يمر لبنان حالياً بالأزمة الثالثة منذ استقلاله؛ فالأولى في أواخر الخمسينيات الميلادية نتيجةً لتنامي المدِّ القومي الناصري وتعرُّض سلطة النصارى المطلقة للتهديد، وانتهت بدعوة الرئيس اللبناني كميل شمعون للأسطول الأمريكي السادس المرابط في البحر الأبيض المتوسط للتدخل. وتكررت الأحداث بعد عقد من الزمن بتأثير الوجود العسكري والتنظيمي للفلسطينيين بعد أحداث الأردن، وقام حزب الكتائب الماروني بإشعال الصراع مع السنة و الفلسطينيين، وتكتَّل النصارى تحت ما يسمى بالقوات اللبنانية، وتكتلت القوى الفلسطينية والسنية وانضمَّ إليهم الدروز لعداوتهم التقليدية للنصارى في الجبل. ومع تقهقر النصارى استنجد الرئيس سليمان فرنجية بسورية التي دخلت لبنان بعد التنسيق مع أمريكا والدولة الصهيونية.

ويلاحظ أنه إذا كان هدف النصارى الحفاظ على تفرُّدهم بالسلطة؛ فإن هدف الدولة الصهيونية مع أمريكا هو تصفية الوجود الفلسطيني سياسياً وعسكرياً، أما سورية فإن هدفها إعادة لبنان إلى أحضان سورية الكبرى.

ونلاحظ هنا أن مَنْ قبلوا الطلب الماروني دخلوا لتحقيق أهدافهم التي لم يكن من بينها الحفاظ على مصالح الموارنة، ولذا كانت النتيجة خروج الفلسطينيين من المعادلة اللبنانية، وتراجُع نفوذ الموارنة وخروج قادتهم الذين ناهضوا استمرار الوجود السوري إلى المنفى في باريس. ومن الغريب أن بعضهم عاد حليفاً لسورية، مثل: ميشيل عون، وبعضهم الآخر بقي مناوئاً لها، مثل: أمين الجميّل الذي اغتيل ابنه في خضم الصراع الحالي.

أما الهدف السوري؛ فقد بدا أنه تحقق كليَّاً مع إطلاق يد سورية في لبنان وتمكُّنها من بناء قوة موالية لها لم يكن لها وجود مؤثر في الأحداث السابقة، إنها الطائفة الشيعية التي تغيرت أسماء منابرها مع تعاظم دورها؛ من حركة المحرومين أيام موسى الصدر، إلى حركة أمل، إلى حزب الله، ثم بدا أنه دخل دور الاضمحلال مع إخراج القوات السورية من لبنان، وتضييق الخناق على سورية بدعوى التحقيق بمقتل الحريري، ومحاصرة تمدُّد حزب الله بعد بروز الاستقطاب الطائفي السني الشيعي، ثم عاد الدور السوري للبروز اعتماداً على القوى الشيعية وحلفاء سورية من الموارنة، مع تشكيل تيار المعارضة تحت شعار إسقاط الحكومة.

وكان تصرُّف الشيعة بوصفهم طائفة في مجلس الوزراء ومجلس النواب وإبراز قادة الشيعة للبُعدَين الإيراني والسوري في إدارة الصراع السياسي مع ما يسمى تيار الأغلبية؛ عاملاً مهماً في رسم خريطة جديدة للصراع في لبنان، يمثِّل فيه السنة والشيعة طرفي الصراع الرئيسي، ويقف فيه دروز (جنبلاط) مع بعض الموارنة (أمين الجميل) مع تيار المستقبل (الحريري )، أمام تحالف مضاد يقوده حزب الله وأمل مع تيار (ميشيل عون ). إنه صراع جديد قد يعصف بلبنان، مما يعني نهاية الكيان الذي أقيم ليكون وطناً للموارنة؛ فهم تحولوا من طرف أساسي في الماضي إلى مجرد قوى متصارعة فيما بينها تبحث عن حليف تخوض من خلاله حربها ضد منافسيها؛ إنها الحرب الأخيرة للموارنة. وإذا كان بطريرك الموارنة نصر الله صفير يدعو أهل الحل والربط إلى أن يبرهنوا على رصانتهم ومسؤوليتهم؛ فإن ميشيل عون مرشح المعارضة لرئاسة الجمهورية يصرّح أنه لا يتخيل وجود شخص في لبنان يُدْعى (فؤاد السنيورة) يقوم بمهمات الرئيس. إنه خوف ماروني من فقدان منصب الرئاسة، ولذا حاول السنيورة طمأنة الموارنة عندما دعى النصارى إلى عدم الخوف من عدم وجود ماروني على رأس هرم الرئاسة. أما حزب الله فهو يؤكد على أن الرئيس غير موجود والحكومة غير شرعية، ولذا أعتقد أنهم يعلنون موت لبنان ليبشروا بمولود جديد في رَحم الأيام..

:: البيان تنشر - مـلـف خـاص- (الـخـطـر الإيـرانـي يـتـمـدد)