بعد مرور 20 شهراً على سقوط نظام صدام لم يعد مصطلح « شيعة العراق » يقدم لنا دلالة واضحة على مجريات الأحداث، وبدلاً من ذلك يصبح استخدام تسميات أخرى مثل « تيار الصدر، المجلس الأعلى، حزب الدعوة، فيلق بدر.. إلخ » ذا دلالة أكثر دقة وموضوعية وإرباكاً في الوقت نفسه؛ لأنه في الشأن الشيعي هناك عدد هائل من التساؤلات التي يصح الإجابة عنها برأيين متعارضين، وتصريحات يصعب حصرها تحتمل كلا الوجهين، ومواقف متباينة يتخذها حزب أو تيار واحد في أوقات متقاربة. وفي الحقيقة فإنه يمكن تشريح المجتمع الشيعي باعتبارات متعددة: الانتماء التنظيمي، المرجعية، الولاء لأطراف خارجية، الموقف من: الاحتلال، الانتخابات، أهل السَّنة، ولاية الفقيه، وإقامة دولة دينية .. إلخ، ولا يكاد يوجد فصيلان يتخذان موقفاً موحداً من هذه القضايا الحيوية، وأي تحالفات داخلية بين الشيعة هي مؤقتة؛ لأن مفهوم الولاء والبراء ليس له مدلول واضح في الثقافة الشيعية؛ فهو قابل للتعديل أو التغيير أو الإلغاء.

وقد نشرت مجلة النيوزويك (16/12/2001م) تحقيقاً عن شيعة العراق قالت فيه: (قد يبدو شيعة العراق من الخارج مجموعة متجانسة ولكن عند النظر إليهم من الداخل يتبين أنهم يشكلون تركيبة معقدة وغاضبة من التنافس على المال والسلطة).

وهذا التنافر الشديد في البناء الشيعي الداخلي أنتج مظاهر وصوراً كثيرة من التناقضات والاضطرابات التي تزيد وترسخ من تبعية الكيانات الشيعية للأطراف الخارجية؛ بحيث يحق لنا أن نقول إن شيعة العراق « مجازاً » إنما ينفذون في الأساس أجندات تلك الأطراف، وحتى هدف إقامة دولة شيعية مستقلة الذي يعتبره أغلبية الشيعة مشروعهم القومي يكتنفه الغموض سواء ذلك في إمكانية تنفيذه أو القدرة على حمايته في حال تحققه، مع اعتبار أن العقبة الأولى في طريق نجاح هذا المشروع هم الشيعة أنفسهم قبل غيرهم.

ونسعى في هذا المقال إلى تقديم رؤية تحليلية للعلاقات المتبادلة بين الشيعة في العراق والطرفين الخارجيين الأبرز وهما: إيران و أمريكا، مع التقديم لذلك بإلقاء الضوء على التناقضات التي يعاني منها الشيعة والتي لها تأثير كبير على قدرتهم على تحقيق مشروعهم القومي.

* الفسيفساء الشيعية في العراق:

حتى تتكون لدينا صورة واضحة عن الأداء المركب للتيارات الشيعية العراقية سوف نستخدم منهجاً تحليلياً مزدوجاً يبدأ بتشريح التيارات الشيعية أفقياً لبيان حجم التنافر والتناقض فيما بينها، ثم نُثنِّي بتحليل رأسي لإظهار التناقض داخل التيار الواحد أو في مواقف إحدى القيادات.

ينقسم الشيعة بداية باعتبار مرجعيتهم المكانية والبشرية؛ فمدينة قم يمثلها كمرجعية المجلس الأعلى للثورة، بينما يرتكز حزب الدعوة على الحوزة العلمية في كربلاء، و منظمة العمل الإسلامي تعتمد مرجعية النجف وبالأخص محمد صادق الشيرازي، وبين المدن الثلاث تنافس كبير في جذب الشيعة، وذلك بالإضافة إلى تعدد المرجعيات العلمية التي يختص كل منها بأتباع ومقلدين، وفي دلالة على هذا الزحام المرجعي فإن بوابة المرقد المزعوم للحسن بن علي - رضي الله عنهما - في كربلاء مغطاة تقريباً بملصقات دعائية كثيرة لرجال دين متنافسين يقيم بعضهم في العراق وآخرون في إيران.

ومن التقسيمات التي أحدثت شرخاً في البناء الشيعي: التفرقة بين شيعة الداخل والخارج؛ فالفريق الأول يعتبر نفسه تحمل المشاق وعانى الكثير من نظام صدام وفي مقدمة هؤلاء بالطبع تيار الصدر، في حين أن التيارات الخارجية مارست نشاطها في ظروف إيجابية وتلقت الدعم من قوى عظمى مثل الولايات المتحدة، وعلى سبيل المثال فإن عبد العزيز الحكيم زعيم المجلس الأعلى للثورة الإسلامية عاش في الكويت 23 عاماً قبل أن يعود إلى العراق على ظهر دبابة أمريكية، ولذلك يقول كاظم العبادي الناصري أحد مساعدي الصدر: « أي شخص تدعمه أمريكا يستحق لعنتنا.. أولئك الذين يدعون أنهم شخصيات معارضة كانوا خونة غادروا العراق وتركونا نعاني هنا ». وينبغي هنا إثبات خطأ الادعاء بأن كل الشيعة كانوا يعانون من نظام صدام؛ فقد كان 58% من كوادر حزب البعث في محافظات الجنوب ونسبة كبيرة من شاغلي المناصب الحكومية من الشيعة (الحياة 6/12/2004م).

وبالنظر إلى قضايا الشورى والولاية وغيرها فإن هناك خلافات واضحة بين المجلس الأعلى ومنظمة العمل الإسلامي من ناحية، وبين المجلس وحزب الدعوة من ناحية أخرى، وأصل الخلاف يرجع إلى تأثر المجلس بالرؤية الإيرانية للدولة الإسلامية الشيعية، كما أن منظمة العمل تأسست أصلاً نتيجة الخلاف مع حزب الدعوة حول تلك القضايا، أما تيار الصدر فبعد أن كان ينادي بتعريب أو « تعريق » المرجعيات الدينية تغير موقفه من إيران، وصار مقتدى الصدر ينظر إلى نظام طهران باعتباره نموذجا يُحتذى به في تطبيق مفهوم ولاية الفقيه، ويقول مقتدى:

« أريد أن يحكم العراق رجل دين شيعي سواء كان عراقياً أو إيرانياً، وأفضّل أن يحكمه شخص مثل الخميني من أي عراقي علماني ». ويلاحظ طبعاً استبعاده لأن يحكم العراق رجل من السنَّة.

وفي المقابل فإن السيستاني يرفض مبدأ ولاية الفقيه، وأصدر فتوى بعد الاحتلال مباشرة ينادي فيها بابتعاد رجال الدين عن الشؤون الإدارية والتنفيذية والسياسية، كما يؤكد على أن الفتاوى الصادرة عن رجال دين أحياء هي فقط التي ينبغي أن تتبع، وهو يلمح بذلك إلى اعتماد مقتدى الصدر على والده في فتاواه القديمة، وبين الطرفين يقف المجلس الأعلى؛ حيث كان محمد باقر الحكيم الذي اغتيل قبل عام تقريباً يرى اتباع مبدأ ولاية الفقيه، ولكن وفق رؤية عراقية ترسخ دولة المجتمع المدني.

وبالطبع هناك التوجهات الشيعية العلمانية وأبرزها حزب الوفاق وزعيمه إياد علاوي، و المؤتمر الوطني بزعامة أحمد الجلبي، وهؤلاء يتبنون دولة علمانية، ولكن يعترفون بقدر من السيطرة للمرجعيات الشيعية.

وعادة ما تبدي الفصائل الشيعية اتفاقاً نسبياً فيما بينها تجاه قضية محورية كما يحدث حالياً؛ حيث يشارك أغلب الشيعة ضمن قائمة السيستاني، ولكن بمجرد انتهاء الانتخابات سيتلاشى هذا الاتفاق المصلحي تماماً؛ والشاهد على ذلك أنه قبل الاحتلال الأمريكي للعراق كان هدف إسقاط صدام هو تقريباً الشيء الوحيد الذي يجمع هذه الفصائل الشيعية، وبعد الاحتلال مباشرة لم يعد ذلك الشيء الذي يوحدهم موجوداً، ومن ثم اشتعلت حرب تنافسية شديدة بين هذه الفصائل؛ فقد تدافعت عناصر فيلق بدر التابع للمجلس الأعلى من إيران، ودخلوا إلى العديد من المدن الجنوبية، وشكلوا لجاناً ثورية بالاستعانة بالخبرة الإيرانية عند بداية ثورة الخميني، واحتلوا مباني وإدارات حكومية، وقاموا بإبعاد السنة من الوظائف، ودفعوا رواتب للطلبة والعلماء والشباب لكي ينظموا تظاهرات تعلن تأييدها للحكيم. وفي نفس الوقت سارع تيار الصدر إلى منافستهم بتأسيس العديد من المراكز والفروع التابعة له، وأغدق الأموال على الموظفين الحكوميين، ونشر ميلشيا مسلحة في بعض المناطق بحجة حفظ الأمن، وظل الصراع بين الطرفين قائماً إلى الوقت الحالي، وقد وجه تيار الصدر اتهامات صريحة إلى فيلق بدر بتقديمه دعماً مباشراً لقوات الاحتلال في صراعها مع جيش المهدي التابع له، كما أعلن علي سميسم المتحدث باسم مقتدى الصدر أن هناك أطرافاً شيعية تحيك مؤامرة ضد تيار الصدر وسمى منها صراحة المجلس الأعلى وحزب الدعوة، ولكنه لم يحدد طبيعة المؤامرة.

والطريف هنا أن حزب الدعوة أسسه المرجع الشيعي محمد صادق الصدر أحد عمومة مقتدى، ولكن حدثت انشقاقات في الحزب بعد اغتيال مؤسسه أخرجته عن سيطرة عائلة الصدر.

وعلى صعيد التحالفات المتناقضة، على سبيل المثال؛ فإن المجلس الأعلى بزعامة الحكيم تأسس في إيران وتلقى دعمه الرئيس من نظامها، وفي الوقت نفسه ظل يحتفظ بعلاقات قوية مع الأمريكيين؛ بل إن عبد العزيز الحكيم زعيم المجلس كان يتولى لسنوات طويلة من الكويت مهمة التنسيق مع الجانب الأمريكي في جهود إسقاط نظام صدام، ولكن عندما تحقق لهم ما يريدون بغزو العراق أعلن باقر الحكيم مؤسس المجلس إدانته للهجوم الأمريكي، وحذر الأمريكيين من المقاومة المسلحة إذا بقوا في العراق بعد صدام، وبالنسبة للسيستاني فقد امتُدح من قِبَل المسؤولين الأمريكيين لأنه اتخذ موقف الحياد الإيجابي من الاحتلال؛ وذلك بينما كان في سبتمبر / أيلول عام 2002م قد أصدر فتوى يقول فيها إن من يساعد الأمريكان سيحيق به العار في الدنيا، ويلقى العقاب في الآخرة.

هذا قبس من التناقضات التي يعاني منها الشيعة في علاقاتهم الحزبية بصورة عامة، ولو ألقينا نظرة رأسية على نماذج من التيارات والقيادات الشيعية فسنجد التناقضات نفسها مترسخة داخل التيار الواحد وفي مواقف الزعامة الواحدة، ونأخذ مثالين: تيار الصدر، و تيار السيستاني.

نبدأ بتيار الصدر الذي سبق بيان تراجعه ولو ظاهرياً عن مطلب « المرجعية العراقية » لصالح إيران، وانتفاضاته التي ينفذها أتباعه تنتهي في الغالب بتحقيق رغبات لم تنشأ الحاجة إليها إلا بتأثير الانتفاضة، لتنتهي المواجهات دون أن يعلم أحد لماذا بدأت أو لماذا انتهت؟ وأسرف مقتدى في إطلاق التصريحات الرنانة التي يتراجع عنها بعد ذلك؛ فعندما كان متحصناً في النجف مع أتباعه صرَّح للصحفيين:

« لن أخرج منها، وبقائي هنا مدافعاً عن المدينة؛ لأنها أشرف المدن، وسأبقى فيها حتى آخر قطرة دم ». وقال موجهاً الخطاب لجيش المهدي: « من يريد أن يبقى فأهلاً وسهلاً به، والذي يريد الذهاب فأهلاً وسهلاً به أيضاً ». لكن لم يلبث مقتدى الصدر بعد أيام قليلة أن خرج من النجف، وقال مخاطباً أتباعه: « إلى كل فرد من أفراد جيش المهدي الذين ضحوا بالغالي والنفيس » فدعاهم أن يوقفوا القتال وأن: « يرجعوا إلى محافظاتهم للقيام بواجباتهم وما يرضي الله ورسوله وأهل البيت ».

وبالنسبة للانتخابات؛ فقد أعلن الصدر صراحة أنه لن يشارك فيها، وسوَّغ ذلك بقوله: « عندما أقول إني في خدمتك يا أمريكا وأنا تحت إمرتك وأدخل الانتخابات؛ ففي ذلك الوقت سيتوقفون عن الهجوم، لكن أنا أعلنت أني عدو لأمريكا، وأمريكا عدوة لي إلى يوم الدين ». ولكنه اتفق بعد ذلك مع الأمريكيين على أن يتحول إلى المشاركة السياسية مقابل توقف الهجوم، وصرح قيس الخزعلي أحد مساعديه: « التيار الصدري يواصل تشكيل تنظيم سياسي جديد يكون ضمن التشكيل الجديد للعراق الجديد » وتلقى الصدر مديحاً من الرئيس الأمريكي جورج بوش وتأييداً ضمنياً: « الولايات المتحدة لم تعد تستبعد أن يلعب مقتدى الصدر دوراً في الحياة السياسية العراقية ». ثم تراجع الصدر مرة أخرى، وأعلن أنه لن يشارك في الانتخابات؛ لأن قوات الاحتلال تواصل اعتقال أنصاره، لكن رغم هذا الإعلان فقد صرح مكتب المرجع السيستاني بأن 20 شخصاً من تيار الصدر تم إدراجهم كمستقلين في قائمة الائتلاف الموحد الشيعية، وقال سعد جواد رئيس المكتب السياسي للمجلس الأعلى إن هناك أربع شخصيات بارزة لها علاقة بالصدر قُدمت أسماؤها للترشح بصورة مستقلة، وفي نفس الوقت قال حيدر الموسوي الناطق باسم المؤتمر الوطني بزعامة أحمد الجلبي إن لائحة حزبه تحظى بدعم الكثيرين من أنصار الصدر (إسلام أون لاين 16/12/2004م).

ويعاني التيار من وجود خلافات بين صفوفه من أبرزها الخلاف بين حازم الأعرجي في الكاظمية، و أسعد الناصري في البصرة. كما تسبب الاتفاق الأخير بين التيار والاحتلال في حدوث اضطرابات داخلية، وكان المسؤول العسكري الأمريكي في مدينة الصدر صرح بقوله: « نعرف حوالي أربعة من المسؤولين المهمين بينهم عبد الوهاب الدراجي الذي يظهر لا مبالاة واضحة حيال نزع الأسلحة، وقيس الخزعلي، والآخران لن أذكر اسميهما؛ لأنهما قد يبدلان مواقفهما ».

وقال: « نعرف أن عناصر من الميلشيا لن تلتزم بتعليمات القيادة ولن تتجاوب مع تعليمات مقتدى الصدر ».

أما المرجع علي السيستاني، فقد سبق الإشارة إلى فتاواه المتناقضة من الاحتلال، ورغم أنه يرفض مبدأ ولاية الفقيه، فإن دوره السياسي في العراق يعتبر ترجمة واقعية لهذا المبدأ، والعجيب أن بعض أنصاره يدافعون عن رفضه إصدار فتوى تؤيد المقاومة بأن المرجع « لا يمارس دوراً ولائياً، وإنما يمارس دوراً فقهياً في حدود الأمور الحسبية » [1]، ولكنهم في الوقت نفسه يثبتون له الحق في مطالبة الاحتلال بإقامة الانتخابات وعقد مباحثات مع أعضاء مجلس الحكم الانتقالي وسلطات الاحتلال حول تشكيل الحكومة الانتقالية ومجلس الحكم والانتخابات، ومقابلة مندوب الأمم المتحدة الأخضر الإبراهيمي وتحديد الموقف الشيعي من الدستور المؤقت والإشراف على إعداد قائمة الائتلاف الموحد الشيعية.. إلخ.

ورغم أن السيستاني أشرف على إعداد القائمة الشيعية الموحدة التي تحمل توقيعه ضمنياً فإن مكتبه في حوار مع صحيفة الرأي العام الكويتية [2] أكد: « يبارك السيد السيستاني القائمة الوطنية الموحدة التي ضمت غالبية الأحزاب الشيعية، لكنه في الوقت نفسه يدعم كل القوائم الوطنية » ما الفرق بين من يبارك أو يدعم؟ وكيف يؤيد السيستاني قائمتين متنافستين في وقت واحد؟ لا أحد يعرف.

وفي نهاية عام 2003م عندما شعر السيستاني أن مطالبه بخصوص الانتخابات لن تنفذ حرك الشارع الشيعي للقيام بمظاهرات حاشدة « كانت تظاهرتا البصرة وبغداد والتظاهرات المنتظرة لاحقاً لتظهر أن السيستاني لا يمزح، وأنه بمثل حالة مرجعية عامة لا اختلاف عليها » [3]. ولكن عندما دكت القوات الأمريكية المراقد التي يقدسها الشيعة في النجف لم يحرك السيستاني ساكناً، ولم يصدر فتوى، ولم يحرك الشارع السياسي؛ فهل كانت الانتخابات أكثر قداسة عنده من مراقد النجف؟

* تقاطع المصالح بين شيعة العراق وإيران:

يصعب على المراقب المباشر لهذه الفسيفساء الشيعية في العراق أن يعثر على خطوط منطقية لتفسير هذا الأداء المعقد، ولكن عند إضافة البعد الإيراني للمشهد العراقي تتكون على الفور ملامح قابلة للفهم؛ فالعراق بالنسبة لإيران يمثل امتداداً سياسياً وجغرافيا ومذهبياً، ولا يعترف الملالي في طهران بإمكانية وجود دولة عراقية مستقلة بجوارهم، ولذلك تنبني استراتيجيتهم بعيدة الأمد على كون العراق الجنوب على الأقل مقاطعة إيرانية شيعية طال الزمن أم قصر، ويتعاملون مع شيعة العراق باعتبارهم ميداناً للسيطرة وممارسة النفوذ ومدخلاً للاستحواذ على الجنوب.

وفكرة الهلال الشيعي التي اتهم قادة ومسؤولون عرب إيران بالتخطيط لها لا تنطوي على أي مبالغة؛ فهذا هو التصور الإيراني للمنطقة بغض النظر عن تواضع إمكانياتهم الحالية عن السعي لتحقيقه.

والمصالح الشيعية العراقية تختلف مع المصالح الإيرانية في المشروع السياسي غير المعلن لكل طرف، وهو إقامة دولة مستقلة وقوية للشيعة في الجنوب بالنسبة للعراقيين، وإقامة مقاطعة شيعية تابعة لإيران أو دولة ضعيفة تستمد قوتها من طهران، بالنسبة للإيرانيين. وهناك بعض القضايا الأخرى التي يختلف فيها شيعة العراق وإيران، مثل: التنافس بين مرجعية النجف وقم، ومسألة ولاية الفقيه، والعلاقة مع الاحتلال، ولكن تبقى مع ذلك نقاط كثيرة تتقاطع فيها المصالح بين الطرفين، على الأقل في الوقت الحالي، ومن أبرزها: تحويل الجنوب إلى مقاطعة شيعية خالصة - الموقف من العرب السنة - الانتخابات..

أولاً: تحويل الجنوب إلى مقاطعة شيعية خالصة:

نشرت صحيفة الحياة (6/12/2004م) تحقيقاً بالغ الأهمية عن جهود تشييع الجنوب ذكرت فيه أن هناك « حملة للتطهير الطائفي أدواتها الاغتيالات والخطف ومصادرة المساجد والأوقاف السنية وإدارة مؤسسات الدولة وعلى رأسها الأجهزة الأمنية على أساس مذهبي وحزبي ». واللافت هنا أن الأطراف الثلاثة: شيعة العراق، وإيران، والاحتلال تواطؤوا على ضرب السنة في تلك المنطقة؛ فهناك اعتداءات متتالية ينفذها عناصر فيلق بدر ضد السنة في مناطق متعددة منها مدينة اللطيفية جنوب العراق، وذكر شهود عيان أن عناصر الفيلق كانوا يطلقون أسلحتهم على الأهالي بينما تحلق الطائرات الأمريكية كغطاء جوي لهم، ويذكر آخرون أنه وجد في كل محافظة جنوبية ضباط مخابرات إيرانيون، وأنهم يتولون التحقيق مع الدعاة الذين يُعتقلون من أبناء السنة، ولا يخفى تدفق أعداد هائلة من الشيعة عبر الحدود المفتوحة مع إيران لتغيير التركيبة السكانية، وذلك بالحصول على هويات مزورة وجنسيات عراقية بدعوى أنهم من العراقيين الذين نفاهم صدام إلى إيران، وحقيقة الأمر أن أغلب هؤلاء ينتمون إلى إيران ولكنهم يقومون بدورهم في تغيير نسبة السكان، ومن ثم يمكنهم الرجوع إلى بلدهم بعد انتهاء الانتخابات، وقد اتهم زعيم عربي إيران بتسليم مليون إيراني بطاقات انتخابية مزورة للتلاعب بنتيجة الانتخابات. ومن ناحية أخرى فإن التعداد السكاني الذي كان من المقرر تنفيذه في أكتوبر الماضي تم تأجيله لأسباب غير مفهومة، واعتُمِد في تسجيل الناخبين على البطاقة التموينية التي يسهل تزويرها. وفي المقابل تعرض السنة في العديد من المناطق لمداهمات يومية من قِبَل الحرس الوطني العراقي واجهة فيلق بدر كانت تقترن بالاستيلاء على الأوراق الثبوتية لمنعهم من الإدلاء بأصواتهم، والأنكى من ذلك أن حماية الناخبين موكولة في الأساس إلى هذا الحرس المشبوه، وقد أعلن عبد العزيز الحكيم زعيم المجلس الأعلى استعداده لتوفير مائة ألف عنصر من فيلق بدر لكي يساعدوا الحكومة العراقية في تأمين المراكز الانتخابية.

وقد بدأ منذ فترة التلويح بالاستقلال الذاتي للجنوب عن طريق عدد من المحاولات، منها الإعلان عن إقامة إقليم جنوب العراق في محافظات (البصرة و ميسان و ذي قار) من خلال مؤتمر عقد في البصرة 26/12/2004م وشارك فيه شخصيات شيعية مستقلة وقيادات سياسية ومسؤولون حكوميون ورؤساء عشائر، وادعى الإعلان أن إقامة الإقليم تستند إلى الفقرة ج من المادة 53 من قانون إدارة الدولة الذي أصدره الاحتلال الأمريكي، وكانت 600 شخصية شيعية بارزة يمثلون محافظات الفرات الأوسط (النجف، كربلاء، بابل، القادسية، المثنى) قد عقدت قبل أسابيع اجتماعاً بحثت فيه تشكيل مجلس موحد تمهيداً لإقامة حكم ذاتي في إطار عراق فيدرالي (موقع البينة) ومن أخطر ما جاء في البيان الصادر عن الاجتماع تأكيده لضرورة إيجاد « آفاق للتعاون الإقليمي » مع الدول المجاورة لهذه المحافظات والمقصود من ذلك بالطبع: إيران. ولا ينكر السيستاني تأييده لهذه الجهود؛ فقد صرح مكتبه لصحيفة الرأي العام أن الفيدرالية تحتاج إلى سنوات من الديمقراطية لكي تكون حالة إيجابية في العراق. ويلخص سياسي شيعي عراقي رؤية طائفته بالقول: « إن كان أهل المثلث السني يرغبون في تكرار تجربة طالبان أخرى فحظاً سعيداً » (الشرق الأوسط 161/12/2004م).

ثانياً: الموقف من العرب السنة:

أقرب عدو لشيعة إيران هم السنة العراقيون العرب؛ فالصراع بين الطرفين تاريخي، ولن تأمن إيران لحدودها الغربية إلا بضمان السيطرة عليهم، وشيعة العراق لن يستقر لهم الجنوب إلا بدحر السنة في العراق الأوسط، وتمارس إيران سياسة متعددة الأبعاد لتحقيق مخططاتها ضد سنة العراق؛ فمن الناحية الاستخباراتية والعسكرية، يقوم فيلق بدر التابع للمجلس الأعلى بدور المنفذ لخطة اغتيال واسعة النطاق ضد الرموز الدينية السنية والدعاة المؤثرين والعلماء البارزين لإضعاف قدرة السنة على تولي زمام أمورهم والمطالبة بحقوقهم، ويقوم عناصر المخابرات الإيرانية بدور كبير في هذا الشأن. ومن الناحية السياسية فإن أهم الكوادر السنية الصالحة لتولي المناصب المهمة كانوا في الأساس ينتمون قسراً إلى حزب البعث، ولذلك تم استخدام تهمة الانتماء البعثي لإبعاد هذه الكفاءات عن تسلم أي مناصب مهمة. وعلى صعيد العلاقات بين التيارات الشيعية والسنة فإن تيار الصدر يقوم بدور المهدئ بين الطرفين؛ إذ يؤكد مراراً على الانتماء الوطني والروابط بين السنة والشيعة، وعندما تعرضت مساجد سنية لهجمات تحمل بصمات فيلق بدر، قال: « إني أبدي استعدادي لحماية إخواني أهل السنة وجوامعهم، وكذلك إخواني الشيعة ومقدساتنا، ولا فرق بين الأخوين إطلاقاً إلا بتقوى الله ».

ولكن يبدو أن الصدر لا يجد شخصاً تقياً من أهل السنة يمكن أن يتولى رئاسة العراق، حسبما ذكر في تصريحه السابق أعلاه، وقد نشرت صحيفة « إشراقات الصدر » التي تصدر عن التيار مقالاً هاجمت فيه اختيار غازي الياور رئيساً للعراق رغم أن المنصب شرفي إلى حد كبير، فقالت: « هل من المعقول أن يرضى شعب ضُرب وتحمل الكثير من نظام صدام حسين، وعانى من ذل المحتل لأكثر من عام أن يحكمه رئيس سني ورئيس وزراء أكثر خبثاً من اليهودي؟ ».

وذلك رغم أن الياور أثنى عليه بقوة بعد اتفاقه الأخير مع القوات الأمريكية واعتبرها خطوة ذكية، ودافع عنه ضد اتهامه بالتحريض لقتل عبد المجيد الخوئي في إبريل / نيسان 2003م، وقال: « الزعيم الشيعي بريء حتى تثبت إدانته ».

وقد أشار قائد القوات البريطانية في البصرة إلى حقيقة الموقف الشيعي من السنة في الجنوب فقال لوفد من وجهاء العشائر السنية (لو أخذت بالتقارير التي أرسلت لي ما تركت شيئاً يمشي على الأرض في البصرة). (مفكرة الإسلام، 23/12/ 2003م).

ثالثاً: الانتخابات:

لفهم أهمية الانتخابات بالنسبة للشيعة في إيران والعراق ينبغي النظر إليها على أنها بمثابة التوقيع الرسمي بالموافقة على كل المكتسبات التي حصل عليها الشيعة؛ فأغلب الإنجازات التي تحققت للطائفة تظل تحمل عبارة « تحت الإنشاء » حتى تقام الانتخابات ويعلن فوزهم الساحق بها، والظرف الحالي يعد بمثابة فرصة سانحة قد لا تتكرر؛ فالعرب السنة يرفضون المشاركة، والأسماء السُُّية التي ستحشرها أمريكا في الانتخابات لا قيمة لها، والتعداد السكاني تم تأجيله ليترسخ ادعاء الأغلبية الشيعية استناداً إلى البطاقات التموينية، وربما لو تأجلت الانتخابات فقد تتغير الظروف ويُعاد ترتيب القوى العراقية، خاصة لو أسفر تعداد سكاني عن نتائج غير مرغوبة. أما لو سيطر الشيعة من خلال الانتخابات القادمة فسيملكون زمام الأمور، وسيمكنهم فرض أجندتهم الخاصة على الجميع.

كما أن القائمة الذهبية التي يتوقع فوزها نجحت إيران في فرض بصماتها عليها إلى أقصى درجة؛ فقد تحالف المجلس الأعلى ذو الشعبية الأكبر بين الشيعة مع السيستاني لتشكيلها لتضم أغلب الأحزاب الشيعية الموالية لطهران، وعلى رأس القائمة عبد العزيز الحكيم الذي سيُرشح لتولي منصب رئاسة الوزراء، وهو شخصية تم اختيارها بعناية؛ فهو أولاً تابع أمين لنظام الملالي، وثانياً أنه يرضى عنه السيستاني الذي اتفق مع الحكيم على اقتسام المرجعية الدينية والسياسية للشيعة، وهو الاتفاق الذي كان باقر الحكيم يُحضِّر له قبل اغتياله، وثالثاً أن عبد العزيز الحكيم يمثل الحد الأقصى الذي يمكن أن يقبل به الأمريكيون؛ لأنه رغم تبعيته الإيرانية فهو يحتفظ بعلاقات وثيقة مع الاحتلال، ويدعمه عسكرياً من خلال فيلق بدر، وقد أعلن الحكيم مؤخراً حياده فيما يتعلق بالصراع بين الإدارة الأمريكية ونظام طهران.

وقد عبر المرشد الإيراني علي خامنئي عن التطلع الإيراني لإقامة الانتخابات بتوجيهه اتهاماً صريحاً للأمريكيين بتعمد إفسادها فقال: « بعد سنوات عدة يتوجه العراقيون إلى صناديق الاقتراع للتعبير عن خيارهم رغم إرادة المتعسفين لكن قوات الاحتلال لا تريد ذلك، إنها ترغب في انتخابات وهمية وتعمل على انتخاب أعوانها، أولئك الذين يأتمرون بأمر الأمريكيين و البريطانيين » ويقصد بالطيع قائمة إياد علاوي رئيس الوزراء، وقد رد وزير الدفاع العراقي الشيعي حازم شعلان المعروف بتهوره والحليف المخلص لعلاوي بإطلاق تصريحات حادة كشف فيها السياسة الإيرانية في العراق، فقال: « إن مفتاح الإرهاب هو في إيران » وقال: « أريد أن أحذر: إن إيران أخطر عدو للعراق وكل العرب.. لن ندع الدولة الصفوية تعود إلى العراق مرة أخرى » (الرأي العام 20/12/2004م) يقصد بذلك قائمة السيستاني الموحدة التي وصفها الشعلان بأنها قائمة المتعاونين مع إيران، وأضاف وزير الدفاع: « إن العراقيين لن يسمحوا بتولي الشهرستاني عالم فيزيائي شهير موالٍ للسيستاني رئاسة الحكومة العراقية »( الشعب 24/12/ 2004م).

* شيعة العراق والولايات المتحدة:

وجدت الإدارة الأمريكية نفسها بعد 20 شهراً من غزو العراق واقعة في دوامة شيعية يصعب عليها التخلص منها؛ فهي من ناحية تخطط لتأسيس نظام علماني في العراق يسيطر عليه الشيعة، وهذا النظام الشيعي العلماني سيكون بدوره عاملاً رئيساً في زعزعة استقرار نظام الملالي الشيعي الديني، ولكن واشنطن اكتشفت في نهاية الأمر أن دعمها للشيعة يصب في مجمله لصالح نظام طهران، ولكنها مع ذلك لا تستطيع التوقف عن دعم الشيعة في هذه المرحلة الحرجة؛ لأنهم الحليف الرئيس لها في مواجهة العرب السنَّة؛ كما أن فيلق بدر يشكل قوة أساسية في تكوين الحرس الوطني العراقي الذي شارك في قتال المسلمين في الفلوجة، والفيلق يتبع المجلس الأعلى الذي أسسته إيران في المنفى لجمع شتات الرموز الشيعية وسلمت قيادته لعائلة الحكيم. واللافت أن إيران نجحت أيضاً في اختراق أصحاب التوجهات العلمانية الشيعة؛ فأحمد الجلبي الذي كان فرس رهان الإدارة الأمريكية تبين أنه عميل مزدوج قدم خدمات جليلة لنظام طهران، ورغم انقلاب إدارة بوش عليه فإنه ظل متماسكاً، وعاد ليحشر نفسه في زمرة السيستاني الذي ضمه إلى القائمة الشيعية الموحدة التي تضم 228 مرشحاً ليكون من أبرز عشرة مرشحين فيها، وبذلك يصبح لدى القائمة الموحدة ثلاثة أسماء صالحة لتولي رئاسة الحكومة: الحكيم، الشهرستاني، الجلبي، وربما يرفع من أسهم الجلبي أن أعداءه في الإدارة الأمريكية قد تم إبعادهم وفي مقدمتهم جورج تينت مدير السي آي إيه، وبقي حلفاؤه - المحافظون الجدد - في مناصبهم وأبرزهم بول وولفويتز، وهناك احتمال أن تتولى دانيال بلتيكا نائبة رئيس المركز الأمريكي للأعمال وأكبر مناصري الجلبي، منصب مساعدة وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط خلفاً لوليام بيرنز، ولكن وزيرة الخارجية الجديدة كوندوليزا رايس تعارض تعيينها (القدس، 16/12/ 2004م).

ومن الأحداث التي تقدم تفسيراً للكيفية التي يحاول بها الأمريكيون إدارة الفسيفساء الشيعية موقفهم من تيار الصدر في المواجهة الأخيرة؛ فقد وضعت أمام قوات الاحتلال خطوطاً حمراء لا يمكن تجاوزها تحت أي ظرف، في مقدمتها اغتيال مقتدى الصدر وتصفية جيش المهدي، وكان المطلوب فقط معاقبة التيار وممارسة ضغوط تدفعه للتحول إلى المشاركة السياسية، وكان ذلك واضحاً، فلم يكن الصدر متخفياً في جميع الأوقات أو ممتنعاً عن استخدام الهواتف المحمولة ومن ثم لم يكن رصد مكانه عملاً صعباً، ورغم تصريح أكثر من مسؤول أمريكي أن الصدر مطلوب اعتقاله أو قتله لم يُصَب الزعيم الشيعي بخدش واحد، فقط ظهر في إحدى المرات أمام الفضائيات برباط صغير من الشاش حول معصمه ربما لذر الرماد، وقد فسر كثير من المراقبين الأسلوب الأمريكي بأن الاحتلال لا يريد أن يفقد تيار الصدر كعنصر مهم في موازنة القوى الشيعية الأخرى التي يناصبها العداء مثل المجلس الأعلى وحزب الدعوة، وقد أثبتت المواجهات الأخيرة أن قدرة الأمريكيين على التحكم في القوى الشيعية تزداد عندما تتصاعد حدة الصراعات، وقد بلغ تحكم الإدارة الأمريكية في السيستاني ذروته في تلك الفترة؛ خاصة عندما قصفت المراقد في النجف بينما كان السيستاني يتلقى العلاج في عاصمة الحليف الأول لأمريكا: لندن، وقد بلغ الأمر حد وصف الصحفي الأمريكي فريد زكريا رئيس طبعة النيوزويك الدولية السيستاني بأنه: « حليف كبير محتمل للولايات المتحدة » (نيوزويك، 20/4/2004م)، كما وصفه بالذكاء لأنه يتجنب التحالف العلني مع قوات الاحتلال أو مقابلة المسؤولية الأمريكية. (نيوزويك، 2/3/ 2004م).

وعلى الجانب الشيعي فقد تحالف شيعة العراق مع الاحتلال الأمريكي من أجل تحقيق أربعة أهداف: إسقاط صدام حسين، تثبيت أكذوبة الأغلبية الشيعية، إقامة انتخابات يفوز بها الشيعة، تأسيس دولة شيعية في الجنوب، وقد حقق لهم الأمريكيون الهدفين الأولين والثالث في الطريق ويبقى الرابع قيد البحث.

وبالنسبة للانتخابات فإن الشيعة في العراق يهدفون إلى تقوية البناء السياسي للدولة العراقية، وتحقيق قدر من الاستقرار من أجل إعادة تفكيك الدولة من جديد بعد أن يكونوا قد امتلكوا زمامها بحكم الأغلبية المصطنعة، وهم يدركون جيداً أن تنفيذ هدف الدولة المستقلة لن يمكن من خلال وضعية الفوضى والعشوائية السياسية السائدة حالياً، وبذلك نفهم سر دعوة السيستاني الدائمة إلى تبني المقاومة السلمية؛ فهو يعلم تماماً أن المقاومة المسلحة لن تفيد في تحقيق الدولة الشيعية، ويأمل الشيعة في حصاد ما لا يقل عن 175 مقعداً من مقاعد المجلس الوطني البالغة 275، أي نحو الثلثين، بينما يتطلع الأكراد إلى ربع المقاعد ويتبقى في النهاية للعرب السنة ما بين 15 - 20% فقط سيشغلها غالباً المتواطئون مع الاحتلال الأمريكي.

خلاصة الشأن الشيعي العراقي أن إيران وأمريكا يتبادلان تحريك تياراته حسب رؤية كل منهما لمصالحه، وفي الفترة الحالية كان تقاطع المصالح بين الشيعة وكلا الدولتين متحققاً بوضوح، ولكن كلما اقترب الشيعة من تحقيق مشروعهم السياسي في الجنوب فإن افتراق المصالح يبدو قريباً، وفي حال بقي نظام طهران قوياً فإنه لن يسمح أبداً بدولة شيعية مستقلة عنه، وفي حال نجح الأمريكان في إسقاط نظام الملالي وإقامة نظام علماني فستفقد أحزاب الشيعة ذات الأجندة الدينية مصدر دعمها الرئيس، وتتحول الدفة إلى الأحزاب العلمانية التي توالي الإدارة الأمريكية، ولا يُتوقع أن تقوم إدارة أمريكية مهما كان توجهها بتكرار التجربة الإيرانية الخمينية مرة أخرى، وهذا يعني أن خيار الدولة المستقلة مجرد سراب يُقاد إليه الشيعة - الفسيفساء.

:: البيان تنشر - مـلـف خـاص- (الـخـطـر الإيـرانـي يـتـمـدد)


 (1) انظر مقال الكاتب اللبناني الشيعي هاني فحص، الحياة، 23/1/2004م.

(2) الرأي العام، 21/12/2004م.

(3) انظر مقال الكاتب اللبناني الشيعي هاني فحص، الحياة، 23/1/2004م.