنوب:

كل ما سبق ذكره كان مجرد إلقاء ضوء على موقع اليمن في الاستراتيجية الإيرانية والذي نستطيع من خلاله أن نستقرئ كيف تنظر القيادة السياسية في طهران إلى قضية انفصال الجنوب.

ورغم أن التحليل المبدئي يشير إلى أن طهران ستدعم بلا شك الحَرَاك الجنوبي؛ لما في ذلك من إضعاف اليمن وتشتيت جهوده واستنزاف جهده الأمني والاجتماعي، وهو ما سيعطي قوة لأتباعهم الحوثيين في التمدد والتقاط الأنفاس؛ بحيث يكون من السهولة إحكام سيطرة الحوثيين بعد ذلك على صعدة وأجزاء من عمران؛ لتكون منطلقًا عسكريًا للتخريب وإسقاط النظام المتشتت بين الجنوب وصعدة.

إضافة إلى أن يمنًا موحدًا سيُصعِّب عليهم عمليات الاختراق، وفي حال تمكَّن الجنوبيون من الانفصال، فإن الداعمين الأساسيين سيكون لهم حضور أكبر في الوطن الجديد، نظير ما قدموا من دعم للنشأة.

إلا أن طهران لم تُخْفِ سياستها هذه المرة؛ فقدمت دعمها للجنوب على الأقل إعلاميًا؛ فهذه قناة (العالم) الإخبارية الإيرانية تبنت خطاب قيادات ما يسمى بالحَرَاك في الجنوب دون سواها من وسائل الإعلام الناطقة بالعربية، وهو ما عدَّه مراقبون توجهًا إيرانيًا لدعم الحركات الجنوبية ضد الحكومة اليمنية.

وأرجعت القناة الإيرانية - في سياق تغطيتها للمهرجان الذي تعتزم قيادات جنوبية تنظيمه في محافظة أبين - هذه التظاهرات إلى كونها ردة فعل على ما أسمته (خطاب الرئيس اليمني الذي أعلن فيه الحرب الثانية على الجنوب).

وذهبت القناة إلى وجود فراغ دستوري في اليمن وانتهاء فترة البرلمان ومخالفته للدستور بالتمديد وهو ما يفصح عن توجه إيراني لتبنِّي خطاب إعلامي أكثر تطرفًا من قادة الحَرَاك الجنوبي الذين لم يطلقوا على خطاب الرئيس: خطاب إعلان الحرب.

:: البيان تنشر - مـلـف خـاص- (الـخـطـر الإيـرانـي يـتـمـدد)